تصريحات الخبير الأممي (رضوان نويصر) بشأن حياد لجنة التحقيق السودانية تستحق نقاشاً هادئاً بعيداً عن التسييس أو الدفاع المسبق عن أي طرف، فالقضية في جوهرها ليست مَن نصدق، وإنما كيف نصل إلى الحقيقة وما هي المعايير القانونية التي نحدد بها المسؤولية إن اختلاف أعداد الحالات المنسوبة إلى الدعم السريع عن تلك المنسوبة إلى القوات المسلحة لا يكفي وحده لإثبات انحياز اللجنة المعيار الحقيقي هو منهج التحقيق، ومصادر المعلومات، وطرق التحقق، ومدى استقلالية المحققين وقدرتهم على الوصول إلى الضحايا والشهود والأدلة.
لكن النقطة الأكثر حساسية تتعلق بالدمار الذي أصاب المباني والمنشآت المدنية، وهنا يجب ألا يكتفي أي تحقيق بتسجيل أن (مبنى مدنياً دمر)، ثم الانتقال مباشرة إلى البحث عن الجهة التي قصفت المبنى القانون الدولي الإنساني يفرض سؤالا سابقا هل ظل المبنى مدنياً وقت الهجوم أم أصبح هدفاً عسكرياً؟
فالمعيار القانوني لا يقوم على طبيعة المبنى الأصلية، فقط وإنما ينظر إلى طبيعته أو موقعه أو الغرض منه أو استخدامه، ويصبح الشيء هدفا عسكرياً عندما يسهم بصورة فعالة في العمل العسكري، ويؤدي تدميره أو الاستيلاء عليه أو تعطيله في الظروف القائمة وقت الهجوم إلى تحقيق ميزة عسكرية محددة، وهذا هو المعيار الوارد في المادة 52(2) من البروتوكول الإضافي الأول والذي تعتبره اللجنة الدولية للصليب الأحمر من القواعد ذات القبول الواسع في القانون الدولي الإنساني وهذا التفصيل بالغ الأهمية في الحالة السودانية فمن الوقائع التي ينبغي أن يفحصها أي تحقيق مهني أن قوات الدعم السريع اتخذت في عدد من المناطق التي شهدت القتال مواقع داخل أحياء ومنشآت مدنية لأغراض عسكرية بما في ذلك التمركز والقيادة والإيواء العسكري، فإذا ثبت أن مبنى مدنياً كان يستخدم وقت الهجوم كمقر قيادة، أو موقع تمركز أو لتخزين معدات عسكرية، فإن صفته القانونية لا يمكن تحديدها بمجرد كونه مدرسة، أو منزلاً، أو مستشفى أو منشأة مدنية في الأصل، لكن هذه القاعدة لا تعني أن استخدام مبنى مدني عسكرياً يمنح المهاجم شيكاً على بياض، فالتحول إلى هدف عسكري لا يلغي مبدأ التناسب ولا واجب اتخاذ الاحتياطات، فالهجوم يظل محظوراً إذا كان من المتوقع أن يسبب خسائر أو أضراراً مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، كما يجب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة عملياً لتجنب إصابة المدنيين وتقليل الأضرار التي تلحق بالأعيان المدنية، وهنا تصبح مسؤولية لجنة التحقيق أكثر تعقيداً من مجرد تحديد الجهة التي نفذت الضربة فعليها أن تبحث في هوية الهدف، وطبيعة استخدام المبنى، والمعلومات التي كانت متاحة وقت اتخاذ قرار بالهجوم، والميزة العسكرية المتوقعة، والوسيلة المستخدمة، والاحتياطات المتخذة، وحجم الضرر المدني المتوقع الفعلي، والأهم أن القانون لا يسمح بتحويل منطقة كاملة إلى هدف عسكري لمجرد وجود مقاتلين فيها فالأهداف العسكرية يجب تحديدها بصورة منفصلة خصوصاً داخل المدن والمناطق المكتظة بالسكان حيث تزداد مخاطر إصابة المدنيين والأعيان المدنية، وقد أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المباني المدنية التي تستخدمها قوات مسلحة يمكن أن تصبح أهدافاً عسكرية، لكن ذلك يظل خاضعاً لمبدأ التناسب والاحتياطات اللازمة، ومن ثم فإن القول إن القوات المسلحة قصفت مباني مدنية يحتاج قانونياً إلى تفكيك كل واقعة على حدة وليس إلى تعميم المسؤولية استناداً إلى مشهد الدمار وحده، وفي المقابل فإن الادعاء بأن كل مبنى استخدمه الدعم السريع عسكرياً أصبح هدفا مشروعاً بصورة مطلقة هو أيضاً استنتاج غير صحيح.
أما الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب ومحاكمة الأشخاص لمجرد الاشتباه في تعاونهم مع ميليشيا الدعم السريع أو القوات المسلحه فهي ممارسات ينبغي رفضها بوضوح أياً كانت الجهة المسؤولة عنها،،فمواجهة التمرد المسلح لا تلغي الضمانات القانونية، كما أن الاشتباه لا يساوي الإدانة وفي النهاية فإن قوة أي تحقيق لا تقاس بعدد الحالات التي ينسبها إلى هذا الطرف أو ذاك، وإنما بقدرته على إثبات الوقائع وفق معيار قانوني واضح.
المبنى المدمّر ليس دليلاً بذاته على جريمة، كما أن وجود مقاتلين داخله ليس دليلاً بذاته على مشروعية استهدافه.
بين الأمرين توجد منظومة كاملة من القواعد التمييز وتحديد الهدف العسكري والتناسب والاحتياطات ثم تحديد المسؤولية على أساس الأدلة وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي لجنة تحقيق وطنية كانت أم دولية أن تبحث عن الحقيقة كاملة، لا أن تبدأ من النتيجة ثم تبحث عما يؤيدها.

