ليست الصحة النفسية قضية تخص شعبًا دون آخر، ولا ترتبط ببلد بعينه أو ثقافة محددة، بل هي قضية إنسانية عالمية تمس كل إنسان، مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو معتقده أو ظروف حياته. فكما يحتاج الجسد إلى الرعاية والعلاج، تحتاج النفس إلى الأمان والاحتواء والتقدير، وتحتاج الروح إلى ما يعينها على مواجهة تقلبات الحياة ومحنها. وإذا كانت الحروب تترك وراءها مدنًا مدمرة وبيوتًا مهدمة وطرقات فقدت ملامحها، فإنها تترك أيضًا جراحًا نفسية قد لا تراها العيون، لكنها تعيش في ذاكرة الناجين وقلوب الأطفال والنساء والرجال وكبار السن، وتستمر آثارها أحيانًا حتى بعد توقف أصوات القذائف وانتهاء مشاهد النزوح والدمار.
إن العالم اليوم بحاجة إلى أن ينظر إلى الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من كرامة الإنسان وحقوقه، لا رفاهية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الأزمات. فالمتأثرون بالحروب والكوارث والنزوح لا يحتاجون إلى الغذاء والمأوى والدواء فحسب، بل يحتاجون كذلك إلى الشعور بالأمان، وإلى من يسمعهم دون أن يحاكمهم، وإلى بيئة تساعدهم على استعادة الثقة بالحياة، وإلى خدمات نفسية واجتماعية تحفظ كرامتهم وتدعم قدرتهم على التعافي. وقد ينجو الإنسان بجسده من الخطر، لكنه يظل يحمل في داخله خوفًا من تكراره، أو حزنًا على من فقدهم، أو قلقًا على أسرته، أو إحساسًا بالغربة وفقدان الاستقرار. ولذلك فإن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء معاناة جميع من عاشوا أحداثها.
وتتجلى هذه الحقيقة في بلدان عديدة عانت ويلات الصراعات والنزاعات، حيث يواجه الناس تحديات متشابهة رغم اختلاف الظروف؛ ففي السودان، وفي فلسطين، وفي اليمن وسوريا وغيرها من المناطق التي عانت الحروب أو النزاعات، يعيش كثير من الناس تجارب الفقد والنزوح وانقطاع التعليم وتراجع مصادر الرزق وتشتت الأسر. ولا تتوقف آثار هذه الأحداث عند حدود الدول، بل تمتد إلى المجتمعات التي تستقبل النازحين واللاجئين، وإلى الأسر التي تعيش بين بلدين، وإلى المغتربين الذين يحاولون بناء حياة مستقرة بينما تظل قلوبهم معلقة بأهلهم وأوطانهم. وهكذا تصبح الصحة النفسية مسؤولية إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
وفي السودان، حيث اضطر كثير من الناس إلى مغادرة منازلهم ومناطقهم، لا تنحصر المعاناة في خسارة الممتلكات أو صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، بل تمتد إلى فقدان الإحساس بالحياة التي اعتادها الإنسان. فالأم التي تقلق على أبنائها، والأب الذي يعجز عن تلبية احتياجات أسرته كما كان يفعل، والطفل الذي انقطع عن مدرسته وأصدقائه، والشاب الذي توقفت دراسته أو تعطلت أحلامه، وكبير السن الذي وجد نفسه بعيدًا عن بيته وذكرياته، كل واحد منهم يحمل تجربة تستحق الفهم والاهتمام. وقد تبدو بعض الوجوه مبتسمة ومتقبلة للواقع، بينما تخفي وراء ابتسامتها تعبًا نفسيًا لا يعرفه الآخرون.
ولا ينبغي أن نحصر آثار الحروب في التشخيصات النفسية وحدها؛ فبعض الناس يعانون القلق واضطرابات النوم، وبعضهم يشعر بالحزن أو الغضب أو التشتت، وقد يواجه آخرون صعوبة في التركيز أو بناء العلاقات أو التخطيط للمستقبل. وقد تظهر لدى الأطفال مخاوف جديدة أو سلوكيات مختلفة، بينما يختار بعض البالغين الصمت والانسحاب حتى لا يثقلوا على أسرهم. هذه الاستجابات قد تكون مفهومة في أعقاب التجارب القاسية، ولا تعني تلقائيًا وجود اضطراب نفسي، لكنها تستحق الاهتمام عندما تستمر أو تشتد أو تعوق الإنسان عن ممارسة حياته اليومية.
ومن أهم رسائل التوعية أن الألم النفسي لا يُقاس دائمًا بما يظهر على وجه الإنسان. فلا يصح أن نحكم على معاناة شخص بأنه بخير لأنه يضحك، أو بأنه ضعيف لأنه يبكي، أو بأنه تجاوز المحنة لأنه توقف عن الحديث عنها. كما لا ينبغي أن نطالب المتأثر بالحرب بنسيان ما حدث، أو نقارن مصيبته بمصائب الآخرين، أو نستخدم عبارات تزيد شعوره بالذنب. فلكل إنسان تجربته الخاصة، ولكل نفس قدرتها على التحمل، ولكل شخص إيقاعه في التعافي. والواجب الإنساني أن نمنح المتألم مساحة آمنة للتعبير، وأن نحترم صمته إن لم يكن مستعدًا للحديث، وأن نعرض المساعدة دون فرضها عليه.
إن الأسرة هي خط الدفاع الأول عن الصحة النفسية، لكنها تحتاج بدورها إلى الدعم. فالاستماع المتعاطف، والابتعاد عن اللوم والسخرية، وتنظيم المسؤوليات، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، وتوفير الروتين اليومي للأطفال، كلها ممارسات يمكن أن تساعد على استعادة شيء من الاستقرار. كما أن المؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية والإنسانية تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال نشر الوعي، وتدريب العاملين على تقديم الدعم النفسي الأولي، وتوفير الإحالة إلى المختصين، وإنشاء مساحات آمنة للأطفال والنساء وكبار السن، مع احترام خصوصية الأفراد وكرامتهم.
ولا يقل الاهتمام بالصحة النفسية أهمية لدى الأشخاص الذين لم يعيشوا الحرب مباشرة، لكنهم يتابعون أخبارها باستمرار، أو لديهم أقارب وأصدقاء في مناطق النزاع. فالتعرض المتكرر للمشاهد المؤلمة والأخبار المفزعة قد يزيد القلق والعجز النفسي لدى بعض الناس. ومن الحكمة متابعة الأخبار من مصادر موثوقة وفي أوقات محددة، وتجنب تداول الصور الصادمة دون ضرورة، وعدم تحويل المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحات دائمة للخوف واليأس. فالاهتمام بمعاناة الآخرين لا يتطلب أن نستنزف قدرتنا على العيش، والراحة النفسية لا تعني اللامبالاة بمصائب البشر.
وتتطلب التوعية العالمية كذلك تصحيح الفكرة التي تربط طلب العلاج النفسي بالضعف أو الوصمة الاجتماعية. فكما يراجع الإنسان الطبيب عند استمرار الألم الجسدي، فمن حقه أن يستشير مختصًا نفسيًا عندما يجد أن الحزن أو القلق أو آثار الصدمة أصبحت تعوق حياته. وليس كل من يطلب المساعدة مصابًا بمرض نفسي؛ فقد يحتاج الإنسان إلى جلسات إرشاد أو دعم تساعده على فهم مشاعره والتعامل مع ظروفه. وإذا استمرت الأعراض أو أثرت بوضوح في النوم أو العمل أو العلاقات أو رعاية الذات، فإن الاستعانة بمختص مؤهل خطوة واعية ومهمة.
وفي المجتمعات المسلمة، يمثل الإيمان بالله مصدرًا للرجاء والطمأنينة، وتمنح الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن والذكر كثيرًا من الناس قوة روحية تساعدهم على مواجهة الشدائد. يقول الله تعالى: **﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾** [الرعد: 28]. غير أن الرحمة التي يدعونا إليها ديننا تقتضي ألا نلوم المتألم على حزنه، وألا نفسر كل معاناة نفسية على أنها ضعف في الإيمان. فالإيمان والصبر لا يمنعان الإنسان من الحزن، ولا يتعارضان مع طلب العلاج والأخذ بالأسباب. ومن واجبنا أن نجمع بين الدعم الروحي والرعاية النفسية المتخصصة، وأن نجعل الخطاب الديني مصدرًا للرحمة والأمل لا وسيلة لإسكات الألم.
إن التعافي بعد الحروب لا يتحقق بمجرد مطالبة الناس بأن ينسوا الماضي أو يعودوا إلى حياتهم السابقة، بل يحتاج إلى الأمن والاستقرار، ولمّ شمل الأسر، وإعادة بناء التعليم والعمل والخدمات، وإتاحة الرعاية النفسية والاجتماعية، وإشراك المجتمعات المتضررة في القرارات التي تمس حياتها. كما يحتاج إلى الاعتراف بمعاناة الناجين واحترام قصصهم، وعدم اختزالهم في صفة الضحية؛ فهم بشر يمتلكون قدرات وخبرات وأحلامًا، ويستحقون الفرصة لاستعادة أدوارهم في أسرهم ومجتمعاتهم.
وفي هذا اليوم العالمي للصحة النفسية، لا ينبغي أن تنحصر رسالتنا في منشورات موسمية أو شعارات جميلة، بل يجب أن تتحول إلى سلوك يومي يبدأ من طريقة حديثنا مع أنفسنا وأسرنا، ويمتد إلى مؤسساتنا ومجتمعاتنا وسياساتنا الإنسانية. فلنستمع أكثر، ولنحكم أقل، ولنساعد دون تجريح، ولنحترم اختلاف الناس في استجاباتهم للمحن. ولنمنح الأطفال الأمان، وكبار السن الاهتمام، والأسر النازحة الدعم، والمتألمين حقهم في العلاج والاحتواء.
إن رسالة الصحة النفسية إلى العالم كله هي أن الإنسان ليس مجرد جسد ينجو من الخطر، بل كيان يحمل مشاعر وذكريات وآمالًا يحتاج إلى الرعاية. ومن حق كل إنسان، في السودان وفلسطين واليمن وسوريا وسائر البلدان المتأثرة بالحروب، وفي كل مكان على هذه الأرض، أن يعيش بكرامة وأمان، وأن يجد من يساعده عندما تثقل عليه الحياة. فلنجعل الرحمة لغة مشتركة بين الشعوب، والدعم النفسي جزءًا أصيلًا من العمل الإنساني، والأمل مساحة نفتحها لكل من أنهكته المحن.
**فالحروب قد تجرح الإنسان، لكن التعاطف والرعاية والأمان يمكن أن تفتح أمامه طريق التعافي. والصحة النفسية ليست شأنًا فرديًا فحسب، بل مسؤولية إنسانية تجمعنا جميعًا.**
**د. حنان درار**


