Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6323 | من المسؤول عن الجمود المهيمن على الساحة السياسية السودانية ؟؟

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (26) السودان بين مجريات الحرب ومخاطر الفتنة الحدودية وتحديات استعادة سلطة الدولة.. حادث المعدّنين على الحدود المصرية والتحريض والسلاح خارج سلطة القانون وأوضاع المحتجزين والتحركات العسكرية والدبلوماسية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

وجه الحقيقة |عودة الباسل بابكر .. د. إبراهيم شقلاوي

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (26) السودان بين مجريات الحرب ومخاطر الفتنة الحدودية وتحديات استعادة سلطة الدولة.. حادث المعدّنين على الحدود المصرية والتحريض والسلاح خارج سلطة القانون وأوضاع المحتجزين والتحركات العسكرية والدبلوماسية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تتواصل الحرب على السودان في ظل تداخل التطورات الميدانية مع الأزمات الإنسانية والتوترات الإقليمية، فيما تبرز قضايا الأمن الداخلي وسيادة القانون بوصفها جزءًا أساسيًا من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها. وقد شهدت الساعات الماضية تطورات تتصل بحادث مقتل معدّنين سودانيين في منطقة حدودية مع مصر، ومقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث في الخرطوم، إلى جانب تقارير عن تحركات عسكرية جديدة، وأوضاع المحتجزين في دارفور، وتحركات دبلوماسية بشأن مستقبل الحرب.

وتفرض هذه التطورات ضرورة التمييز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها، والاتهامات التي ما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل، والخطاب التحريضي الذي قد يحوّل الحوادث الفردية إلى توترات بين الشعوب والدول. كما تفتح النقاش حول ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة غير النظامية في العاصمة، وإعادة الاعتبار لسلطة الشرطة والأجهزة العدلية، بحيث لا تصبح الشوارع والأسواق ومناطق النشاط الاقتصادي ساحات مفتوحة للسلاح والانتقام.

ومن هنا، فإن قراءة المشهد السوداني لا تكتمل بالنظر إلى جبهات القتال وحدها، بل تتطلب الربط بين *أمن الحدود، والعلاقات السودانية المصرية، وحماية المدنيين، وضبط السلاح، وسيادة القانون، والتحرك السياسي والدبلوماسي*.

المحور الأول: حادث المعدّنين.. بين حماية المواطنين ومنع التصعيد مع مصر

أثار الهجوم الجوي الذي استهدف موقعًا للتعدين الأهلي في منطقة جبل العُقيدات والمناطق الحدودية شمال شرقي السودان موجة واسعة من الغضب، بعد تداول تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا السودانيين. وقد اتهمت جهات سودانية القوات المصرية بتنفيذ الهجوم، بينما لم تُحسم المسؤولية بصورة مستقلة، وتحدثت السلطات المصرية عن عمليات لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في المناطق التي تعتبرها ضمن نطاق سيادتها.

وفي أعقاب الحادث، وجّه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم جهات عدلية وأمنية مختصة، بهدف الوقوف على ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات. وتبقى نتائج التحقيق هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه المواقف الرسمية، بعيدًا عن الاتهامات المتعجلة أو محاولات استثمار الغضب الشعبي.

وتتمثل القضية الأساسية في مسؤولية الدولة عن حماية أرواح مواطنيها، وتأمين مناطق التعدين، وتحديد الاختصاصات الحدودية، ومنع تعريض المدنيين للخطر. وإذا ثبت وقوع تجاوزات أو استخدام غير متناسب للقوة ضد مدنيين، فإن ذلك يستدعي معالجة قانونية ودبلوماسية واضحة، كما أن وجود أنشطة تنقيب غير مرخصة لا يلغي ضرورة حماية الأرواح والتحقق من هوية المستهدفين وظروف العملية.

ولا ينبغي أن يتحول الحادث إلى صراع بين الشعبين السوداني والمصري؛ فالعلاقة بين البلدين أوسع من أي حادث، لكن الحفاظ عليها لا يعني إهمال حقوق الضحايا أو تجاوز مطلب التحقيق والشفافية. والمطلوب هو موقف سوداني مسؤول يجمع بين حماية المواطنين، وصيانة السيادة، والمطالبة بكشف الحقيقة، وإدارة الخلاف عبر القنوات الرسمية.

المحور الثاني: مقتل سائقين مصريين في الخرطوم.. خطر الانتقام والتحريض

تزامن حادث المعدّنين مع مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث بإطلاق نار في جنوب الخرطوم، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية. وأشارت تقارير إلى أن السلطات السودانية أبلغت الجانب المصري بالقبض على المشتبه به، فيما تواصلت الاتصالات الدبلوماسية بشأن التحقيق في الحادث ورعاية المصاب وإعادة جثماني المتوفيين.

وتكتسب الواقعة خطورة إضافية بسبب توقيتها، إذ قد يربط بعض الناس بينها وبين الغضب الذي أثاره مقتل المعدّنين، بما يفتح الباب أمام فرضية الانتقام الفردي. غير أن دوافع الجريمة ومسؤولية مرتكبها يجب أن تُحسم عبر التحقيق، لا من خلال الاستنتاجات أو الشائعات المتداولة.

إن استهداف مواطنين بسبب جنسيتهم أو تحميلهم مسؤولية أفعال حكوماتهم يمثل مسارًا خطيرًا يضر بالسودان قبل غيره، ويهدد مصالح المواطنين والتجار والعاملين في النقل والتبادل التجاري بين البلدين. كما أن السماح بتحويل الغضب إلى اعتداءات فردية يضعف سلطة القانون، ويمنح دعاة التصعيد فرصة لتوسيع دائرة الخلاف.

والموقف المطلوب هو حماية المواطنين السودانيين أينما كانوا، وحماية المصريين وسائر الأجانب المقيمين والعاملين في السودان، والتحقيق العاجل في الجرائم ومحاسبة مرتكبيها. فالدولة لا تُثبت سيادتها بالخطاب الغاضب، وإنما بقدرتها على حماية الناس ومنع الاعتداء عليهم وإنفاذ القانون دون تمييز.

المحور الثالث: إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة.. سلطة الشرطة أولًا

تفرض التطورات الأمنية المتلاحقة ضرورة مراجعة انتشار السلاح في العاصمة، ولا سيما في الأسواق والأحياء والطرق ومواقع النشاط التجاري. فوجود مسلحين خارج المهام الرسمية، أو حمل السلاح بصورة استعراضية، أو استخدامه لتصفية الحسابات الشخصية، يهدد أمن المواطنين ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة.

إن إخلاء الخرطوم من المظاهر المسلحة غير النظامية لا يعني تعطيل دور القوات النظامية أو تجاهل متطلبات الحرب، بل يعني تنظيم الوجود المسلح وفق القانون، وتحديد المهام والاختصاصات، ومنع أي مجموعة أو فرد من ممارسة سلطة أمنية خارج التسلسل الرسمي.

وتتحمل الشرطة مسؤولية مركزية في حفظ الأمن المدني، وضبط الشوارع والأسواق، والتحقيق في الجرائم، وحماية المواطنين وممتلكاتهم، بالتنسيق مع النيابة والجهات العدلية والأجهزة المختصة. أما القوات المسلحة، فتظل مهمتها الأساسية مرتبطة بالدفاع عن البلاد والعمليات العسكرية وفق اختصاصاتها، مع ضرورة التنسيق المؤسسي الذي يمنع التداخل والفوضى.

وتتطلب هذه العملية خطة واضحة تشمل حصر الأسلحة والمجموعات المسلحة، والتحقق من الصفة القانونية لحمل السلاح، ومنع التجول المسلح غير المبرر، وتأمين المواقع الحيوية، وضبط استخدام المركبات التي تحمل السلاح أو تنفذ تحركات خارج الأوامر الرسمية. كما ينبغي توفير آليات لتلقي شكاوى المواطنين والتحقيق في الانتهاكات دون حصانة لأي جهة.

ولا يمكن بناء دولة مستقرة بينما يخشى المواطن من مسلح في السوق أو الطريق أكثر مما يثق في الشرطة والقضاء. لذلك فإن إعادة الاعتبار لسلطة الشرطة وسيادة القانون تمثلان جزءًا من استعادة الدولة، لا ملفًا أمنيًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب.

المحور الرابع: السلاح والتحريض.. كيف لا تتحول الحوادث إلى فتنة؟

تتطلب المرحلة الحالية مسؤولية أكبر من القوى السياسية والإعلامية والمجموعات المسلحة وناشطي المنصات الرقمية. فالتعبئة القائمة على التعميم، أو تحميل شعب كامل مسؤولية حادث، أو نشر معلومات غير مؤكدة عن هوية الجناة ودوافعهم، قد تنقل الأزمة من واقعة محددة إلى توتر أوسع يصعب احتواؤه.

ولا يقل خطر السلاح المحمول خارج الضوابط عن خطر الخطاب التحريضي؛ إذ إن اجتماع الغضب الشعبي مع وجود مجموعات مسلحة غير خاضعة لسلطة واضحة يرفع احتمال وقوع اعتداءات جديدة. وقد تتحول الشائعات إلى مبرر للانتقام، ثم إلى مواجهات لا تخدم الضحايا ولا تحمي الدولة.

وفي المقابل، فإن منع التحريض لا يعني منع النقد أو المطالبة بالمحاسبة. فمن حق المواطنين المطالبة بكشف حقيقة حادث المعدّنين، ومساءلة المسؤولين عن أي تجاوزات، ومطالبة الحكومة بتأمين الحدود وحماية الأرواح. لكن هذه المطالب ينبغي أن تظل في إطار القانون، وألا تتحول إلى دعوات تستهدف المدنيين أو الأجانب أو أي مجموعة على أساس الهوية.

وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الرسمية في نشر المعلومات المؤكدة بسرعة، وشرح نتائج التحقيقات، وتوضيح ما يجري على الحدود، بدل ترك المجال للشائعات والتأويلات. فكلما تأخرت المعلومات الموثوقة، اتسعت مساحة الخطاب المتطرف.

المحور الخامس: الجبهات العسكرية.. تحركات الشرق وأخبار النهود وعودة الفاشر

تتداول تقارير ميدانية معلومات عن استعداد قوات الدعم السريع لفتح جبهة شرقية، في وقت تراقب فيه القوات المسلحة التحركات المحتملة. كما تتواصل الأخبار المتعلقة بالنهود ومناطق العمليات الأخرى، وسط تغيرات في خطوط السيطرة ومحاولات إعادة الانتشار والإمداد.

وتظل هذه المعلومات بحاجة إلى متابعة ميدانية دقيقة، لأن الحديث عن تحرك أو استعداد لا يعني بالضرورة أن جبهة جديدة قد فُتحت بالفعل. لكن مجرد احتمال توسيع العمليات يفرض على السلطات العسكرية والأمنية الاستعداد لحماية المناطق السكنية والطرق الرئيسية ومصادر الإمداد، مع تجنب نشر معلومات غير مؤكدة قد تثير الذعر بين المدنيين.

وفي دارفور، أعلن قائد قوات الدعم السريع توجيهات بمضاعفة الجهود لسد الفجوة الغذائية وإنجاح العودة الآمنة إلى الفاشر. وتُقاس جدية هذه التوجيهات بمدى انعكاسها على الأرض: هل تصل المواد الغذائية إلى المحتاجين؟ وهل تتوافر ممرات إنسانية آمنة؟ وهل يستطيع النازحون العودة دون تعرضهم للتهديد أو الاعتقال أو فقدان ممتلكاتهم؟

فالعودة الآمنة لا تتحقق بالإعلان وحده، وإنما بتوفير الأمن والخدمات الأساسية، وضمان حرية الحركة، ومنع الانتقام، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية. كما أن معالجة الفجوة الغذائية تتطلب حماية المخازن والأسواق وطرق النقل، وعدم استخدام الغذاء وسيلة للضغط العسكري أو السياسي.

وتؤكد هذه التطورات أن العمليات العسكرية والأوضاع الإنسانية مترابطتان؛ فكلما اتسعت رقعة القتال أو تعطلت طرق الإمداد، ازدادت صعوبة توفير الغذاء والدواء، وارتفعت مخاطر النزوح. لذلك ينبغي أن يكون حماية المدنيين وتسهيل الإغاثة جزءًا أساسيًا من إدارة الحرب.

المحور السادس: سجن دقريس واتفاق جوبا.. العدالة وحماية المدنيين

أثارت التقارير المتعلقة بوقوع وفيات في سجن دقريس بمدينة نيالا مخاوف واسعة بشأن أوضاع المحتجزين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. وتحدثت تقارير حقوقية وطبية عن وفاة أعداد كبيرة من المدنيين خلال أشهر سابقة، في ظروف نُسبت إلى تدهور الرعاية الصحية وسوء المعاملة والأمراض، مع استمرار الغموض بشأن مصير بعض المحتجزين.

وتتطلب خطورة هذه الادعاءات تحقيقًا مستقلًا، وإتاحة المعلومات لأسر المحتجزين، والكشف عن أماكن الاحتجاز وأعداد الموجودين فيها، وضمان الرعاية الصحية والغذاء والاتصال بالعائلات. كما ينبغي تمكين الجهات الإنسانية والحقوقية المختصة من الوصول إلى مراكز الاحتجاز، وفق ترتيبات تضمن سلامة المحتجزين والعاملين.

ولا يجوز أن تتحول السجون إلى مناطق مغلقة خارج الرقابة القانونية، أو أن يُترك مصير المحتجزين مجهولًا. فحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية واجب لا يسقط بسبب الحرب أو الانتماء السياسي أو العسكري، والمحاسبة يجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات.

وفي سياق متصل، جددت حركة العدل والمساواة رفضها اتخاذ تعثر تنفيذ اتفاق جوبا للسلام ذريعة لإلغائه أو التراجع عن الالتزامات الواردة فيه. ويعكس هذا الموقف استمرار الجدل حول مستقبل الاتفاق وترتيباته الأمنية والسياسية، خاصة في ظل الحرب وتراجع قدرة المؤسسات على التنفيذ.

ولا يمكن معالجة تعثر اتفاق جوبا بالتجاهل أو الإلغاء المتعجل، كما لا يمكن الاكتفاء بالتمسك بنصوصه دون مراجعة ما تعطل من التزامات. والمطلوب هو حوار بين الأطراف المعنية لتحديد أسباب التعثر، وترتيب الأولويات، وحماية مكتسبات السلام، ومعالجة قضايا الأقاليم والنازحين والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.

إن إنهاء الحرب يحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة، لكنه يحتاج أيضًا إلى مسار سياسي لا يعيد إنتاج أسباب النزاع، ولا يحول اتفاق السلام إلى ورقة تفاوضية متغيرة بحسب موازين القوة.

المحور السابع: التحرك الدبلوماسي.. مصر ومجلس الأمن والجدل حول الدور الإماراتي

شهدت العلاقات السودانية المصرية اتصالات بين وزيري الخارجية بشأن العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بالتزامن مع حادث المعدّنين ومقتل السائقين المصريين في الخرطوم. وتزداد أهمية هذه الاتصالات في مرحلة تتطلب احتواء التوتر، وتبادل المعلومات، وتنسيق الإجراءات الأمنية والقانونية ومنع الحوادث من التأثير في حركة التجارة والمصالح المشتركة.

لكن نجاح الاتصالات لا يُقاس بصدور بيانات تؤكد عمق العلاقات وحدها، بل بقدرتها على معالجة القضايا العالقة، وتوضيح ملابسات الحوادث، وحماية المواطنين على جانبي الحدود ووضع ترتيبات تمنع تكرار الاعتداءات.

وفي المسار الدولي، من المقرر أن يعقد مجلس الأمن إحاطة بشأن الأوضاع في السودان، بما يتيح للأعضاء مناقشة تطورات الحرب والأزمة الإنسانية وجهود التسوية. وتظل قيمة التحرك الأممي مرتبطة بقدرته على دعم حماية المدنيين وتسهيل المساعدات والحد من تدفق السلاح، لا بمجرد تكرار الدعوات العامة إلى السلام.

كما أثار ترشيح لانا نسيبة لمنصب أممي، بحسب ما نقلته تصريحات منسوبة إلى مستشار رئيس مجلس السيادة، تساؤلات بشأن دور الإمارات في الحرب السودانية. وينبغي التعامل مع هذه المسألة باعتبارها جزءًا من الجدل السياسي والدبلوماسي القائم حول الدور الخارجي، لا دليلًا قائمًا بذاته على مسؤولية محددة. فالمواقف المتعلقة بالتدخلات الخارجية يجب أن تستند إلى الوقائع والأدلة والإجراءات الرسمية، وأن تُطرح عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية.

وفي الداخل، أدى أعضاء المحكمة الدستورية القسم أمام رئيس مجلس السيادة وأعلنوا مباشرة مهامهم. وتمثل هذه الخطوة تطورًا مؤسسيًا مهمًا، لكن أثرها العملي سيُقاس بمدى استقلال القضاء، وقدرته على حماية الحقوق والحريات، والفصل في النزاعات وفق القانون، وضمان ألا تتوقف العدالة عند حدود الظروف السياسية أو العسكرية.

وتحتاج الدولة في هذه المرحلة إلى مسارين متوازيين: تحرك دبلوماسي يحفظ المصالح الوطنية ويعالج الخلافات مع الشركاء، وبناء مؤسسات عدلية فاعلة تعيد الثقة في القانون والمساءلة.

## المحور الثامن: استعادة الدولة تبدأ من الأمن اليومي وسيادة القانون

تكشف هذه التطورات أن استعادة الدولة لا تقتصر على استعادة المواقع العسكرية أو إدارة العلاقات الخارجية، بل تشمل أيضًا إعادة تنظيم الحياة العامة وحماية المواطن في الشارع والسوق ومكان العمل. فالدولة التي تسعى إلى إنهاء الحرب تحتاج إلى سلطة أمنية واضحة، وشرطة قادرة على أداء واجباتها، وقضاء مستقل، وإدارة مدنية تستطيع تقديم الخدمات ومحاسبة المقصرين.

ويقتضي ذلك عدم السماح بوجود سلطات مسلحة متوازية، أو أن تتحول الرتب والانتماءات إلى حصانة من المساءلة. كما يتطلب ضبط حمل السلاح، وإنهاء المظاهر المسلحة غير النظامية، وتحديد المسؤوليات بين القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية، ووضع آليات فعالة لمراجعة الشكاوى والانتهاكات.

وتبرز أهمية هذا المسار في الخرطوم بصورة خاصة، حيث يحتاج السكان إلى العودة إلى حياة طبيعية، واستعادة الأسواق والخدمات والنقل والعمل. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل الخوف من إطلاق النار أو الانتقام أو الاحتكاكات المسلحة غير المنضبطة.

كما ينبغي ربط الأمن بالتعافي الاقتصادي؛ فاستقرار الطرق والأسواق يحمي حركة السلع، ويشجع عودة الأنشطة التجارية، ويقلل تكاليف النقل والمخاطر التي يتحملها المواطنون. أما استمرار السلاح خارج القانون، فيضاعف كلفة الحرب ويؤخر إعادة الإعمار ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة.

التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي

تضع تطورات 12 و13 أكتوبر 2026 السودان أمام اختبار متداخل الأبعاد: احتواء التوتر مع مصر، ومنع تحويل حادث المعدّنين إلى فتنة بين الشعبين، والتعامل القانوني مع مقتل السائقين المصريين، ومتابعة التحركات العسكرية، وحماية المدنيين والمحتجزين وتعزيز سلطة الدولة داخل العاصمة.

إن حادث المعدّنين يتطلب تحقيقًا شفافًا يحدد المسؤوليات، ويضمن حقوق الضحايا، ويضع أسسًا عملية لمنع تكرار مثل هذه الوقائع. وفي الوقت نفسه، فإن مقتل السائقين المصريين يستدعي تحقيقًا عاجلًا ومحاسبة الجناة، مع رفض أي محاولة لربط المسؤولية بجنسية الضحايا أو تحويل الجريمة إلى مبرر للانتقام الجماعي. فالعلاقات بين الدول لا تُحمى بالتغاضي عن الانتهاكات، ولا تُدار بتوسيع دائرة الاتهام، وإنما بالحقائق والقانون والاتصال الدبلوماسي المسؤول.

وعلى المستوى الداخلي، فإن انتشار السلاح خارج الأطر الرسمية يمثل تحديًا مباشرًا لهيبة الدولة وسلامة المواطنين. ومن ثم فإن إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة غير النظامية، وإعادة الاعتبار لسلطة الشرطة، وضبط السلاح، وتفعيل القضاء، ليست إجراءات أمنية مؤقتة، بل شروط أساسية لاستعادة الحياة المدنية وبناء الثقة في المؤسسات.

أما على الجبهات العسكرية والإنسانية، فإن أي تحركات جديدة في الشرق أو النهود أو دارفور تستدعي الحذر والمتابعة، مع وضع حماية المدنيين وتأمين الغذاء والممرات الإنسانية في صدارة الأولويات. كما أن التقارير المتعلقة بسجن دقريس تفرض ضرورة الكشف عن مصير المحتجزين والتحقيق في الوفيات وضمان الوصول الإنساني، فيما يحتاج اتفاق جوبا إلى معالجة جادة لتعثر التنفيذ بدل إلغائه أو تركه معلقًا.

وفي المسار الخارجي، ينبغي للسودان أن يدير علاقاته مع مصر والإمارات والولايات المتحدة والأمم المتحدة وسائر الشركاء على أساس المصالح الوطنية والوقائع القابلة للفحص، مع رفض التدخلات الضارة بالسيادة، وتجنب الانجرار إلى تصعيد لا يخدم المواطنين.

وعليه، فإن الأولوية الاستراتيجية تتمثل في *حماية المواطن، وضبط السلاح، واستعادة سلطة القانون، واحتواء التوتر الإقليمي، وتثبيت مؤسسات الدولة، وفتح مسار سياسي يعالج جذور الحرب*. فاستعادة الدولة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالبيانات الدبلوماسية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية الناس ومحاسبة المعتدين ومنع الفوضى وإعادة الأمن إلى الحياة اليومية.

*إن السودان يحتاج اليوم إلى دولة تحمي مواطنيها، وشرطة تحفظ الأمن، وقضاء يكشف الحقيقة ويحاسب المسؤولين، ودبلوماسية تصون المصالح الوطنية، وخطاب عام يرفض التحريض والانتقام. فحين يصبح القانون فوق السلاح، والمواطنة فوق العصبية والحقيقة فوق الشائعة، يبدأ الطريق الفعلي لاستعادة الدولة وإنهاء آثار الحرب.*

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |عودة الباسل بابكر .. د. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6323 | من المسؤول عن الجمود المهيمن على الساحة السياسية السودانية ؟؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *