Popular Now

السودان تحت ظلام المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية.. هل تحولت الحرب إلى معركة ضد حياة المواطنين؟ والاتهامات لإثيوبيا تفتح جبهة إقليمية جديدة (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6368 | ليست النخب السياسية وحدها هي المسؤولة عن تدهور الأوضاع بل تشاركها الخدمة المدنية

لا ترهقوا شعباً لا تنقصه الكرامة.. فصبر السودانيين ليس بلا حدود! .. بقلم المواطن : أحمد حسن الفادني

السودان تحت ظلام المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية.. هل تحولت الحرب إلى معركة ضد حياة المواطنين؟ والاتهامات لإثيوبيا تفتح جبهة إقليمية جديدة (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

لم تعد تداعيات الحرب في السودان تقف عند حدود المواجهات العسكرية والسيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية؛ فقد انتقلت بصورة متزايدة إلى استهداف البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تقوم عليها حياة المواطنين. ومع تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة على محطات الكهرباء والتحويلات والمنشآت النفطية، بدأت مدن وولايات سودانية تواجه انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي، بما يهدد المستشفيات ومصادر المياه والمخابز والمدارس ومرافق الإنتاج.
وتزداد خطورة هذه التطورات في المدن التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين الذين فروا من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، بحثاً عن الأمن والاستقرار. فهؤلاء لم يجدوا أنفسهم أمام تحديات النزوح وحدها، بل باتوا يواجهون نقص الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، واحتمالات تعطل المرافق التي يعتمدون عليها في العلاج والتعليم والحصول على الغذاء والمياه.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد الاتهامات السودانية لإثيوبيا بتسهيل استخدام أراضيها في إطلاق المسيّرات وتوفير الإسناد لقوات الدعم السريع، وهو ما يفتح ملفاً جديداً في العلاقات بين البلدين، ويضع أمن السودان والقرن الأفريقي أمام احتمالات أكثر تعقيداً.

أولاً: حرب المسيّرات واستهداف شبكة الكهرباء
شهدت الأيام الأخيرة من أكتوبر وبداية نوفمبر تصعيداً واضحاً في استهداف منشآت الكهرباء والطاقة. فقد تعرضت محطات وتحويلات كهربائية في ولايات الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض والخرطوم والبحر الأحمر، إلى جانب ولايتي نهر النيل والشمالية، لهجمات متكررة.
وفي 1 نوفمبر، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محطتي الكهرباء في الدبة وأبو حمد، وأخرجتهما من الخدمة، فيما تحدثت تقارير محلية عن تدمير محطة أبو حمد واشتعال النيران في منشآت أخرى. كما سبق أن تعرضت محطة هيا بولاية البحر الأحمر ومحطة أم دباكر الحرارية بولاية النيل الأبيض، ومحطة شندي بولاية نهر النيل، لهجمات وأضرار متفاوتة.
ووفقاً لمجموعة محامي الطوارئ، بلغ عدد محطات التحويل الكهربائي التي تعرضت للاستهداف نحو 15 محطة منذ بداية أكتوبر، بينما أشارت تقارير صحفية إلى أن الهجمات طالت أكثر من 13 محطة توزيع في ولايات مختلفة.
وتكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تستهدف منشأة منفردة فحسب، بل تضرب شبكة مترابطة يصعب تعويض مكوناتها وإعادة تشغيلها بسرعة. وقد حذرت تقارير من تراجع قدرة التوليد الكهربائي في السودان من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط، مع اعتماد متزايد على سد مروي لتوفير الجزء الأكبر من الكهرباء المتاحة.
وهذا يعني أن استمرار استهداف المحطات وخطوط النقل والتحويل قد يقود إلى اضطراب واسع في الشبكة القومية، ويجعل إعادة الكهرباء إلى المدن المتضررة أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل نقص المعدات وقطع الغيار والوقود والموارد المالية.

ثانياً: المستشفيات والمدارس والمخابز.. المواطن في مواجهة آثار الظلام
إن أخطر ما في استهداف الكهرباء ليس عدد المحطات التي تخرج من الخدمة، وإنما ما يترتب على ذلك من تعطيل للحياة اليومية. فالكهرباء ليست خدمة ترفيهية أو مرفقاً ثانوياً، بل هي أساس استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية والمائية.
1. المستشفيات والمراكز الصحية
تحتاج المستشفيات إلى الكهرباء لتشغيل غرف العمليات والعناية المكثفة وأجهزة التنفس الصناعي ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم، فضلاً عن حفظ الأدوية واللقاحات في درجات حرارة مناسبة. وعندما تنقطع الكهرباء لفترات طويلة، تصبح المولدات الاحتياطية هي خط الدفاع الأخير، لكنها تعتمد على الوقود الذي قد يكون مكلفاً أو غير متوفر بصورة منتظمة.
وقد حذرت شبكة أطباء السودان من أن انقطاع الكهرباء يهدد استمرار الخدمات الطبية، خصوصاً في مراكز غسيل الكلى وبنوك الدم والمرافق التي تعتمد على التبريد الطبي. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي السوداني يعاني أصلاً من تراجع كبير في قدرته التشغيلية، ونقص الكوادر والأدوية والإمدادات.
2. المدارس والتعليم
تؤدي الانقطاعات الطويلة إلى تعطيل العملية التعليمية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد المدارس فيها على الكهرباء لتشغيل المياه والإنارة والأجهزة التعليمية. كما أن بعض المدارس تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، الأمر الذي يجعل تأثرها بالخدمات الكهربائية والمائية أكثر خطورة.
فالمدرسة التي تستضيف أسراً نازحة لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت في بعض المناطق مساحة للسكن المؤقت والخدمات الأساسية، وأي توقف في المياه أو الإنارة يضاعف معاناة الموجودين فيها.
3. المخابز والأسواق والغذاء
تتأثر المخابز التي تعتمد على الكهرباء في تشغيل المعدات، كما تتأثر سلاسل حفظ الأغذية والتبريد والنقل والتخزين. ويؤدي اللجوء إلى المولدات والوقود البديل إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وهو ما ينعكس على أسعار الخبز والسلع الأساسية.
وتتسع دائرة التأثير لتشمل الأسواق والمحال التجارية والمخازن ومصادر المياه، بما يجعل المواطن يدفع ثمن الحرب أكثر من مرة: مرة بفقدان الأمن ومصادر الدخل، ومرة بارتفاع الأسعار، ومرة بتراجع الخدمات الضرورية.

ثالثاً: المدن المستضيفة للنازحين.. هل أصبح المدنيون هدفاً لضغط عسكري واقتصادي؟
تكتسب الهجمات على الكهرباء والمرافق الحيوية خطورة مضاعفة في المدن التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين من دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان وغيرها من مناطق القتال.
فالمواطن الذي غادر منطقته هرباً من المواجهات المسلحة، ووصل إلى مدينة أكثر استقراراً نسبياً، يجد نفسه أمام انقطاع الكهرباء والمياه، وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج، وتعطل الخدمات التي كان يأمل أن تعوضه عن خسارة منزله ومصدر رزقه.
وهنا تظهر آثار الحرب على النسيج الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ تتزايد الضغوط على المجتمعات المستضيفة، وتصبح الموارد المحدودة مطالبة بتلبية احتياجات السكان الأصليين والنازحين معاً.
كما أن تعطيل الكهرباء قد يؤثر في عودة المواطنين إلى المناطق التي شهدت تحسناً أمنياً، لأن عودة السكان لا تتوقف على انتهاء العمليات العسكرية وحده، بل تحتاج إلى مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس وأسواق ومرافق إنتاجية.
ومن ثم فإن استهداف البنية التحتية يضعف قدرة الدولة والمجتمع على التعافي، ويحول دون استعادة الحياة الطبيعية حتى في المناطق التي لا تشهد اشتباكات مباشرة.
رابعاً: هل تشن قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس حرباً ضد المواطن؟
تتكرر الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع بشأن استهداف محطات الكهرباء والمرافق الحيوية، وقد نسبت السلطات السودانية ومجموعة محامي الطوارئ عدداً من الهجمات الأخيرة إلى هذه القوات، فيما لم يصدر عنها تعليق يفسر مسؤوليتها عن الهجمات المشار إليها في التقارير الأخيرة.
وتطرح هذه الوقائع سؤالاً سياسياً وإنسانياً مهماً: هل أصبحت البنية المدنية والخدمات الأساسية جزءاً من أدوات الضغط في الحرب؟
من الناحية العملية، فإن استهداف محطات الكهرباء لا يقتصر أثره على القوات المسلحة أو المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى ملايين المواطنين، بمن فيهم الأطفال والمرضى والنساء وكبار السن والنازحون. كما أن تعطيل الكهرباء والمياه والصحة والغذاء يضعف قدرة المجتمع على الصمود، ويزيد من كلفة الحياة في المناطق التي تستضيف السكان الفارين من مناطق القتال.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه الهجمات تستهدف المدنيين بصورة مقصودة، أو ما إذا كانت لها أهداف عسكرية مباشرة، يحتاج إلى تحقيق في كل واقعة على حدة، وتحديد طبيعة الهدف والوسائل المستخدمة والنتائج المتوقعة. فالقانون الدولي الإنساني يحظر استهداف الأعيان المدنية، كما يفرض التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
أما تحالف تأسيس والقوى المدنية المرتبطة به سياسياً، فلا يصح تحميلها المسؤولية العسكرية عن كل عملية تنفذها قوات الدعم السريع دون أدلة محددة. غير أن وجود أي مشروع سياسي يسعى إلى تقديم نفسه بديلاً للحكم ينبغي أن يضع حماية المدنيين ورفض استهداف الخدمات الأساسية في مقدمة التزاماته المعلنة والعملية.
فالمعيار الحقيقي لأي خطاب سياسي ليس فقط ما يعلنه من شعارات حول السلطة أو مستقبل الدولة، وإنما موقفه من حياة المواطنين وحقوقهم، وقدرته على رفض الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

خامساً: الاتهامات السودانية لإثيوبيا.. من مطار بحر دار إلى قاعدة أصوصا
انتقل ملف الاتهامات السودانية لإثيوبيا من التصريحات العامة إلى تقديم معلومات قالت الخرطوم إنها تستند إلى بيانات فنية وصور أقمار صناعية وحطام طائرات مسيّرة.
ففي 28 أكتوبر، عرض مسؤولون سودانيون، خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم، ما وصفوه ببيانات مسارات الطيران وصور الأقمار الصناعية، وقالوا إنها تشير إلى انطلاق مسيّرات من مواقع داخل الأراضي الإثيوبية، بينها مطار بحر دار.
وفي 31 أكتوبر، جددت وزارة الخارجية السودانية اتهاماتها، خلال إحاطة للدبلوماسيين في بورتسودان، وقالت إن قاعدة أصوصا في غرب إثيوبيا أصبحت، بحسب المعلومات التي قدمتها، مركزاً لإمداد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات، وتسهيل مرور المقاتلين الأجانب، فضلاً عن استخدامها في إطلاق المسيّرات نحو الأراضي السودانية.
كما تحدث مسؤولون سودانيون عن استهداف محطات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات ومستودعات الوقود، واعتبروا أن ما يجري يتجاوز الدعم اللوجستي إلى تسهيل عمليات عسكرية تنفذ داخل السودان.
وفي 1 نوفمبر، نشرت تقارير صحفية تفاصيل إضافية عن تقرير سوداني قال إن السلطات وثقت 70 هجوماً بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية خلال الفترة من 15 فبراير إلى 27 أكتوبر 2026، وأشار إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين والعسكريين. وهذه الأرقام والمعلومات تظل منسوبة إلى التقرير السوداني، ولم يتسنَّ التحقق المستقل من جميع تفاصيلها أو من مواقع الإطلاق التي حددها.
وتكمن أهمية هذه الاتهامات في أنها تضع العلاقات السودانية الإثيوبية أمام مرحلة شديدة الحساسية، خصوصاً أن السودان لا يتهم إثيوبيا فقط بتقديم تسهيلات لقوات الدعم السريع، بل يتحدث عن استخدام أراضيها في عمليات جوية تستهدف منشآت داخل السودان.

سادساً: الموقف الإثيوبي.. نفي سابق وغياب رد جديد موثق
في المقابل، سبق للحكومة الإثيوبية أن رفضت اتهامات مماثلة وجهتها الخرطوم في مايو 2026، ووصفتها بأنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة.
وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيانها آنذاك إن أديس أبابا التزمت ضبط النفس، واتهمت أطرافاً في الحرب السودانية بانتهاك سيادتها وأمنها القومي، من خلال وجود عناصر مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي داخل السودان، وادعت أن القوات المسلحة السودانية قدمت لها السلاح والدعم المالي.
كما أكدت إثيوبيا تضامنها مع الشعب السوداني، وشددت على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة، ودعت إلى هدنة إنسانية ووقف مستدام لإطلاق النار وحوار سياسي شامل بقيادة مدنية.
أما بشأن الاتهامات السودانية الجديدة التي أُعلنت في 28 و31 أكتوبر، فلم يظهر في المصادر المتاحة حتى 1 نوفمبر رد إثيوبي رسمي جديد ومفصل يتناول تحديداً ما قدمته الخرطوم من بيانات وصور وحطام مسيّرات، ولذلك لا يصح اعتبار النفي السابق رداً تفصيلياً على الأدلة الجديدة.
وتبقى أمام أديس أبابا مسؤولية سياسية ودبلوماسية في التعامل مع هذه الاتهامات، عبر تقديم توضيحات رسمية، والتعاون مع أي تحقيق مستقل يحدد حقيقة استخدام المطارات أو المنشآت الإثيوبية في عمليات عسكرية ضد السودان.

سابعاً: تداعيات الأزمة على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر
لا يمكن قراءة الاتهامات السودانية لإثيوبيا بمعزل عن التوترات الإقليمية القائمة في القرن الأفريقي، ولا عن التنافس حول البحر الأحمر والموانئ والممرات التجارية.
فالعلاقات بين السودان وإثيوبيا تواجه أصلاً ملفات خلافية تتعلق بالحدود وسد النهضة والتوازنات الأمنية في المناطق الحدودية، كما أن تصاعد التوتر الإثيوبي الإريتري وعودة المواجهات في إقليم تيغراي يزيدان من تعقيد المشهد.
وتخشى دول المنطقة أن تتحول الحرب السودانية من صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية غير مباشرة، تتعدد فيها مسارات الإمداد والتدريب والدعم العسكري، وتصبح فيها الحدود والمطارات والموانئ جزءاً من معادلة الحرب.
كما أن استمرار استهداف منشآت الطاقة والنفط في شرق السودان يهدد المصالح الاقتصادية المرتبطة بخطوط نقل النفط وميناء بشائر، ويزيد المخاطر على أمن البحر الأحمر.
ومن هنا، فإن التعامل مع الملف الإثيوبي يحتاج إلى مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي وقانوني، يقوم على عرض الأدلة وطلب تحقيق مستقل عبر الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة؛ والثاني أمني، يقوم على حماية الحدود والمنشآت الحيوية ومنع اتساع نطاق المواجهة، دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب.

ثامناً: البعد القانوني والإنساني.. حماية المرافق ليست خياراً سياسياً
إن محطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس والمخابز وشبكات المياه من المرافق التي يرتبط بها بقاء المدنيين وحياتهم اليومية. ولذلك فإن استهدافها أو تدميرها دون مراعاة القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة يثير مسؤوليات قانونية خطيرة.
ولا يقتصر أثر تدمير محطة كهرباء على المنطقة التي تقع فيها، بل قد يمتد إلى مناطق أخرى تعتمد عليها في ضخ المياه وتشغيل المستشفيات وتخزين الأدوية وإنتاج الغذاء.
كما أن حرمان السكان من الخدمات الأساسية قد يفاقم النزوح ويمنع العودة الطوعية والآمنة، ويزيد من مخاطر الأمراض وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والمرضى وكبار السن.
وتقتضي حماية المدنيين وقف الهجمات على الأعيان المدنية، وضمان وصول فرق الصيانة والإغاثة، وتوفير الوقود للمرافق الصحية والمائية، وعدم استخدام المنشآت المدنية في أغراض عسكرية تعرضها للخطر.
خاتمة
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن الحرب في السودان تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، عنوانها استنزاف البنية التحتية وتعطيل مقومات الحياة، بعد أن أصبحت الكهرباء والمياه والصحة والغذاء والتعليم في قلب تداعيات العمليات العسكرية.
إن المدن التي تستضيف النازحين من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات لمعاقبة السكان أو الضغط عليهم عبر تعطيل الخدمات. فالمواطن السوداني، سواء كان نازحاً أو مقيماً، ليس طرفاً في الصراع، ولا يجوز أن يدفع ثمنه من أمنه وغذائه وعلاجه وتعليم أبنائه.
وفي المقابل، فإن الاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا، إذا ثبتت بالأدلة المستقلة، ستشكل تطوراً خطيراً ينقل الحرب إلى مستوى إقليمي، ويضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار بالغ الصعوبة. أما إذا ظلت الاتهامات والردود في إطار التصريحات المتبادلة، فإن استمرار غياب التحقيق المستقل سيترك المجال مفتوحاً للتصعيد وسوء التقدير.
إن التحدي أمام السودان اليوم لا يتمثل فقط في استعادة السيطرة على الأرض، بل في حماية المجتمع ومؤسسات الدولة وشبكات الخدمات، ومنع تحويل حياة المواطنين إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب. فالدولة التي تريد التعافي تحتاج إلى حماية الكهرباء والمستشفيات والمدارس والمخابز بقدر حاجتها إلى حماية حدودها ومواقعها العسكرية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6368 | ليست النخب السياسية وحدها هي المسؤولة عن تدهور الأوضاع بل تشاركها الخدمة المدنية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *