الدول لا تدار من مواقع التواصل الاجتماعي وضجيج المنصات ولا تحكم بالتعليقات ولا تصنع قراراتها وقت الانفعالات السياسة ليست ساحة لتصفية الحسابات ولا تسابق للإطلاق الاخبار العاجلة بل هي فن الممكن وعلم المصالح وفهم موازين القوة واحتساب النتائج قبل اتخاذ القرارات فلا تنبهر بالألقاب التي تسبق الأسماء دكتور- بروفيسور – صحفي – خبير – محلل سياسي الألقاب لا تصنع الحقيقة والظهور امام الكاميرات لا يمنح مفاتيح السياسة ، الألقاب لا تمنح صاحبها حق احتكار الحقيقة ولا تجعل كل رؤية يطرحها قابلة للتطبيق فالدكتور او الخبير او الأستاذ الجامعي او الإعلامي قد يمتلك معرفة مهمة في مجال محدد لكن لا يعني بالضرورة امتلاكه حلولا لكل المشكلات
ليس كل من يتحدث عن السياسة يفهم ابعادها وليس كل من يدعى معرفة الكواليس يملك اسرارها وراء العلاقات الدولية وزارات خارجية ومؤسسات دبلوماسية وقيادات تتخذ القرار وفق أنظمة دولها ومصالحها الوطنية وهنالك مواثيق ومعاهدات وعهود واتفاقيات والتزامات قانونية لا يمكن اختزالها في تصريح عابر او تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي .
بعض المواقف قد تترتب عليها تبعات سياسية اقتصادية وقانونية وقد تتجاوز اثارها حدود الدولة نفسها هناك ما يقال امام الكاميرات وهناك ما يناقش خلف الأبواب المغلقة وبين الاثنين تفاصيل لا يعرفها كثيرون اذا تركت إدارة علاقات الدول الي الإنفعالات وضجيج الشارع وتضجيج مواقع التواصل الاجتماعي لقطعت الدول علاقاتها قبل تنتنفذ أبواب الحوار وتحولت الخلافات الى أزمات لا يعلم احد الى اين تنتهى .
فالذين يظهرون كل يوم ويصرخ خبر عاجل ثم يوزع الأحكام كانه حاضر ومطلع علي كل قرار فهل يملك معلومة موثقة ام يقدم تحليلا مكرر دون ان يستوعب ابعاده فلا ستدرجكم ضوضاء من ينسب ويتجاذب الأخبار العاجلة . فليس كل سخب موقف وليس كل أداء حقيقة وليس كل من اعتلي منبرا امتلك رؤية ففي السياسة يكون الصمت حكمة والتجاهل ابلغ ردا. لان القضايا الكبرى لا توزن بعلو الأصوات بل بعمق العقول ونفهم ان الدول قد تختلف اليوم ثم تجلس على طاولة واحدة لان السياسة لا تقوم علي العواطف وحدها لكن تحكمها المصالح والظروف وموازين القوة فلا كل خلاف قطيعة ولا كل مصافحة تحالف ولا كل ما يظهر للعلن يظهر حقيقة ما يجري خلف الكواليس وليس هذا الكلام رد النقد او كبت حرية التعبير فمن حق الناس ان تسال وتناقش وتحاسب لكن هنالك فرق بين نقد يستند الى معرفة وضجيج يستند الي التخمين وبين من يحلل الاحداث وبين من يملك صلاحية اتخاذ القرار علينا فهم السياسات قبل ان نصدق ضجيجها وان نميز بين من ينقل الحدث وبين من يحلل وبين من يصنع القرار فالدول لا تدار بعدد المتابعين لمعاهدات ولا تختزل في التعليقات ، والعلاقات الدولية لا تبني بالانفعالات والتاريخ لا يذكر من كان صوته اعلي بل يذكر من احسن الحساب وادرك العواقب واتخذ القرار في اللحظة التي تستحق .
ليس كل من يطرح رؤية للتنمية يمتلك حل المشكلة وليس كل من يشخص الخلل قادرا علي معالجته وليس كل من يجيد الحديث عن الاقتصاد والتنمية يملك الأدوات والمعرفة والخبرة التي تمكنه من تحويل الأفكار الى واقع فبين الطرح الرؤي وصناعة الحلول مسافة واسعة اذ يمكن لاي شخص ان يطرح أفكارا جذابة ويرسم صورة وردية للمستقبل وينتقد الواقع لكن التحدي الحقيقي يمكن في فهم جذور المشكلة ومعرفة أسبابها وتحديد الموارد المتاحة وترتيب الأولويات وتقدير التكلفة ووضع آليات التنفيذ ثم تحمل مسؤولية النتائج .
فالتنمية ليس أفكارا جميلة تقال بل مشكلات معقدة تحتاج الي فهم عميق وحلول قابلة للتطبيق فمن يتحدث عن نهضة الزراعة مثلا عليه ان يفهم مشكلات الري والتمويل ومدخلات الإنتاج والأسواق لا ان يكتفي بالدعوة الى زيادة الإنتاج ، ومن يتحدث عن اصلاح الاقتصاد عليه ان يدرك ترابط الإنتاج والصادرات وسعر الصرف والسياسات المالية والنقدية لا ان يطرح حلولا منفصلة عن الواقع
فلأوطان لا تنهض بكثرة من يتحدثون عن التنمية وانما بقدرتنا علي تحول المعرفة الي سياسات والسياسات الي مشروعات والمشروعات الى نتائج حقيقية يشعر بها المواطن . فالدول لا تدار من مواقع التواصل الاجتماعي فالدولة أكبر من منشور وأعمق من تغريدة وأثقل مسؤولية من ان تدار وفق ما يثير الجدل او يحصد الإعجابات .


