من مسؤوليات الدولة الحديثة أن تبني حياة سياسية سليمة، و أن تحافظ على الأحزاب و تساعدها على بناء مؤسسات قوية، و تطوير أفكارها و رؤاها و برامجها، لتكون قادرة على ممارسة دورها في الحكم أو المعارضة بكفاءة و مسؤولية.
فالأحزاب ليست أدوات مؤقتة للوصول إلى السلطة، بل هي جزء من البنية السياسية للدولة. وكلما كانت الأحزاب أكثر نضجاً و مؤسسية، ازدادت قدرة الدولة على إدارة الاختلاف و التنافس السياسي بصورة مستقرة و منتجة.
ومن هنا، فإن إضعاف الأحزاب، أو تفتيتها، أو صناعة الانشقاقات داخلها، أو استمالة قياداتها و أعضائها بالمال و المناصب و المنافع، قد يبدو مكسباً للسلطة، لكنه في الحقيقة مكسب زائف و لحظي، ترتد آثاره في النهاية على الدولة و على من صنعه.
فالذي يقبل الولاء مقابل المال أو المنصب يمكن أن يقبل المقابل نفسه من جهة أخرى، وربما من خارج الدولة. وعندما تصبح الولاءات قابلة للشراء، تتحول الحياة السياسية إلى بيئة أكثر عرضة للاختراق، و تفقد الدولة جزءاً من مناعتها.
وتزداد الخطورة عندما تمتد الاستمالة إلى أصحاب التأثير داخل المجتمع من رؤساء الأحزاب و قياداتها، إلى رؤساء العشائر و القبائل و العُمَد، و كل من يمتلك تأثيراً حقيقياً في محيطه. فاستمالة شخص مؤثر قد تبدو مكسباً سياسياً، لكنها قد تتحول إلى اختراق لبنية المجتمع و الدولة من الداخل.
فصاحب التأثير لا يتحرك وحده دائماً، إذ يستطيع أن يؤثر في مواقف الآخرين، و يفتح مساحات للوصول إلى معلومات، و علاقات و شبكات يصعب الوصول إليها من الخارج مباشرة. ولهذا فإن استخدام المال أو المناصب أو الامتيازات لاستمالة أصحاب التأثير، عندما يرتبط بمصالح خارجية أو يؤدي إلى كشف أسرار الدولة و مصالحها، قد يرتقي إلى خيانة عظمى بحق الوطن لأنه يكشف ظهر الدولة، و مؤسساتها و قواتها المسلحة و مجتمعها، و يفتح ثغرات ينفذ منها الخارج.
وقد رأينا في السودان خلال الحرب الراهنة نموذجاً مؤلماً لهذه الخطورة. فقد شاهد و سمع معظم السودانيين مواقف لبعض الشخصيات المعروفة بانتماءاتها الحزبية، و رأوا كيف كان الاستماع إلى الخارج و الإنصات إليه، في بعض الحالات، أقوى من الاستجابة لنداء الوطن و دعم مؤسساته الوطنية و جيشه.
وبلغ الأمر في بعض الحالات حدّاً أكثر إيلاماً، حين تحولت بعض المنابر الدولية إلى ساحات لمهاجمة الدولة و السعي إلى إدانتها، و الدفع باتجاه اتخاذ إجراءات دولية بحقها، بما يفتح الباب أمام وضع السودان تحت البند السابع، في وقت كان الوطن يخوض فيه حرباً تهدد وجوده و وحدته.
وهنا يجب التفريق بين الاختلاف السياسي المشروع و بين اختلال الأولويات الوطنية. فمن حق أي حزب أن يعارض سياسات الدولة، و أن ينتقد و يقترح البدائل، لكن هناك فارق كبير بين المعارضة الوطنية و بين أن يصبح الخارج هو المرجعية التي يُستمع إليها أكثر من نداء الوطن.
وفي المقابل، أظهرت الحرب قيمة التماسك الوطني. فعندما اصطفت قطاعات واسعة من الشعب و القوى السياسية خلف القوات المسلحة، وجد الجيش ظهراً وطنياً يستند إليه، و استطاع الصمود و استعادة المبادرة و تحقيق تقدم متواصل.
فالجيش يحتاج إلى العدد و العتاد و التدريب و الكفاءة، لكن هذه العناصر تعمل داخل بيئة وطنية. قوة الجيش تبدأ من وحدة الشعب، و الجيش يحمي الدولة، و الشعب يحمي ظهر الجيش.
ومن هنا تتضح العلاقة بين قوة الجيش و قوة الحياة السياسية: مجتمع متماسك، و أحزاب قوية، و مؤسسات مستقرة و قوات مسلحة تؤدي مهمتها الوطنية، كلها مكونات لقوة واحدة هي قوة الدولة.
إذا كانت قوة الأحزاب جزءاً من قوة الدولة، فإن حمايتها و تقويتها يجب أن تكونا جزءاً من مشروع بناء الدولة الاستراتيجية. وعلى الدولة أن تحمي استقلال الأحزاب، و تساعدها على بناء مؤسساتها و تطوير كوادرها، و أفكارها و برامجها، و تمنع استخدام المال، و المناصب و المنافع العامة لشراء الولاءات أو صناعة الانشقاقات.
كما ينبغي أن تتوافق القوى السياسية على قواعد واضحة للتنافس، و أن تضع المصلحة الوطنية فوق المكسب الحزبي الآني، و أن تتعاهد على حماية الحياة الحزبية من التفتيت، و الاستمالة و التخريب الداخلي.
فالمعارضة القوية ليست عدواً للدولة، بل يمكن أن تكون قوة رقابة و تصحيح و إسهام. والحزب المساند للسلطة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أداة للتأييد، بل إلى شريك قادر على النقد و التصحيح.
المطلوب هو التنافس في خدمة الدولة، لا الصراع على الدولة.
هذه هي الدولة الاستراتيجية: دولة تدرك أن الحزب القوي و المستقل و المؤسسي ليس عبئاً عليها، بل جزء من قوتها. وأن إضعاف الأحزاب قد يمنح السلطة شعوراً بالانتصار، لكنه انتصار زائف؛ بينما بناء أحزاب قوية، و مؤسسات مستقرة و مجتمع متماسك، هو استثمار حقيقي في مستقبل الدولة.
الدولة التي تقوّي أحزابها تقوّي نفسها، و الدولة التي تفتتها تزرع ضعفها بيدها.


