يقول المفكر والثورى والمجاهد والسياسي أحمد بن بيله أول رئيس لدولة الجزائر بعد انتزاعها استقلالها: “الاستعمار لا يرحل حين يغادر الجندي، بل حين تتحرر الإرادة.” ويقول الزعيم والمفكر والرئيس التنزاني الأسبق جوليس نيريري: “أفريقيا ليست فقيرة، لكنها نُهبت بصورة جيدة.”
علي ضوء هذا الخلاصات الفكرية نقول أنه لم تكن جمهورية أفريقيا الوسطى، التي تتوسط قلب القارة الأفريقية، مجرد مساحة جغرافية منسية في خرائط الاستعمار الأوروبي، بل كانت منذ قرون طويلة ملتقىً للحضارات الأفريقية القديمة، ومعبراً للقوافل التجارية، وساحةً للتفاعل بين القبائل والممالك والمجموعات البشرية المتعددة. غير أن هذا الموقع الجغرافي نفسه، الذي كان يفترض أن يمنح البلاد أهمية اقتصادية واستراتيجية، تحول لاحقاً إلى لعنة تاريخية جعلت منها مسرحاً دائماً للتدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية والتنافس الدولي.
تقع أفريقيا الوسطى في منطقة تتقاطع فيها طرق الساحل والصحراء مع أحزمة الغابات الاستوائية، الأمر الذي جعلها تاريخياً نقطة عبور بين شمال القارة و وسطها. وقد سكنت المنطقة منذ القدم مجموعات إثنية متعددة، أبرزها قبائل البايا، والباندا، والزاندي والسارا وغيرهم، وهي جماعات أسست أنماطاً اجتماعية واقتصادية قائمة على الزراعة والرعي والصيد والتجارة المحلية. ولم تعرف المنطقة دولة مركزية موحدة بالمعنى الحديث، بل تشكلت فيها كيانات قبلية وممالك صغيرة متفرقة ارتبطت بعلاقات تحالف وصراع وتبادل تجاري مستمر.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأت المنطقة تدخل تدريجياً ضمن شبكات التجارة الإقليمية المرتبطة بالعالمين الاسلامي والأوروبي، خاصة عبر تجارة العاج، وقد تعرضت المجتمعات المحلية لعمليات استنزاف بشري واسعة نتيجة نشاط تجار الرقيق الاوربين القادمين من الشمال والشرق، فضلاً عن الحملات المسلحة التي كانت تشنها بعض الممالك والجماعات المنظمة بهدف أسر السكان وبيعهم في أسواق العبيد. وهكذا بدأت البنية الاجتماعية التقليدية في أفريقيا الوسطى تتعرض لتفكك عميق قبل وصول الاستعمار الأوروبي بزمن طويل.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، دخلت أفريقيا مرحلة “التكالب الاستعماري الأوروبي”، حيث تسابقت القوى الغربية للسيطرة على القارة وتقاسم مواردها وأسواقها. وفي هذا السياق تمكنت فرنسا من فرض نفوذها على المنطقة التي أصبحت تعرف لاحقاً باسم “أوبانغي شاري”، ضمن مشروع أفريقيا الاستوائية الفرنسية. ولم يكن الاحتلال الفرنسي مجرد احتلال إداري أو عسكري، بل كان مشروعاً استغلالياً كاملاً استهدف الموارد الطبيعية والإنسانية للبلاد بصورة قاسية وعنيفة.
اعتمدت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على نظام الامتيازات التجارية، حيث منحت شركات فرنسية خاصة سلطات واسعة لاستغلال الأراضي والثروات المحلية، خصوصاً العاج والمطاط والأخشاب. وقد مارست تلك الشركات أبشع أشكال الاستغلال بحق السكان، إذ فرضت عليهم أعمال السخرة والضرائب القاسية، وأجبرتهم على العمل في ظروف لا إنسانية. وتحولت مساحات واسعة من البلاد إلى مناطق نهب اقتصادي مفتوح، بينما تعرض الأهالي للعنف والقتل والتجويع من أجل زيادة الإنتاج وتحصيل الأرباح.
ولم يقتصر الأمر على الاستغلال الاقتصادي، بل تعمد الاستعمار الفرنسي إبقاء البلاد في حالة تخلف بنيوي. فقد أهملت فرنسا التعليم والبنية التحتية والتنمية الحقيقية، واكتفت بإنشاء مؤسسات محدودة تخدم الإدارة الاستعمارية فقط. كما عملت على تعميق الانقسامات القبلية والاجتماعية، واستخدمت سياسة “فرّق تسد” لإضعاف أي إمكانية لنشوء حركة وطنية موحدة قادرة على مقاومة الاستعمار.
ومع ذلك، بدأت بوادر الوعي السياسي الوطني تتشكل تدريجياً في النصف الأول من القرن العشرين، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، حين تصاعدت حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا. وفي أفريقيا الوسطى برز اسم الزعيم الوطني الكبير بارتليمي بوغاندا، الذي يعد الأب المؤسس للدولة الحديثة. كان بوغاندا قائد ومفكراً وزعيماً سياسياً امتلك رؤية طموحة لتحرير البلاد من السيطرة الفرنسية وبناء دولة أفريقية مستقلة قائمة على العدالة والوحدة والتنمية.
أسس بوغاندا حركة سياسية وطنية حملت اسم “الحركة الاجتماعية لتطور أفريقيا السوداء”، واستطاع أن يحشد قطاعات واسعة من السكان خلف مشروع الاستقلال. وقد دعا إلى إقامة اتحاد إقليمي يضم دول وسط أفريقيا لمواجهة الهيمنة الاستعمارية وتعزيز التكامل الأفريقي، وهي رؤية سبقت عصرها بسنوات طويلة. لكن فرنسا نظرت بعين القلق إلى صعود بوغاندا وشعبيته المتزايدة، خاصة أنه كان يطالب بتحرر حقيقي لا يخضع للوصاية الفرنسية.
وفي عام 1959 توفي بوغاندا في حادث طائرة غامض لا تزال تحيط به كثير من الشكوك حتى اليوم، وقد اعتبر كثير من الأفارقة آنذاك أن رحيله شكل ضربة قاسية للمشروع الوطني الوليد. وبعد وفاته دخلت البلاد مرحلة انتقالية قادتها نخب مرتبطة إلى حد بعيد بالإدارة الفرنسية، إلى أن أُعلن استقلال جمهورية أفريقيا الوسطى رسمياً في الثالث عشر من أغسطس عام 1960.
غير أن الاستقلال السياسي لم يكن يعني بالضرورة تحرراً فعلياً من النفوذ الفرنسي. فقد ورثت الدولة الجديدة مؤسسات هشة، واقتصاداً تابعاً، وانقسامات اجتماعية عميقة، وحدوداً واسعة بلا سيطرة حقيقية، إضافة إلى نخبة سياسية ضعيفة الخبرة تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الخارجي. وهكذا دخلت أفريقيا الوسطى مرحلة ما بعد الاستقلال وهي تحمل في داخلها بذور الأزمات التي ستنفجر لاحقاً في شكل انقلابات، وحروب أهلية وصراعات إقليمية ودولية.
لقد غادرت فرنسا البلاد شكلياً، لكنها أبقت وراءها بنية كاملة من التبعية الاقتصادية والسياسية والأمنية، الأمر الذي جعل أفريقيا الوسطى واحدة من أكثر الدول الأفريقية هشاشة بعد الاستقلال. كما أن الثروات الطبيعية الضخمة التي تمتلكها البلاد ،خصوصاً الذهب والالماس واليورانيوم، تحولت منذ ذلك الوقت إلى عامل جذب للقوى الخارجية ومصدر دائم للصراع الداخلي.
وهكذا يمكن القول إن تاريخ أفريقيا الوسطى حتى الاستقلال لم يكن مجرد قصة استعمار تقليدي، بل كان تأسيساً مبكراً لأزمة دولة وُلدت في ظروف غير طبيعية، داخل بيئة إقليمية مضطربة، وتحت وطأة تنافس دولي واستغلال اقتصادي ممنهج. ومن هنا بدأت رحلة “الألماس وقوس النار”، حيث امتزجت الثروة بالعنف، والجغرافيا بالصراع، والسياسة بالتدخل الخارجي، لتدخل البلاد واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ أفريقيا الحديثة.
دولة أفريقيا الوسطي.. الألماس وقوس النار (1) أفريقيا الوسطى من الممالك القديمة حتى الاستقلال .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية
المقالة السابقة


