مقدمة
تتداخل في المشهد السوداني الراهن مسارات الحرب والتحركات الدبلوماسية والبحث عن شراكات اقتصادية وعسكرية جديدة. فبينما تتواصل المواجهات واستهداف المرافق الحيوية، تبرز زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى روسيا، وما ارتبط بها من طرح فكرة إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تستفيد منها موسكو في تخزين الوقود والقمح وتوزيع المنتجات الروسية إلى الأسواق الأفريقية.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها السياسي؛ إذ تأتي في ظل تعقيدات علاقة السودان بالولايات المتحدة والدول الغربية، وتباين المواقف الدولية من الحرب، فضلًا عن حاجة الخرطوم إلى شركاء قادرين على دعم الاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات وتوفير احتياجات الدولة في مرحلة شديدة الصعوبة.
والسؤال الذي تطرحه الزيارة لا يتعلق بالتعاون الاقتصادي وحده، بل بموقع السودان في التنافس الدولي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي والأسواق الأفريقية، وبما يمكن أن تمثله موسكو من بدائل في ظل تراجع قنوات التواصل مع عواصم غربية.
أولًا: المشهد الميداني.. الحرب تستهدف المرافق الحيوية
تتواصل العمليات العسكرية في السودان على جبهات متعددة، مع استمرار المواجهات في كردفان ودارفور ومناطق من النيل الأزرق وجنوب كردفان، بالتزامن مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت الحيوية.
وخلال الأيام الأخيرة من أكتوبر، اتسعت دائرة الهجمات على قطاع الكهرباء. فبعد استهداف محطات في الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض، تعرضت محطة المريخيات شمال غربي أم درمان لهجوم يوم 27 أكتوبر، ثم محطة المناقل في 28 أكتوبر، ومحطة أم دباكر الحرارية في ربك يوم 29 أكتوبر، وهي هجمات تسببت في انقطاعات واسعة للكهرباء وتأثر إمدادات عدد من الولايات، وفق ما أوردته تقارير «سودان تريبيون» ووكالة الأناضول.
وفي تطور جديد صباح الجمعة 30 أكتوبر، تحدثت وكالة الأناضول عن هجوم بمسيّرة استهدف محطة الكهرباء بمدينة شندي في ولاية نهر النيل، وأدى إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة، وسط تقارير عن سماع انفجارات وتصاعد أعمدة الدخان من موقع المحطة. ولم تكن السلطات قد أصدرت وقت نشر التقرير بيانًا تفصيليًا بشأن حجم الأضرار.
وتكشف هذه الهجمات عن اتساع نطاق الحرب ليشمل منشآت لا تقتصر أهميتها على الجانب العسكري، بل ترتبط مباشرة بحياة المواطنين والمستشفيات ومحطات المياه والأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.
كما تأتي هذه التطورات في ظل اتهامات سودانية متكررة لقوات الدعم السريع باستهداف منشآت الكهرباء والبنية التحتية، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها وفق البيانات المتاحة والتحقق من تفاصيل كل حادثة، مع التأكيد على ضرورة حماية الأعيان المدنية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
وتضع هذه الهجمات الحكومة السودانية أمام تحديين متزامنين: مواصلة العمليات العسكرية وتأمين المناطق، والحفاظ على الخدمات الأساسية وإصلاح ما تتعرض له المنشآت من أضرار. وهي معادلة تزداد صعوبة كلما اتسعت رقعة الاستهداف وتكررت الهجمات على محطات الطاقة والوقود.
ثانيًا: البرهان في موسكو.. المنطقة الاقتصادية الحرة على البحر الأحمر
وصل البرهان إلى موسكو في 29 أكتوبر للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي انعقدت يومي 28 و29 أكتوبر تحت شعار «من أجل السلام والأمن والتنمية»، بمشاركة وفود من نحو خمسين دولة أفريقية، ونحو عشرين رئيس دولة وحكومة، بحسب التقارير المنشورة.
وضم الوفد السوداني وزيري الخارجية والمالية، ومدير جهاز المخابرات العامة، ومدير منظومة الصناعات الدفاعية، وهو تشكيل يعكس تعدد الملفات المطروحة، من العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى التعاون الاقتصادي والأمني والصناعي.
وفي 30 أكتوبر، عقد البرهان لقاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وطرح خلاله إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، يمكن أن تستخدمها روسيا لإقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، ومن ثم توفير الإمدادات وتوزيع المنتجات الروسية إلى الأسواق الأفريقية.
ولم يقتصر العرض السوداني على المنطقة الحرة؛ فقد أبدى البرهان استعداد السودان لمنح روسيا فرصًا للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، كما طرح مشاركة الشركات الروسية في تطوير شبكة السكك الحديدية السودانية، وإنشاء سلاسل لوجستية لنقل البضائع داخل السودان وإلى الأسواق الأفريقية.
وتكتسب هذه المقترحات أهمية خاصة إذا انتقلت من مستوى التصريحات السياسية إلى اتفاقيات تنفيذية محددة؛ لأن المنطقة الحرة يمكن أن تتحول إلى مركز للتخزين والتجارة وإعادة التصدير، بينما يفتح تطوير السكك الحديدية فرصًا لربط الموانئ ومناطق الإنتاج والأسواق الداخلية والإقليمية.
كما أن موقع السودان على البحر الأحمر يمنحه ميزة جغرافية مهمة، فهو يربط بين الممرات البحرية الدولية والعمق الأفريقي، ويتيح لروسيا فرصة لتعزيز حضورها التجاري في منطقة تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية عديدة.
لكن نجاح المشروع يتطلب تحديد الموقع، والإطار القانوني والجمركي، وآليات التمويل، وضمانات الاستثمار، وطبيعة الإدارة، ومدى استفادة الاقتصاد السوداني من فرص العمل والخدمات ونقل التكنولوجيا، حتى لا تتحول المنطقة الحرة إلى مجرد مرفق للتخزين والتصدير دون أثر تنموي محلي واضح.
ثالثًا: دلالات القمة الروسية الأفريقية.. موسكو تعود إلى أفريقيا من بوابة الشراكة
لا يمكن قراءة زيارة البرهان بمعزل عن طبيعة القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي تمثل محطة مهمة في مساعي موسكو لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في القارة.
فروسيا تسعى إلى توسيع علاقاتها مع الدول الأفريقية في ظل التحولات الدولية والتنافس مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وتقدم نفسها شريكًا يدعم السيادة الوطنية ويرفض الإملاءات الخارجية والعقوبات الأحادية، ويؤيد بناء نظام دولي متعدد الأقطاب.
وقد ركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمته أمام القمة، على الروابط التاريخية بين روسيا وأفريقيا، وعلى دعم استقلال الدول الأفريقية وتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، ولا سيما مجلس الأمن. وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري الروسي الأفريقي تجاوز 27 مليار دولار خلال العام الماضي، مع وجود فرص لتوسيع التعاون في الطاقة والتعدين والصناعة والخدمات اللوجستية.
كما تحدث عن إمدادات الحبوب الروسية إلى أفريقيا، التي تجاوزت 18 مليون طن خلال العام الماضي، فضلًا عن صادرات الأسمدة، مؤكدًا أهمية التعاون في الأمن الغذائي والتعليم والصحة والتكنولوجيا.
ومن أبرز مخرجات القمة اعتماد ثلاثة أطر رئيسية: إعلان القمة الروسية الأفريقية، وإعلان التعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي، وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية الأفريقية للفترة 2027–2029. كما وقّع الاتحاد الأفريقي وروسيا خطة عمل للتعاون المؤسسي خلال الفترة نفسها، تشمل 19 مجالًا للتعاون.
وتكشف هذه المخرجات أن موسكو لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها ساحة للعلاقات السياسية أو العسكرية فقط، بل سوقًا اقتصاديًا واستثماريًا واسعًا، ومصدرًا للموارد الطبيعية، وشريكًا في ملفات الأمن الغذائي والطاقة والتجارة والتكنولوجيا.
ومن هنا، فإن حضور السودان للقمة يحمل دلالة تتجاوز المشاركة البروتوكولية؛ فهو يأتي في وقت يبحث فيه عن منافذ اقتصادية جديدة، وعن دعم سياسي ودبلوماسي في ظل استمرار الحرب والضغوط الخارجية.
رابعًا: لماذا روسيا؟ حين تضيق أبواب الغرب تتسع خيارات موسكو
من أبرز دلالات التحرك السوداني أن الخرطوم تتجه إلى توسيع شراكاتها مع روسيا في وقت تشهد فيه علاقاتها مع عدد من العواصم الغربية توترًا وضغوطًا سياسية ودبلوماسية مرتبطة بالحرب.
وقد شعر السودان، في مراحل مختلفة من الأزمة، بأن بعض المواقف الغربية لم تراعِ بصورة كافية طبيعة مؤسسات الدولة السودانية، وأن التعامل مع الجيش وقوات الدعم السريع ضمن خطاب المساواة بين طرفي النزاع يثير تحفظات الخرطوم، التي ترى في القوات المسلحة المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة.
وفي المقابل، اتخذت موسكو مواقف دبلوماسية دعمت موقف الحكومة السودانية في عدد من المحافل الدولية. ومن أبرزها استخدام روسيا حق النقض في مجلس الأمن في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بريطاني سيراليوني بشأن حماية المدنيين ووقف القتال وإيصال المساعدات الإنسانية. وقد بررت موسكو موقفها بأن بعض بنود المشروع تمس سيادة السودان وحق حكومته في اتخاذ القرارات الوطنية.
وهذا الموقف أسهم في تعزيز الثقة السياسية بين الخرطوم وموسكو، خاصة أن روسيا أكدت في خطابها الرسمي دعم سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض التدخلات الخارجية.
وفي خطابه أمام القمة، ثمّن البرهان المواقف الروسية الداعمة للسودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين تحتفل هذا العام بمرور سبعين عامًا على تأسيسها، وأن الخرطوم تسعى إلى تطويرها من علاقات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة استراتيجية.
لكن من المهم الإشارة إلى أن العلاقة بين السودان والغرب ليست ملفًا واحدًا أو موقفًا موحدًا؛ فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تتباين في سياساتها وأدواتها، كما أن الضغوط والعقوبات الغربية لا تعني انقطاع جميع قنوات الاتصال. ومع ذلك، فإن شعور الخرطوم بالتضييق السياسي والدبلوماسي يدفعها إلى البحث عن شركاء بدائل، وفي مقدمتهم روسيا.
وهنا تبرز العبارة السياسية الأهم في قراءة التحرك السوداني: حين شعر السودان بأن أبوابًا غربية قد أُغلقت أو ضاقت أمامه، وجد في موسكو مساحة للتواصل والتعاون وتقديم العروض الاقتصادية والاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن روسيا تقدم دعمًا بلا مصالح؛ فموسكو تتحرك وفق حساباتها الاقتصادية والجيوسياسية، كما أن السودان يبحث بدوره عن مصالحه في ظل ظروف الحرب. ولذلك فإن العلاقة بين الطرفين تقوم على تقاطع المصالح، وليس على اعتبارات الصداقة التاريخية وحدها.
خامسًا: البحر الأحمر والسكك الحديدية والمعادن.. ما الذي تريده روسيا من السودان؟
يمثل البحر الأحمر أحد أهم عناصر الجذب في العلاقة الروسية السودانية. فالمنطقة ليست مجرد ساحل جغرافي، بل ممر دولي للتجارة والطاقة وحركة السفن، وتتنافس على النفوذ فيه قوى دولية وإقليمية متعددة.
ومن شأن إقامة منطقة اقتصادية حرة أن تمنح روسيا نقطة لوجستية لتخزين الوقود والحبوب، وتسهيل توزيع المنتجات إلى الأسواق الأفريقية، إذا توافرت البنية التحتية والضمانات القانونية والاقتصادية اللازمة.
كما أن السودان يمتلك موارد معدنية وزراعية كبيرة، ويتيح موقعه الجغرافي فرصًا للربط بين الموانئ ومناطق الإنتاج في الداخل والدول المجاورة. ومن هنا يأتي اهتمام موسكو بالذهب والنحاس والمعادن الأخرى، وبالاستثمار في السكك الحديدية والخدمات اللوجستية.
أما بالنسبة لروسيا، فإن هذه المشروعات تتيح لها تنويع منافذها التجارية، وتوسيع حضور شركاتها في أفريقيا، وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق والموارد الطبيعية.
لكن التحدي بالنسبة للسودان هو ضمان ألا تقتصر الشراكة على تصدير المواد الخام أو منح امتيازات استثمارية، بل أن ترتبط بتطوير الصناعات المحلية، وتوفير فرص العمل، وتدريب الكوادر السودانية، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة للموارد الوطنية.
كما أن أي مشروع اقتصادي كبير يحتاج إلى بيئة مستقرة، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع التحويلات، وضمانات قانونية، وتأمين للموانئ والطرق والمنشآت، وهي شروط يصعب تحقيقها بالكامل في ظل استمرار الحرب.
سادسًا: هل تستطيع روسيا أن تكون شريكًا بديلًا للغرب؟
تبدو روسيا بالنسبة للسودان شريكًا مهمًا في هذه المرحلة، خاصة في المجالات التي تتصل بالطاقة والتعدين والزراعة والنقل والصناعات الدفاعية. كما أن موقفها الدبلوماسي في مجلس الأمن يمنح العلاقة بعدًا سياسيًا يتجاوز التجارة والاستثمار.
وفي المقابل، تسعى موسكو إلى توسيع نفوذها في أفريقيا، وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتطوير علاقاتها مع الدول التي تبحث عن بدائل للشراكات الغربية التقليدية.
غير أن قراءة العلاقة بصورة واقعية تقتضي عدم المبالغة في قدرة روسيا على تعويض جميع الشراكات الغربية. فموسكو تواجه بدورها قيودًا اقتصادية ومالية ولوجستية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية، كما أن قدرتها على تنفيذ المشروعات الاستثمارية الكبرى في أفريقيا ليست متساوية في جميع القطاعات.
وقد نبه تحليل نشره معهد تشاتام هاوس قبيل القمة إلى أن توسع الحضور الروسي في أفريقيا لا يعني بالضرورة تحقق نتائج اقتصادية متناسبة معه، وأن التعاون الروسي خارج المجالات الأمنية ما زال متفاوتًا بين الدول والقطاعات.
وعليه، فإن الشراكة السودانية الروسية يمكن أن تكون إضافة مهمة للاقتصاد السوداني، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى اعتماد حصري على طرف دولي واحد. فمصلحة السودان تقتضي تنويع علاقاته مع روسيا والصين وتركيا والدول العربية والأفريقية وأوروبا والولايات المتحدة، وفق المصالح الوطنية وشروط السيادة والشفافية.
سابعًا: الرسالة السياسية للزيارة.. السودان يبحث عن شركاء لا عن بدائل مؤقتة
يمكن قراءة زيارة البرهان إلى موسكو باعتبارها رسالة سياسية واقتصادية متعددة الاتجاهات.
فإلى الداخل السوداني، تؤكد الزيارة أن الحكومة تسعى إلى فتح مسارات اقتصادية ودبلوماسية جديدة رغم استمرار الحرب، وأنها لا تحصر تحركاتها في الجبهات العسكرية أو المفاوضات السياسية.
وإلى الخارج، تشير إلى أن السودان يمتلك خيارات في علاقاته الدولية، وأن استمرار الضغوط الغربية لا يعني بالضرورة عزلة كاملة أو غياب البدائل.
أما إلى موسكو، فإن عرض المنطقة الحرة والاستثمار في المعادن والسكك الحديدية يوضح أن الخرطوم مستعدة للانتقال بالعلاقة إلى مستوى أكثر عملية، يقوم على مشروعات ومصالح متبادلة، لا على المواقف السياسية وحدها.
وفي المقابل، فإن روسيا تدرك أهمية الموقع السوداني على البحر الأحمر، وتدرك أن بناء شراكة مع السودان يمكن أن يعزز حضورها في منطقة ذات أهمية استراتيجية للقارة الأفريقية والتجارة الدولية.
لكن نجاح هذه الرسالة يتوقف على ما ستسفر عنه المباحثات من اتفاقيات واضحة، وعلى قدرة السودان على توفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، وعلى ضمان أن تعود هذه المشروعات بفوائد مباشرة على الاقتصاد والمواطن السوداني.
خاتمة
تأتي زيارة البرهان إلى روسيا في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ السودان؛ فالحرب لا تزال تستهدف المدن والمرافق الحيوية، والأزمة الاقتصادية والإنسانية تتفاقم، بينما تتزايد الحاجة إلى شراكات دولية تسهم في إعادة بناء الدولة واستعادة قدرتها على الإنتاج.
وقد فتحت موسكو أمام الخرطوم مساحة سياسية واقتصادية مهمة، مستفيدة من تراجع الثقة السودانية في عدد من المواقف الغربية، ومن رغبة الطرفين في تطوير علاقاتهما بعد سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية.
أما المقترح السوداني بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، إلى جانب الاستثمار في المعادن وتطوير السكك الحديدية، فيمثل فرصة يمكن أن تتجاوز حدود التعاون الثنائي إلى ربط السودان بالأسواق الأفريقية، وتحويل موقعه الجغرافي إلى مورد اقتصادي حقيقي.
لكن العبرة لن تكون في حجم العروض أو قوة التصريحات، وإنما في قدرة الطرفين على تحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، تحقق للسودان الأمن الاقتصادي والتنمية ونقل التكنولوجيا، وتمنح روسيا منفذًا تجاريًا ولوجستيًا في أفريقيا.
إن السودان يحتاج إلى علاقات دولية متوازنة لا تقوم على الارتهان لمحور واحد، بل على تنويع الشراكات وحماية المصالح الوطنية. وروسيا، بما تمتلكه من نفوذ سياسي وإمكانات اقتصادية وعلاقات أفريقية متنامية، يمكن أن تكون شريكًا مهمًا في هذا المسار، إذا اقترنت المصالح المتبادلة باحترام السيادة السودانية وتحقيق التنمية الفعلية.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يسانده في المحافل الدولية، بل إلى شركاء يساعدونه على وقف الحرب، وإعادة بناء مؤسساته، وتشغيل موانئه وسككه الحديدية ومصانعه، وتحويل موارده الطبيعية وموقعه الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية تخدم شعبه ومستقبله.


