ليس الجنوب الليبي أو إقليم فزان فراغاً استراتيجياً يعاني من ضيق المتسع، ولا هامشاً تابعاً يمكن قراءته من طرابلس أو بنغازي وحدهما. من هذا الاستهلال أود أن أبدأ به قراءاتي تلك، لأنه في تقديري المفتاح الذي يزيل كثيراً من الالتباس في تحليل الشأن الليبي. فالجنوب الليبي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، والقبيلة مع الاقتصاد، والحدود الوطنية مع شبكات قرابة وتجارة تمتد إلى تشاد، والنيجر، والجزائر والسودان. وهذه ليست فقط خصائص وصفية، إنها بنية تكوين لسلوك الفاعلين دون الدولة، وفوق ذلك سلوك القوي الإقليمية والدولية المتزاحمة فى تقاطع مصالح استراتجي نادر الحدوث على حد سواء.
قد يكون من المريح من ناحية التحليل السطحي اعتبار الحنوب الليبي أو إقليم فزان هامشاً تابعاً للمركز، لكن الوقائع بحسب ما هو متاح من خرائط ودراسات تاريخية واجتماعية تشير إلى أن هذا الهامش يمتلك قدرة على قلب المعادلة عند ضعف الدولة المركزية. وفي رأيي، أن لحظة الضعف لا تلغي المركزية، بل تعيد توزيعها. وهنا يصبح الجنوب الليبي مركزاً مؤقتاً أو موازياً، لا لأنه يمتلك مؤسسات دولة بالمعنى التقليدي، بل لأنه يتحكم في ممرات وعقد استراتجية: الموارد، الطرق والمعابر، والتهريب، والحماية القبلية والوساطة بين الشمال والجنوب، وأن من يقبض بتلابيب هذه العقد لا يحتاج إلى جيش نظامي ليفرض قوته، وبالتالي شروطه، بل يكفيه أن يكون طرفاً صعب المراس لا يمكن تجاوزه.
هذا المعنى يلتقي، في جوهره لا في نصه الحرفي، بما نبّه إليه المفكر الصيني (صن تزو) من أن الأرض ليست خلفية للصراع، بل جزء من لعبته، كما يجد صدى عند (كارل فون كلاوزفيتز) في فكرته عن الاحتكاك والضباب، حيث تتحول الجغرافيا والولاءات المحلية إلى عوامل تعقيد لا يمكن اختزالها في خطط المركز. أما (أندريه بوفر) فقد كان شديد الحساسية لفكرة الاستراتيجية بوصفها جدلاً بين إرادتين، وهو ما يفسّر كيف يمكن لفاعل محلي ضعيف ظاهرياً لا يمكنه ضفعه من أن يفرض تكلفة على فاعل أقوى. وفي تقليد المفكر (كارلو جان) الجيوسياسي، لا يمكن فصل الصراع عن البيئة الجغرافية والموارد والانتماءات. وأفكار (ماكندر وسبيكمان) حول الموقع والسلطة مع ما فيها من تبسيط تظل مفيدة في التنبيه إلى أن من يتحكم في العقد الجغرافية قد يمسك بخيوط النفوذ أكثر ممن يملك العاصمة.
لكني لا أريد الانزلاق إلى حتمية جغرافية. إقليم فزان ليس قدراً فرضته حتمية الجغرافيا، إنه إمكانية تاريخية. والقبيلة فيه ليست كتلة صلبة، والحدود فيه ليست خطوطاً نهائية. أتصور أن الفهم الأدق هو النظر إلي الجنوب الليبي أو إقليم فزان كمساحة مرنة، تنشط فيها العصبية عند الحاجة، وتضعف فيها الدولة عند الأزمة وتعبث بها الشبكات الإجرامية العابرة للحدود حين تغيب السلطة الرسمية.
وهنا يظهر الفرق بين الواقعة الموثقة والاستنتاج التحليلي: أن الحدود الرسمية موجودة، هذه حقيقة، أما أن هذه الحدود تولّد ولاءات بديلة، فهذا استنتاج يحتاج إلى تدقيق في كل حالة على حدة.
لذلك، فإن قراءة الجنوب الليبي أو إقليم فزان من زاوية المركز وحده ليست خطأ منهجياً فحسب، بل هي خطأ استراتيجي. ففي لحظات ضعف الدولة، قد لا يكون السؤال: من يحكم طرابلس أو بنغازي؟ بل من يمسك بأطراف الجغرافيا ويحولها إلى لعبة جيوسياسية تربط الجنوب بالشمال، والجنوب بمحيطه الأفريقي، وفي تقديري، هذا هو مدخل فهم الجنوب الليبي أو اقليم فزان ليس كطرف تابع، بل كقلب نابض في خاصرة الصحراء.
لفهم لحظة الجنوب الليبي أو إقليم فزان الراهنة، لا بد من العودة إلى مسارها التاريخي الطويل. فقد كانت فزان، قبل أن تصبح هامشاً في خطاب دولة ليبيا المركزية، مركزاً قائماً بذاته.
في العهد العثماني، حكمت أسرة أولاد محمد مدينة مرزق وواحاتها، وأدارت شبكة تجارية عابرة للصحراء تربط الساحل الليبي ببلاد السودان. وحين تراجعت السلطة العثمانية في القرن التاسع عشر، برزت إمارة محلية في مرزق بقيادة (محمد المكني)، قبل أن تعود الدولة العثمانية لتفرض وجودها من جديد. هذا التاريخ ليس تفصيلاً أثرياً؛ إنه يفسّر لماذا تحتفظ فزان بذاكرة استقلال نسبي عن المركز، ولماذا ينظر كثير من أبنائها إلى الدولة الحديثة ككيان جاء لاحقاً، لا كأصل.
في فترة الاحتلال الإيطالي، دخلت فزان دائرة العنف الاستعماري. احتلت القوات الإيطالية سبها عام 1913، لكن المقاومة استمرت سنوات، وتحولت فزان إلى قاعدة خلفية للمقاومة السنوسية. وبعد الحرب العالمية الثانية، وقعت فزان تحت الاحتلال الفرنسي (1943–1951)، قبل أن تصبح واحدة من ولايات المملكة الليبية المتحدة الثلاث: طرابلس، وبرقة وفزان.
في تقديري، هذه المرحلة هي الأهم في تشكيل الوعي السياسي الفزاني: فزان لم تكن مجرد إقليم، بل كانت كياناً سياسياً له تمثيل ومؤسسات في النظام الفيدرالي.
لكن هذا الوضع لم يدم، ففي عام 1963 ألغى الملك إدريس النظام الفيدرالي، وتحولت ليبيا إلى دولة وحدوية. وهنا بدأ التراجع البطيء لفزان من مركز سياسي إلى هامش إداري. وبعد انقلاب 1969 دخلت فزان مرحلة أكثر تعقيداً، فقد وظّف القذافي التوازنات القبلية في الجنوب لصالح نظامه، وهمّش مجموعات كاملة أبرزها التبو عبر حرمانها من الجنسية الليبية عقوداً من الزمان، كما جند الفيلق الإسلامي من دول الساحل وفتح الباب أمام تحالفات عابرة للحدود.
وفي ظل الجماهيرية، أُلغيت الإدارات المحلية التقليدية، وحلّت محلها اللجان الشعبية واللجان الثورية، لكن السلطة الفعلية ظلت في يد شبكات من القبائل والزعامات المحلية. وهكذا، بينما كانت الدولة المركزية تعلن سلطة الشعب، كانت فزان تُدار بمنطق الولاءات الأولية والوساطة القبلية.
بعد 2011، انفجر هذا التركيب. لم تكن فزان مسرحاً للصراع بين الثوار ونظام القذافي فقط، بل أصبحت ساحة لصراعات محلية متراكمة: التبو والزوية في الكفرة، وأولاد سليمان، والقذاذفة والطوارق في الغرب. وتحولت حقول النفط الشرارة والوفاء إلى أوراق ضغط في الصراع الوطني. وفي تقديري، ما حدث بعد 2011 ليس انقطاعاً عن الماضي، بل تكثيفاً له: عادت فزان إلى دورها التاريخي كعقدة اتصال، لكن هذه المرة في ظل دولة منهارة، لا في ظل إمارة أو ولاية. والفرق جوهري: فالإمارة القديمة كانت تنتج نظاماً، أما الفوضى الراهنة فتنتج وسطاء.
ولا أرى أن الحل يكمن في تقليص دور المجتمعات المحلية أو تجاهلها، فهذا غير واقعي، كما أنه قد يعيد إنتاج التهميش، و إنما المطلوب هو بناء مؤسسات تجعل الانتماء القبلي جزءاً من الحياة الاجتماعية، لا بديلاً عن المواطنة أو القانون. ويشمل ذلك تمثيلاً محلياً عادلاً، وتوزيعاً شفافاً للموارد، وأجهزة أمن خاضعة للمساءلة، وبرامج تنمية تعالج الفوارق بين المدن والواحات والمناطق الحدودية. هذه ليست وصفة جاهزة، بل إطار عام يحتاج إلى تفصيل بحسب كل منطقة، وكل قبيلة وكل مرحلة انتقالية.
في تقديري، سيظل الجنوب الليبي عاملاً حاسماً في مستقبل الدولة في ليبيا ، لا لأن فزان تسعى بالضرورة إلى الانفصال عن المركز، بل لأن ضعف المركز يجعل الإقليم أكثر تأثراً بالصراعات الوطنية والإقليمية. وإذا أُديرت الجغرافيا من خلال المؤسسات، والتنمية والتوافق الاجتماعي، يمكن لفزان أن تصبح جسراً بين ليبيا وعمقها الأفريقي. أما إذا تُركت الطرق، والموارد والأمن رهينة التنافس المسلح، فإن المنطقة ستبقى مجالاً تتقاطع فيه الأزمات، وتتجاوز آثاره حدود ليبيا إلى تشاد، والنيجر، والسودان. وفي الحالتين، لن تكون فزان هامشاً، إما جسراً أو عقدة. والاختيار في تقديري ليس جغرافياً، بل سياسي استراتيجي.


