ليست أزمة المحكمة الجنائية الدولية في نقص القوانين، بل في عجز العدالة عن التحرر من قبضة السياسة وموازين القوة، فقد أُنشئت لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية لكنها تواجه اتهامات متصاعدة بالانتقائية كلما اقتربت المساءلة من مصالح الدول الكبرى وحلفائها.
وحين أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، جاء الرد الأمريكي ليكشف عمق التناقض، ففي فبراير 2025 أصدر دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على المحكمة و مسؤوليها.
هنا تنكشف المفارقة، واشنطن التي تتحدث عن سيادة القانون ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات تعارض المؤسسة القضائية حين تقترب من حليف استراتيجي، وكأن العدالة مطلوبة للخصوم وممنوعة على الحلفاء، إنها عدالة عرجاء معصوبة العينين عن رؤية امتيازات الأقوياء ومقيدة الخطى حين تصطدم مصالحهم بالقانون.
ومع ذلك فإن نقد المحكمة لا يعفيها من واجب إثبات استقلالها واتساق معاييرها، ولا يبرر تعطيل المساءلة أو الإفلات من العقاب، فالعدالة التي تحاكم الضعيف وتعجز أمام القوي ليست عدالة مكتملة، والقانون الذي يتغير بتغير هوية المتهم يتحول إلى أداة سياسية.
ويبقى السؤال كيف يثق العالم بنظام دولي يطالب الجميع باحترام القانون بينما تبدو بعض القوى الكبرى مستعدة لمعاقبة من يحاول تطبيقه عليها أو على حلفائها؟


