ليس كل ما نشتكي منه فعله الآخرون، وليس كل ما نحمله للحكومة من أعباء يقع خارج مسؤوليتنا. أحياناً نكون جزءاً من الأزمة التي نبحث عن مخرج منها دون أن ننتبه إلى أننا نساهم في إعادة إنتاجها.
اعتدنا أن نبحث عن أسباب أزماتنا في مكاتب المسؤولين، وقرارات الحكومة، واجتماعات السياسيين وتدخلات الخارج. وكلها عوامل حقيقية لا يمكن تجاهلها، لكن ماذا لو قررنا هذه المرة أن ننظر إلى الوجه الآخر للأزمة؟ إلى أنفسنا، وإلى ما نمارسه في تفاصيل حياتنا اليومية؟
● من الذي يرفع الأسعار ويستغل حاجة الناس؟
أليس مواطناً يشتكي في المساء من الغلاء، ثم يذهب في الصباح إلى سوقه ليحقق أكبر هامش ربح، ولو على حساب الآخرين؟
● ومن الذي يعطل معاملات المواطنين؟
أليس أحياناً موظفاً عاماً يشكو ضعف المرتب، لكنه يجعل من تعطيل مصالح الناس وسيلة للحصول على منفعة لا يستحقها؟
●ومن الذي يشتكي تدهور التعليم الحكومي؟
أليس بعض من يساهمون في إضعافه حين يستقطبون المعلمين من المدارس العامة إلى مدارسهم الخاصة، مستفيدين من ضعف أجور المعلم في المدارس الحكومية ؟
● ومن الذي يتألم من ارتفاع تكلفة العلاج؟
أليس بعض أصحاب المؤسسات العلاجية الخاصة ممن يستقطبون الكوادر الطبية من المستشفيات العامة في ظل غياب التوازن والضوابط التي تحمي حق المواطن في العلاج؟
لا نتحدث هنا عن تجريم الاستثمار الخاص، ولا عن حرمان الناس من حقهم في تحسين أوضاعهم، وإنما عن مفارقة تستحق الوقوف عندها: كيف نطالب بخدمات عامة قوية، بينما قد نشارك ،من مواقع مختلفة، في استنزاف مقوماتها دون أن نسأل عن العواقب؟
حتى الحرب، التي مزقت نسيجنا الاجتماعي وأثقلت حياة السودانيين، لم تعد آثارها محصورة في الميدان، فهناك من يغذّي خطاب الكراهية، ويحشد ضد أخيه ويعيد إنتاج الانقسام حتى يصبح المواطن أداة في صراع يدفع الجميع ثمنه، بينما تتداخل فيه حسابات ومصالح خارجية. وهنا لا يجوز أن نخلط بين مسؤولية من أشعل الحرب، أو موّلها أو شارك في ارتكاب الانتهاكات، ومسؤولية من يساهم في توسيع دائرة الكراهية والتحريض، فلكل فعل مسؤوليته ومحاسبته.
المفارقة أننا نطالب بالعدالة، ثم قد نتجاوزها عندما تخدمنا المخالفة، ونطالب بالقانون، ثم نبحث عن استثناء عندما تتعارض أحكامه مع مصالحنا، ونشتكي غياب الرقابة، ثم نرفضها عندما تقترب من مصالحنا.
لكن لماذا يحدث ذلك؟
ربما لأن السنوات الثماني الحسوم تسببت في ضعف المؤسسات وغياب المساءلة، بل رسخت لممارسات خاطئة جعلتها تبدو عادية، وربما لأن منطق النجاة الفردية تمدد حتى أصبح لدى البعض أهم من المصلحة العامة. تراجعت فكرة المواطنة من كونها مسؤولية مشتركة إلى قائمة مطالب في صياغة نريد من الحكومة أن تحققها دون أن نتوقف بالقدر الكافي أمام ما علينا تجاه الآخرين.
ولعل ما تابعناه في الانتخابات الأمريكية الأخيرة يفتح نافذة أخرى للتفكير. فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع أو تنافس على المقاعد، إنها أيضاً اختبار لقدرة القوى السياسية على النزول إلى الشارع، والاستماع إلى انشغالات الناس، ومخاطبة احتياجاتهم اليومية وتقديم خيارات يستطيع المواطن أن يناقشها ويحاسب أصحابها عليها. وهنا تكمن أهمية الانتقال من مخاطبة المواطن باعتباره وسيلة للحشد، إلى إشراكه باعتباره شريكاً في تحديد الأولويات وصناعة الخيارات. فالمشاركة الواعية لا تلغي المصلحة الفردية، بل تربطها بالمصلحة العامة، وتحول الحشد من مجرد استجابة عاطفية إلى فعل مدني قائم على الإدراك والاختيار، فالسياسة التي تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد صوت انتخابي تختلف عن السياسة التي تتعامل معه باعتباره صاحب مصلحة وحق في المعرفة والمساءلة.
وهنا نعود إلى السودان، وإلى سؤال الحوار السوداني السوداني … هل يكفي أن تجلس الأطراف السياسية إلى طاولة واحدة، بينما تظل الممارسات التي أنتجت جانباً من أزمتنا حاضرة في المجتمع؟
> وهل يمكن أن نصل إلى توافق وطني مستدام إذا لم نراجع علاقتنا بالقانون، والمال العام، والاختلاف وحقوق الآخرين؟
الحوار ليس اتفاقاً بين النخب فحسب، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمجتمع. ولا يمكن أن نطالب بدولة تحترم حقوقنا، بينما لا نحترم نحن حقوق بعضنا بعضاً.
لسنا بصدد إعفاء الحكومة من مسؤولياتها فهي مطالبة بوضع القواعد، وتطبيق القانون، وحماية الخدمات العامة، ومراقبة الأسواق ومحاسبة المتجاوزين. لكن إصلاح الدولة لا يكتمل بقرارات تصدر من أعلى إذا لم يصاحبه تحول في السلوك من أسفل.
فالدولة لا تتآكل فقط بقرار خاطئ يصدر من مكتب مسؤول، بل قد تتآكل أيضاً بآلاف الممارسات اليومية التي تستنزف الثقة، وتعطل المصالح، وتضعف المؤسسات وتحوّل الحق العام إلى فرصة للمنفعة الخاصة.
إن بناء السودان الذي نريده لا يبدأ فقط بتغيير من يجلسون على مقاعد السلطة، بل يبدأ أيضاً بمراجعة ما نفعله نحن في مواقعنا، مهما صغرت أو كبرت. فالمواطنة ليست حقوقاً نطالب بها وحدها، وإنما مسؤولية نمارسها، وحقوق للآخرين نلتزم بحمايتها. فالسؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس فقط من فعل هذا بالسودان؟ بل أيضاً: ماذا فعلنا نحن بالسودان؟
#أصل_القضية نعبر بالوعي… ونبني بالأمل.


