Popular Now

دولة الامتيازات الصغيرة حين يصبح النفوذ أقوى من القانون … هشام محمود سليمان

من جهة أخرى..(سحق) المليشيا بغرب كردفان .. عبود عبدالرحيم

وجه الحقيقة | الأمن المائي.. شراكة أم فرصة ضائعة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

دولة الامتيازات الصغيرة حين يصبح النفوذ أقوى من القانون … هشام محمود سليمان

ثمة أشياء صغيرة في حياتنا اليومية لكنها تكشف عن أزمات كبيرة تسكن بنية المجتمع وطريقة تفكيره. قد يبدو تجاوز شخص لصف طويل أمام محطة وقود أمراً عادياً، وقد يبدو تقديم صاحب منصب على بقية المنتظرين مجرد استثناء بسيط، لكن الحقيقة أن هذه المشاهد تختصر أزمة أعمق من الوقود والخدمات، إنها أزمة علاقة الإنسان بالسلطة وفهمه لمعنى المواطنة.
المشكلة ليست في الشخص الذي تقدم الصف فحسب، وإنما في الفكرة التي تقف خلف تصرفه؛ فكرة أنه ليس كغيره، وأن موقعه الوظيفي أو رتبته أو علاقاته تمنحه حقّاً إضافياً وأن ما يلزم الآخرين لا يلزمه بالضرورة. وهنا تبدأ صناعة الامتيازات الصغيرة التي تتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة عامة، فمن يتجاوز الصف اليوم قد يتجاوز القانون غداً، ومن يستغل موقعه للحصول على خدمة قبل الآخرين قد يستغل الموقع ذاته للحصول على منفعة أكبر، فالسلوكيات التي تبدو محدودة في بدايتها قد تصبح مدخلاً لتطبيع الفساد وإضعاف الشعور بالمساواة.

إن الوظيفة العامة ليست ملكية خاصة، والرتبة ليست صكاً للامتياز والنفوذ ليس بديلاً عن الاستحقاق، فكل موقع في الدولة مهما علا شأنه إنما وُجد لخدمة المجتمع لا لصناعة طبقة من أصحاب الحقوق الإضافية، ولذلك لم يكن تجريم إساءة استغلال الوظيفة العامة في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 أمراً شكلياً، بل تعبيرا عن ضرورة حماية المصلحة العامة من تغول المصالح الشخصية كما أن مبدأ المساواة أمام القانون يظل حجر الزاوية في أي دولة تحترم مواطنيها ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس نقص الوقود أو الخبز أو الخدمات، وإنما أن يفقد المواطن إيمانه بأن القانون يحميه بالقدر نفسه الذي يحمي به صاحب السلطة والنفوذ، فحين يشعر الإنسان أن احترامه للنظام يجعله أقل حظاً من الذي يتجاوزه فإننا لا نخسر احترام القانون وحده، بل نخسر الثقة في عدالة المؤسسات أيضاً.

إن الدول العادلة ليست هي من تملك مؤسسات وقوانين، وإنما هي التي تقدر على منع صاحب النفوذ من الحصول على ما لا يستحقه لمجرد أنه صاحب نفوذ.

إن المواطنة الحقيقية تبدأ من أبسط التفاصيل؛ أن يقف الجميع في صف واحد وأن يحصل كل إنسان على حقه دون وساطة أو محاباة أو استعلاء، فالدولة التي يتساوى فيها الناس عند شباك الخدمة، وفي المستشفى وأمام محطة الوقود، هي الأقرب إلى أن يتساووا فيها أمام القانون.

المقالة السابقة

من جهة أخرى..(سحق) المليشيا بغرب كردفان .. عبود عبدالرحيم

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *