Popular Now

السودان في مواجهة حرب الاستنزاف: استهداف الكهرباء وشبكات الإمداد الخارجية.. وبين موسكو وبكين والدوحة تتشكل خيارات إعادة البناء (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد وباحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

موسكو والسودان.. هل تتحول أوراق النفوذ الروسي إلى مفتاح لإنهاء الحرب؟ .. د. نجلاء حسين المكابرابي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6372 | على المواطنين أخذ ما تكتب النخب بحذر شديد لأنه قد يكون مجافياً للحقيقة !!

السودان في مواجهة حرب الاستنزاف: استهداف الكهرباء وشبكات الإمداد الخارجية.. وبين موسكو وبكين والدوحة تتشكل خيارات إعادة البناء (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد وباحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل أصبحت صراعاً متعدد المستويات، تتداخل فيه العمليات الميدانية مع استهداف البنية التحتية، والاتهامات المتعلقة بالإمداد الخارجي، والتحركات الدبلوماسية والاقتصادية لإعادة بناء الدولة.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تتحرك الخرطوم نحو موسكو وبكين والدوحة بحثاً عن شراكات اقتصادية واستثمارية، بالتزامن مع تنسيق سياسي وأمني مع مصر والسعودية وإريتريا، وسط اتهامات متصاعدة لإثيوبيا والإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع.

أولاً: استهداف الكهرباء وتوسيع نطاق الحرب

شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً في هجمات المسيّرات على محطات الكهرباء والتحويلات. فقد تعرضت محطتا الدبة وأبو حمد لهجمات في الأول من نوفمبر، أدت إلى خروجهما من الخدمة، كما تعرضت محطة أبو حمد لأضرار وحريق، وفق التقارير المحلية.

وتأتي هذه الهجمات ضمن سلسلة استهدافات طالت محطات كهرباء في ولايات مختلفة، شملت النيل الأبيض ونهر النيل والجزيرة وسنار والقضارف والبحر الأحمر. كما تحدثت تقارير عن استهداف محطة تحويلية كانت قيد الإنشاء، بما يهدد مشروعات تعزيز الشبكة القومية قبل دخولها الخدمة.

ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على انقطاع الكهرباء، بل تمتد إلى المستشفيات ومراكز غسيل الكلى ومحطات المياه والمخابز والمدارس والمصانع. وتتضاعف آثارها في المدن التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، حيث يؤدي تعطيل الخدمات إلى زيادة المعاناة وارتفاع تكاليف المعيشة وتعثر عودة المواطنين إلى مناطقهم.

ثانياً: هل أصبحت حياة المواطنين جزءاً من معركة الحرب؟

تطرح الهجمات على المنشآت الحيوية سؤالاً جوهرياً حول انتقال الحرب من استهداف المواقع العسكرية إلى الضغط على المجتمع والخدمات الأساسية.

وقد اتهمت السلطات السودانية قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن عدد من هذه الهجمات، معتبرة أنها تستهدف تعطيل الحياة العامة وإضعاف قدرة الدولة على تقديم الخدمات. وفي المقابل، فإن تحديد المسؤولية القانونية عن كل هجوم يتطلب تحقيقاً مستقلاً يحدد طبيعة الهدف والجهة المنفذة والظروف المحيطة بالعملية.

وفي هذا السياق، أدان القيادي بتحالف «صمود» صلاح مناع استهداف محطات الكهرباء والمياه، مؤكداً أن الخلاف السياسي مع السلطة لا يبرر تدمير مؤسسات الدولة أو الإضرار بالمواطنين، وداعياً إلى التحقيق والمحاسبة.

ويمثل هذا الموقف تأكيداً على ضرورة الفصل بين الخلاف السياسي والمسؤولية الوطنية؛ فحماية المرافق العامة حق للمواطنين والتزام لا يرتبط بالاصطفاف مع أي طرف في الحرب.

ثالثاً: الاتهامات للإمارات وإثيوبيا وشبكات الإمداد الخارجي

تتصاعد الاتهامات السودانية بشأن وجود دعم خارجي لقوات الدعم السريع، مع تركيز خاص على الإمارات وإثيوبيا.

فقد أعلنت السلطات السودانية أنها قدمت بيانات فنية وصور أقمار صناعية ومسارات طيران وحطام مسيّرات، قالت إنها تشير إلى انطلاق طائرات من مواقع داخل الأراضي الإثيوبية، بينها مطار بحر دار، كما تحدثت عن استخدام قاعدة أصوصا في الإمداد والدعم اللوجستي.

وفي الأول من نوفمبر، تداولت وسائل إعلام سودانية تقارير عن نقل مركبات قتالية من طراز «تاتشر» جواً عبر مطار أديس أبابا. غير أن تفاصيل هذه الروايات لم تتوافر بشأنها أدلة مستقلة كافية تسمح بتأكيدها بصورة قاطعة.

وفي المقابل، أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير سابق إلى أدلة تتعلق بشبكات تجنيد ونقل مقاتلين أجانب ومعدات عسكرية مرتبطة بالإمارات، قالت إنها أسهمت في دعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لهذه القوات.

وتؤكد هذه التطورات أهمية التحقيق في مسارات السلاح والتمويل والنقل، وتحديد مسؤولية الجهات التي يثبت تورطها. أما الحديث عن دور إسرائيلي مباشر في هذه الشبكات، فيظل بحاجة إلى أدلة محددة، إذ لا يكفي تقاطع المصالح الإقليمية لإثبات وجود تنسيق عملياتي أو دعم عسكري.

رابعاً: الأمم المتحدة وتحديد المسؤوليات

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تصاعد هجمات المسيّرات في السودان، وحذر من آثارها على المدنيين والبنية التحتية والمرافق الصحية، داعياً إلى وقف الأعمال العدائية.

لكن الإدانة العامة لا تكفي وحدها؛ إذ ينبغي أن يصاحبها تحقيق يحدد الجهات المنفذة ومصادر السلاح ومسارات الإمداد، ويكشف مسؤولية الدول والجهات التي يثبت تسهيلها للهجمات.

ومن هنا تبرز أهمية التحرك الدبلوماسي السوداني داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عبر تقديم الأدلة الفنية بصورة منظمة، والمطالبة بتحقيق مستقل، والعمل على تصحيح أي خطاب دولي يوحي بالمساواة بين المسؤوليات دون تمييز بين الوقائع والأطراف.

خامساً: موسكو وبكين.. شراكات جديدة لإعادة بناء الدولة

بعد زيارة البرهان إلى موسكو ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين، تتجه الأنظار إلى التحركات السودانية مع الصين، باعتبارها شريكاً مهماً في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعدين والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، أجرى وفد شركة «زادنا» زيارة إلى الصين خلال أكتوبر، شملت لقاءات مع شركات «SANY» و«LONGi» و«IVNT»، وزيارة مركز هواوي، وبحث فرص التعاون في المعدات الهندسية والطاقة الشمسية والتعدين والطرق والجسور والتكنولوجيا الرقمية.

وتفتح هذه التحركات فرصاً لتطوير قطاعات يحتاج إليها السودان بصورة عاجلة، لكنها ما تزال في إطار التفاهمات الأولية التي تحتاج إلى اتفاقيات وتمويل وجداول تنفيذ واضحة.

أما موسكو، فقد بحث معها البرهان إقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، وتطوير الاستثمار في المعادن والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون في مجالات أخرى.

وتكمن أهمية المسارين الروسي والصيني في تنويع الشراكات الخارجية، لكن ينبغي ألا يتحول السودان من الاعتماد على شريك واحد إلى تبعية لشريك آخر؛ فروسيا والصين، مثل بقية الدول، تتحركان وفق مصالحهما، والشراكة الناجحة هي التي تحقق مصلحة السودان وتنقل إليه التكنولوجيا وتوفر فرص العمل والإنتاج.

سادساً: قطر والطاقة.. فرص الاستثمار والإنتاج

برز اهتمام قطري بالاستثمار في السودان، خاصة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبترول وتوريد الوقود، حيث بحث وزير الطاقة والنفط مع وفد شركة «اتحاد المستقبل» القطرية فرص الاستثمار في هذه القطاعات.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل أزمة الكهرباء والوقود، وحاجة السودان إلى تنويع مصادر الطاقة وإعادة تأهيل المنشآت النفطية. غير أن هذه التحركات لا تزال بحاجة إلى تحويل الاهتمام المعلن إلى مشروعات محددة بتمويل وجداول زمنية وضمانات تنفيذ.

سابعاً: عودة الصناعة.. مصنع صافولا نموذجاً

تمثل عودة مصنع صافولا لزيوت الطعام بشرق الخرطوم إلى الإنتاج مؤشراً مهماً على إمكانية استعادة النشاط الصناعي رغم ظروف الحرب.

فإعادة تشغيل المصنع تعني توفير منتجات محلية وفرص عمل، ودعم سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الواردات في قطاع يرتبط بالأمن الغذائي.

لكن استمرار هذه العودة يتطلب استقرار الكهرباء والوقود والأسواق، وتوفير الحماية والتمويل للمنشآت الإنتاجية، حتى لا تتحول إعادة التشغيل إلى نشاط مؤقت يتوقف مع تجدد الاستهداف أو تعطل الخدمات.

ثامناً: مصر والسعودية وإريتريا وقطر.. إسناد الدولة ووحدة السودان

تتزامن التحركات الاقتصادية مع اتصالات إقليمية تستهدف دعم استقرار السودان والحفاظ على وحدته ومؤسساته الوطنية.

وقد أكدت القمة الرباعية التي استضافتها مصر في العلمين يوم 4 أكتوبر، بمشاركة السودان وإريتريا والصومال، دعم سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ومؤسساته، ورفض إنشاء كيانات موازية، والتأكيد على أن تكون العملية السياسية سودانية القيادة والملكية.

وتبرز أهمية مصر لارتباط أمن السودان بأمنها القومي والحدود المشتركة ومياه النيل، فيما تمثل إريتريا شريكاً مهماً بحكم الجوار الجغرافي وأمن البحر الأحمر. كما تظل السعودية طرفاً مؤثراً في جهود الوساطة واستقرار الملاحة البحرية، بينما تفتح قطر مساراً اقتصادياً واستثمارياً في قطاعات الطاقة والوقود.

ورغم اختلاف أولويات هذه الدول، فإن هناك مساحة للتنسيق حول وحدة السودان وسيادته ورفض تفكيك مؤسساته ودعم مسار سياسي سوداني.

تاسعاً: السودان واستعادة حضوره الأفريقي

في الأول من نوفمبر، استقبل البرهان مدير جهاز الاستخبارات الغابوني جيرار أونغامبي أونغاي، بحضور مدير جهاز المخابرات العامة السوداني الفريق أحمد إبراهيم مفضل، وبحث اللقاء العلاقات الثنائية والتعاون الأمني.

ورغم عدم إعلان تفاصيل اتفاقيات أو ترتيبات عملياتية، فإن اللقاء يعكس أهمية توسيع الاتصالات السودانية مع الدول الأفريقية، واستعادة حضور السودان داخل القارة، وشرح حقيقة الحرب وتداعياتها، وبناء مواقف داعمة لوحدة الدولة وسيادتها.

عاشراً: بين التحالفات والاقتصاد.. مستقبل السودان

تتحرك الأزمة السودانية عبر ثلاثة مسارات مترابطة:

1. المسار العسكري: استمرار استهداف المنشآت الحيوية، وتنامي الاتهامات بشأن الإمداد الخارجي، وما يتطلبه ذلك من حماية للبنية التحتية وتوثيق للأدلة.
2. المسار الدبلوماسي: توسيع التنسيق مع مصر والسعودية وإريتريا وقطر، واستعادة الحضور الأفريقي، والتحرك داخل المؤسسات الدولية لتحديد المسؤوليات.
3. المسار الاقتصادي: تنويع الشراكات مع روسيا والصين وقطر، واستعادة الصناعة الوطنية، وتطوير الطاقة والتعدين والنقل والإنتاج.

وتبقى المعضلة الأساسية أن هذه المسارات لن تحقق أهدافها إذا استمرت الحرب في استنزاف الموارد وتدمير البنية التحتية، أو تحولت الشراكات الخارجية إلى تنافس على الموانئ والمعادن والمواقع الاستراتيجية دون ضمانات للمصلحة الوطنية.

التقدير الختامي

تكشف تطورات مطلع نوفمبر أن السودان يواجه معركة تتجاوز خطوط القتال؛ فاستهداف الكهرباء والمرافق الحيوية يضغط على المجتمع والاقتصاد، بينما تكشف الاتهامات المتعلقة بالإمداد الخارجي عن اتساع البعد الإقليمي للحرب.

وفي المقابل، تتيح التحركات مع موسكو وبكين والدوحة، والتنسيق مع مصر والسعودية وإريتريا، فرصاً لتوسيع الخيارات السياسية والاقتصادية وإعادة بناء العلاقات الخارجية.

لكن نجاح هذه التحركات يرتبط بحماية مؤسسات الدولة ومرافقها، وتحويل التفاهمات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتقديم أدلة موثقة على التدخلات الخارجية، وتجنب الانجرار إلى مواجهات إقليمية غير محسوبة.

إن السودان لا يحتاج إلى استبدال تبعية بأخرى، وإنما إلى سياسة خارجية متوازنة وشراكات متنوعة ومؤسسات وطنية قوية، تحافظ على وحدة البلاد وسيادتها. فالمعركة الحقيقية ليست استعادة الأرض وحدها، بل استعادة الدولة والاقتصاد والخدمات، وضمان ألا تتحول موارد السودان وموانئه وموقعه الاستراتيجي إلى أدوات في صراعات الآخرين.

المقالة السابقة

موسكو والسودان.. هل تتحول أوراق النفوذ الروسي إلى مفتاح لإنهاء الحرب؟ .. د. نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *