كتب الصحفي الإماراتي محمد الحمادي متحدثا عن الدور الإماراتي في السودان فقدم لنا صورة مثالية للإمارات بوصفها دولة تسعى إلى ( وقف نزيف الدم ) و( تيسير الانتقال الديمقراطي ) في السودان ثم دعا إلى أن تتوقف أبوظبي مؤقتا عن الحديث في الشأن السوداني انتظارا لأن يطلب السودانيون منها العون
قد يبدو الكلام للوهلة الأولى هادئا ومتوازنا لكنه يصبح شديد الاضطراب عندما نضعه أمام سؤال بسيط بأي معيار سياسي تصبح دولة لا تقوم حكومتها على انتخابات تنافسية أو تعددية حزبية مؤهلة لتقديم نفسها راعيا للانتقال الديمقراطي في دولة أخرى؟ الديمقراطية ليست مؤتمرا صحفيا ولا شعارا دبلوماسيا ولا مشروعا يصدر من عاصمة إلى أخرى الديمقراطية منظومة تقوم على المشاركة السياسية والتعددية وتداول السلطة وحرية التنظيم والتعبير وإمكانية أن يصل المواطنون إلى الحكم عبر انتخابات حرة وأن يغادروه عبر صناديق الاقتراع وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا هل الإمارات دولة ديمقراطية حتى تقدم نفسها بوصفها حاملة مشروع ديمقراطي في المحيط العربي؟
بحسب تقرير ( Freedom House ) لعام 2026 حصلت الإمارات على 18 من 100 وصُنفت ( غير حرة ) ويشير التقرير إلى أن الانتخابات المحدودة تقتصر على هيئة استشارية اتحادية وأن الأحزاب السياسية محظورة وأن السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية تستند في نهاية المطاف إلى حكام الإمارات السبعة ذوي الحكم الوراثي هذه ليست إساءة للإمارات إنها مقارنة بين الخطاب والواقع السياسي وفق معيار محدد ولذلك فإن عبارة ( تيسير الانتقال الديمقراطي ) تحتاج إلى تفسير أكثر من مجرد ترديدها هل المقصود ديمقراطية يختار فيها السودانيون حكومتهم بأنفسهم؟ أم انتقال سياسي يجري وفق ترتيبات تتفق عليها عواصم إقليمية ودولية ثم يُطلب من السودانيين قبولها؟ السودانيون لا يحتاجون وصيا على ديمقراطيتهم والأهم أن الجدل لا يتوقف عند المسألة النظرية فالسودان اتهم الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بدعم قوات الدعم السريع وهي اتهامات نفتها أبوظبي. والمحكمة في مايو 2025 لم تفصل في صحة هذه الاتهامات وإنما قضت بأنها تفتقر إلى الاختصاص للنظر في الدعوى ولذلك لا يجوز تحويل قرارها إلى شهادة براءة في أصل الوقائع وفي المقابل أفادت تقارير صحفية بأن خبراء أمميين ومشرعين أمريكيين اعتبروا بعض الأدلة المتعلقة بمساندة الإمارات للدعم السريع ذات مصداقية بينما ظلت أبوظبي تنفي تقديم الدعم العسكري إذن القضية ليست ( ملاسنات دبلوماسية ) كما يحاول الحمادي اختزالها القضية أعمق من يملك حق تحديد مستقبل السودان؟
السودانيون أم العواصم الإقليمية؟
إذا كانت أبوظبي تريد فعلا أن تنأى بنفسها عن السجال السوداني فليكن ذلك خطوة واضحة نحو احترام القرار السوداني وسيادته لا مجرد تغيير في اللغة الإعلامية فالسلام الذي يحتاجه السودان ليس سلاما يصنع خارج حدوده ثم يسوَّق داخله والديمقراطية التي يحتاجها ليست ديمقراطية مستوردة من دولة أخرى
أما الحديث عن الإمارات باعتبارها ( منارة تقود الانتقال الديمقراطي في المنطقة ) فهو يحتاج أولاً إلى إجابة عن السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت المصطلحات الدبلوماسية إذا كانت الديمقراطية هي البضاعة فأين يمارسها البائع؟
السودان لا يرفض السلام ولا يرفض الوساطة ولا يرفض المساعدة الإنسانية لكنه يرفض أن يتحول الحديث عن السلام والديمقراطية إلى غطاء لتجاوز إرادة السودانيين أو إعادة هندسة دولتهم من الخارج والقاعدة أبسط من كل المقالات
ساعدوا السودان إن طلب المساعدة واضغطوا من أجل وقف الحرب إن كنتم صادقين وادعموا المدنيين إن كان همكم الإنسان لكن اتركوا للسودانيين حق اختيار دولتهم وحكومتهم ومستقبلهم فالديمقراطية التي تأتي محمولة على إرادة الخارج تفقد منذ لحظة وصولها أهم شروطها أن تكون إرادة الشعب
حين تتحدث الديمقراطية بلسان من لا يمارسها .. مستشار هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


