صدق أحد المتمردين عندما قال: (نحنا قوات تدخل سريع)!
لم تكن عبارة جلحة: (نحنا قوات تدخل سريع) مجرد تسمية عابرة، بل تكتسب دلالة أعمق في ضوء حجم قوات الدعم السريع المتمردة، و مستوى تسليحها و قدراتها التقنية و اللوجستية و امتداداتها المحتملة خارج السودان. فهل كانت مجرد قوة تمرد داخلي، أم أُعدّت لأداء دور إقليمي يكون السودان إحدى حلقاته الأساسية؟
*قوة و قدرات تتجاوز التمرد الداخلي*
كشفت الحرب عن قوة بشرية ضخمة، و أسلحة متطورة، و قدرات في الحرب الإلكترونية و التشويش، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة و أنظمة الرصد و الاستطلاع. ولم يقتصر الأمر على امتلاك العتاد، بل شمل استمرار تدفقه، و التدريب و التأهيل، و تعويض الخسائر و تشغيل منظومات عسكرية معقدة.
وفي مراحل من الحرب، قيّدت هذه القدرات عمل الجيش السوداني في بعض المجالات، و أثارت تساؤلات عن إمكانات التشويش على الرصد و السيطرة الجوية، و عن كثافة إدخال الطائرات و المعدات إلى دارفور رغم استمرار العمليات العسكرية. فهذه المنظومة تحتاج إلى تمويل و خبرات تقنية و معلومات و نقل و إمداد متواصل، بما يطرح سؤالاً جوهرياً: من أعدّ هذه القوة؟ و من وفّر لها مقومات الاستمرار؟ و هل كان دورها يتجاوز حدود السودان؟
*عام 2017: قرائن على دور إقليمي*
في منتصف عام 2017، تحدثت روايات و تسريبات عن وجود عناصر من قوات الدعم السريع المتمردة خارج السودان، في محيط إحدى الدول الخليجية، و عن استعدادها للتدخل دعماً لتغيير سياسي و تثبيت حكم جديد. و وفق تلك الروايات، كانت القوة جاهزة للتحرك في لحظة سياسية حساسة.
وفي السودان، برزت في أغسطس من العام نفسه أحاديث و تقارير أمنية و استخباراتية عن تغيير سياسي محتمل. ثم جاءت إشارة المجرم المتمرد حميدتي، في أحد لقاءاته بنيروبي عام 2026، إلى أن التغيير كان من المفترض أن يحدث في وقت سابق. وهي إشارة، وفق السياق الذي تُطرح فيه، تعيد فتح التساؤلات بشأن ما كان يُتداول عن ترتيبات التغيير في أغسطس 2017، و عن احتمال السعي إلى الوصول للسلطة و الدور الذي كان يمكن أن تؤديه قواته.
وتحدثت روايات أخرى عن تحركات و أدوار محتملة لهذه القوات في ساحات إقليمية مختلفة. فهل كانت هذه الوقائع منفصلة، أم حلقات في مشروع أوسع استُخدمت فيه قوات الدعم السريع المتمردة للتأثير في موازين السلطة داخل السودان و خارجه؟
لا يكفي تزامن الأحداث وحده لإثبات وجود خطة موحدة، لكنه يجعل فحص احتمال الترابط بينها أمراً ضرورياً، خصوصاً في ضوء ما كشفته الحرب لاحقاً من قدرات عسكرية و شبكات إمداد.
*التسليح و الإمداد: من يقف وراءهما؟*
عثر الجيش السوداني، خلال استعادة الخرطوم و مواقع و مدن أخرى، و في محاور القتال، على أسلحة و معدات عسكرية متنوعة، من بينها معدات ذات منشأ أمريكي. وأُثيرت تساؤلات عن وصول بعض هذه المعدات عبر طرف ثالث، و عن الجهات التي وفّرتها و موّلت نقلها.
فبلد تصنيع السلاح لا يعني بالضرورة أنه الجهة التي سلّمته. لكن استمرار تدفق العتاد و تنوعه، إلى جانب ظهور تقنيات متقدمة، يفرضان تتبع مسارات السلاح، و المال و التدريب، و الكشف عن الجهات التي ساهمت في تجهيز هذه القوة و إبقائها قادرة على القتال.
فالمسألة لا تتعلق بقطعة سلاح منفردة، بل بمنظومة متكاملة من التمويل و التكنولوجيا و النقل و الإمداد، و هو ما يثير احتمال وجود دعم يتجاوز إمكانات الفاعلين المحليين.
*الانتهاكات الموثقة و سؤال المساءلة*
إلى جانب القدرات العسكرية، تبرز الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى قوات الدعم السريع المتمردة، من قتل المدنيين و ترويعهم، إلى النهب، و حرق المنازل، و الممتلكات و التعذيب و غيرها من الجرائم. وقد وثّقت تقارير أممية و حقوقية جانباً من هذه الانتهاكات، كما ظهرت مقاطع مصوّرة سجّل أفراد من القوات أنفسهم بعضاً منها.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين توثيق الجرائم و تحقيق المساءلة الفعلية. ويثير ذلك تساؤلات عن فاعلية الضغوط الدولية، و عن الخطاب الذي يساوي أحياناً بين الجيش السوداني و قوات الدعم السريع المتمردة من دون منح الوقائع الموثقة الوزن الكافي في تحديد المسؤوليات.
و لا يثبت ضعف المساءلة وحده وجود جهة تحمي هذه القوات، لكنه يعزز ضرورة التحقيق في شبكات دعمها و تمويلها و تسليحها، و في أثر المصالح السياسية على التعامل مع الحرب.
*السودان: ركيزة في دور إقليمي أوسع؟*
عند جمع هذه العناصر، من ضخامة القوة و تطور تسليحها و استمرار إمدادها، إلى روايات تحركاتها الخارجية و ما أُثير عن تغيير سياسي في عام 2017، تبرز فرضية أن قوات الدعم السريع المتمردة ربما أُعدّت لأداء دور إقليمي يتجاوز السودان.
و قد يكون السودان، بحكم موقعه الاستراتيجي و امتداده الأفريقي و قربه من ساحات متعددة، ركيزة أساسية في هذا التصور، قاعدةً للتمركز و التدريب و التأهيل، و نقطةً تتيح التحرك نحو ساحات أخرى. و إذا صح ذلك، فلا يمكن فهم الحرب بمعزل عن الجهات التي ساهمت في بناء هذه القوة و دعمها و عن الأهداف التي كان يُراد لها أن تحققها.
*لقد قال جلحة: (نحنا قوات تدخل سريع).*
قد تكون العبارة فلتة لسان، لكنها تكتسب دلالة أوسع عند قراءتها في ضوء حجم القوة و قدراتها و امتداداتها المحتملة.
*تدخل سريع لمن؟ و لتنفيذ أي مشروع؟ و هل كان السودان ساحة المواجهة الوحيدة، أم حلقة أساسية في مشروع إقليمي أوسع دفع شعبه الثمن الأكبر و فدى الإقليم و المنطقة؟*


