ليست كل المعارك على الدولة تبدأ من الثكنات، ولا كل محاولات تغيير موازين القوة تمر عبر القصر الجمهوري. ففي بعض الأحيان يتحول الاقتصاد إلى ساحة موازية للصراع، تتقدم فيها مراكز النفوذ عبر التجارة، والاستيراد وتراكم الأصول، قبل أن يتجاوز السؤال حجم الثروة إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه في توجيه القرار العام.
في السودان، حيث تتداخل الحرب مع هشاشة المؤسسات واضطراب الأسواق، تكتسب القرارات الاقتصادية الأخيرة أهمية تتجاوز مضمونها الإداري المباشر. فإلى جانب أهدافها المعلنة، تبرز إمكانية قراءتها ضمن سياق أوسع لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والثروة، وبين مؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه: هل تعيد الدولة تنظيم الاقتصاد لمعالجة اختلالات السوق، أم تستخدم القرارات الاقتصادية لاحتواء تمدد بعض مراكز النفوذ قبل أن تتحول قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي؟
*من صراع السلطة إلى اقتصاد النفوذ*
لا يمكن فهم هذا السؤال بمعزل عن التحولات السياسية التي شهدها السودان منذ عام 2021. فقد جاء انقلاب 25 أكتوبر في سياق انقسامات حادة داخل معسكر الانتقال، سبقه اعتصام القصر الجمهوري وتصاعدت خلاله الخلافات بشأن توزيع السلطة ومستقبل الشراكة السياسية والعسكرية. وكانت الحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام جزءاً من ترتيبات الحكم الانتقالي، قبل أن تتباين مواقف القوى السياسية وتتغير التحالفات، فيما استمرت ترتيبات الاتفاق وسط التحولات التي قادت البلاد إلى حرب أبريل 2023.
تكتسب هذه المحطات أهميتها من أنها تكشف عن سؤال ظل حاضراً بأشكال مختلفة: كيف تتوزع القوة داخل الدولة، ومن يمتلك القدرة على التأثير في اتجاهاتها؟ ، فالمشاركة في الحكم تمنح الفاعلين موقعاً سياسياً، لكن النفوذ قد يتجاوز المواقع الرسمية حين تقترن العلاقات السياسية بالقدرة على الوصول إلى الموارد، وتوسيع النشاط التجاري، وبناء شبكات المصالح وتراكم الأصول. عندها لا تعود المنافسة محصورة في التمثيل داخل مؤسسات الحكم، بل قد تمتد إلى المجال الاقتصادي الذي يوفر أدوات تأثير أكثر استدامة.
وهنا تبرز فرضية تستحق الفحص وهي هل انتقل بعض الفاعلين الاقتصاديين من توسيع مصالحهم التجارية إلى بناء نفوذ يمكن أن يمنحهم وزناً متزايداً في معادلة الحكم؟
لا يعني طرح هذا السؤال افتراض وجود مشروع سياسي موحد، أو اعتبار التوسع الاقتصادي دليلاً على نية الاستحواذ على الدولة، لكنه يلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين نمو اقتصادي طبيعي وتمركز في الموارد والأسواق قد يتحول، إذا اقترن بشبكات نفوذ وغياب الرقابة، إلى قدرة على التأثير في القرار العام.
*حين تصبح حركة السوق مؤشراً*
في ولاية الخرطوم، والولاية الشمالية، ونهر النيل والجزيرة تثير ملاحظات ميدانية بشأن حضور بعض الشبكات التجارية والاستثمارية في أسواق الجملة للخضر، والفاكهة والسلع الغذائية، إلى جانب التوسع في شراء الأراضي والعقارات، أسئلة تتجاوز النشاط التجاري في حد ذاته، ومناطق التعدين، والزراعة وأسواق المحاصيل، ومن الملاحظات اللافتة ما يُتداول عن قدرة بعض المشترين على دفع الأسعار المطلوبة للعقارات دون تفاوض يُذكر. غير أن هذه الملاحظات لا تكفي وحدها لإثبات الاحتكار، أو تحديد مصادر الأموال أو الجزم بوجود توجه سياسي وراء عمليات الشراء، فذلك يتطلب بيانات عن الملكية، والتمويل، وحجم المعاملات وتوزيع الحصص السوقية. لكن أهميتها تكمن في أنها تفتح باباً لفحص بنية السوق: هل تتوزع الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين على أسس متكافئة؟ وهل يتمكن الداخلون الجدد من الوصول إلى التمويل ومصادر السلع وقنوات الاستيراد بالشروط نفسها؟ وهل توجد آليات رقابية تمنع تحول التركز الاقتصادي إلى قدرة على فرض الأسعار أو التحكم في الإمدادات؟
إن هذه الأسئلة ليست تفصيلاً اقتصادياً، لأن من يمتلك قدرة استثنائية على تمويل التجارة، وتخزين السلع والتحكم في مسارات توزيعها قد يكتسب نفوذاً يتجاوز حدود السوق، خصوصاً في اقتصاد أنهكته الحرب وضعفت فيه أدوات الرقابة والمساءلة.
فالتمدد الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي، لكنه قد يصبح أحد مساراته حين تتداخل الثروة مع العلاقات ومفاتيح الوصول إلى القرار.
*قرارات البرهان.. إعادة تنظيم أم احتواء؟*
في ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة القرارات الاقتصادية الأخيرة بوصفها جزءاً من مشهد يستحق التحليل، دون افتراض أن جميعها تنطلق من غاية واحدة.
ففي قطاع النفط، شهدت ترتيبات الحوكمة والإشراف تعديلات قانونية، بالتزامن مع تحركات لإعادة تنظيم استيراد بعض المشتقات البترولية. وفي ملف السلع، صدرت توجيهات بالتراجع عن قائمة السلع المحظورة في سياق الضغوط المعيشية والحاجة إلى تحسين الإمدادات.
وتكشف هذه التطورات عن مسارات مختلفة: بعضها يتعلق بتوسيع الإمدادات وتخفيف القيود، وبعضها يرتبط بإعادة تنظيم الإشراف على قطاع استراتيجي. وقد تكون لهذه الإجراءات مبررات اقتصادية وإدارية مباشرة، كما قد تؤدي إلى تغيير فرص المنافسة وتوزيع الامتيازات بين الفاعلين الاقتصاديين.
لكن السؤال الاستراتيجي يبدأ من هنا: هل تقف آثار هذه القرارات عند حدود تحسين إدارة السوق، أم أنها تعيد رسم المساحة التي تتحرك فيها مراكز النفوذ الاقتصادي؟
يمكن افتراض أن السلطة تسعى إلى استعادة دور أكبر في القطاعات الاستراتيجية، أو إلى تقليص اعتمادها على شبكات تجارية محددة، أو إلى منع تحول التمدد الاقتصادي إلى قدرة مستقلة على التأثير السياسي. غير أن تحديد أي من هذه التفسيرات أقرب إلى الواقع يتطلب فحصاً دقيقاً لمضمون القرارات، والجهات التي كانت تستفيد من الترتيبات السابقة ومدى تغير مواقعها بعد تطبيق الترتيبات الجديدة.
فليس كل تغيير في قواعد السوق مواجهةً مع مراكز النفوذ، كما أن كل قرار معلن باسم الإصلاح لا يضمن بالضرورة توسيع المنافسة. وقد يعالج القرار اختلالاً قائماً، لكنه ينقل الامتياز إلى جهة أخرى إذا لم يستند إلى قواعد واضحة تطبق على الجميع.
وهنا تتحدد أهمية فرضية «إجهاض التمدد» ، ليس باعتبارها حقيقة ثبتت بالفعل، بل باعتبارها احتمالاً يفسر بعض أبعاد المشهد، ويحتاج إلى أدلة تكشف ما إذا كانت القرارات تستهدف معالجة اختلالات عامة أم الحد من نفوذ اقتصادي بعينه.
*المواطن.. الاختبار الحقيقي للقرارات*
وسط هذه الحسابات، يبقى المواطن الطرف الذي لا يحتمل أن يتحول إلى مجرد متلقٍ لتكلفة إعادة ترتيب السوق.
فتغيير قواعد الاستيراد أو التمويل والتخليص قد يؤثر في توافر السلع وأسعارها، كما أن تقييد المنافسة أو نقل الامتيازات من طرف إلى آخر قد يُبقي الأعباء المعيشية على حالها. ولذلك، لا ينبغي قياس نجاح القرارات بما تحدثه من تغير في موازين النفوذ وحدها، بل بما تحققه من نتائج اقتصادية ملموسة.
هل تحسنت الإمدادات؟ هل تراجعت التكلفة على المستهلك؟ هل اتسعت فرص المنافسة أمام الشركات والتجار؟ وهل أصبحت قواعد الاستيراد والتمويل أكثر وضوحاً وعدالة؟
هذه المؤشرات هي التي تميز الإصلاح الاقتصادي من مجرد إعادة توزيع الامتيازات. فإذا كانت القرارات تستهدف الحد من التركز، فينبغي أن تفتح المجال أمام منافسين جدد، وتحد من تضارب المصالح وتخضع النشاط الاقتصادي لقواعد معلنة. أما إذا انحصر أثرها في إضعاف مراكز قائمة دون معالجة أسباب الاختلال، فقد تتغير خريطة النفوذ بينما تظل أزمة السوق قائمة.
وفي بلد أنهكته الحرب، لا يكفي أن تنتصر جهة في معادلة القوة، بل يجب أن ينعكس أي تغيير في إدارة الموارد على قدرة المجتمع على الوصول إلى السلع والخدمات واستعادة شروط الحياة الطبيعية.
*أصل القضية.. من يملك حق وضع القواعد؟*
إن جوهر المسألة ليس في امتلاك المال أو السلطة، بل في العلاقة بينهما: هل يخضع الفاعلون الاقتصاديون لقواعد الدولة، أم تتحول قوتهم إلى وسيلة للتأثير في تلك القواعد؟ وهل تستخدم الدولة صلاحياتها لضمان المنافسة والمصلحة العامة، أم تصبح قراراتها جزءاً من صراع الامتيازات؟
من هنا، فإن الإجابة عن سؤال «قرارات اقتصادية أم إجهاض تمدد؟» لن يحسمها الخطاب المصاحب للقرارات ولا توقيتها وحده، بل ما تكشفه الوقائع عن أهدافها وآثارها. فإذا أسهمت في توسيع المنافسة، وتحسين الإمدادات وضبط تضارب المصالح، فإن قيمتها تتجاوز أي مواجهة محتملة مع مراكز النفوذ. أما إذا أعادت توزيع الامتيازات دون تغيير قواعد اللعبة، فستكون قد غيّرت مواقع القوة ولم تعالج أصل الأزمة.
فنجاح تصحيح المسار لا يُقاس بمن تراجع نفوذه، بل بقدرة الدولة على فرض قواعد عادلة، وتحويل الموارد إلى فرص، والسلطة إلى مؤسسات تخدم المجتمع.
وفي رؤية الجسر والمورد، لا تكون الغاية أن ينتصر مركز نفوذ على آخر، بل أن تنتصر الدولة لقواعد تمنع احتكار الفرص، وتصون الموارد وتحوّل الأزمات إلى أساس لبناء مصالح مشتركة ومستقبل أكثر استدامة.


