اعتدنا أن نسأل: ماذا لو عاد البشير معتذراً؟ وماذا لو راجع المؤتمر الوطني تجربته؟ ومتى تعتذر الحركة الإسلامية عن أخطاء ثلاثين عاماً من الحكم؟ لكننا نادراً ما توقفنا أمام سؤال آخر، ربما يكون أكثر إزعاجاً: ماذا لو عاد الشعب نفسه معتذراً؟
ليس المقصود أن يعتذر الشعب لحاكم سابق، أو أن يتنازل عن حقه في المساءلة، أو أن يتحمل أوزار من امتلكوا السلطة والقرار. إنما المقصود أن نمتلك شجاعة النظر في المرآة، وأن نسأل أنفسنا: هل كنا دائماً على صواب؟ وهل كانت مواقفنا واختياراتنا وممارساتنا السياسية بمستوى الوطن الذي نطالب الآخرين ببنائه؟
قبل أيام، أعاد لقاء بودكاست السودان والذي اجراه (ربعي سراج) مع مولانا (أحمد هارون) ترتيب كثير من الأسئلة في الفضاء السوداني، وأثار نقاشاً تجاوز حدود المقابلة نفسها. لم يكن اللافت مجرد اختلاف ردود الأفعال، بل سرعة انتقال النقاش من مضمون التصريحات إلى محاكمة المواقف والذاكرة السياسية، وكأننا ما زلنا نبحث عن إجابات قديمة بأدوات أكثر استقطاباً.
لسنا هنا بصدد تقييم المقابلة، ولا مناقشة مراجعات المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية، فتلك مسؤولية سياسية وتاريخية لا تسقط بالتقادم. لكننا نريد أن نوسع دائرة السؤال لماذا نطالب الآخرين بمراجعة تجاربهم، بينما لا نمنح أنفسنا المساحة ذاتها للمراجعة؟
تأملوا المفارقة، خرج سودانيون في ديسمبر 2018م مطالبين بالتغيير، وكانت مطالبهم مرتبطة بالمعاش، والكرامة، والحرية والعدالة. ثم مرت البلاد بسنوات انتقالية مضطربة، وانقلاب، وانتهى بها المطاف إلى حرب مدمرة. وخلال هذه التحولات تبدلت مواقف، وتغيرت تحالفات، وانتقلت شخصيات ومجموعات من خندق إلى آخر وأصبح بعض من كانوا على طرفي الخصومة السياسية أقرب إلى بعضهم مما كانوا يتصورون.
فهل راجعنا أسباب هذه التحولات؟ هل سألنا أنفسنا لماذا أصبح الموقف السياسي عند بعضنا أقوى من المعيار الوطني؟ وكيف تحول الاختلاف من حق طبيعي إلى تهمة، وأحياناً إلى تخوين؟ ولماذا أصبح بعضنا يرفض التفاوض حين يصدر عن خصمه، ثم يعيد النظر في موقفه عندما تتغير موازين الواقع؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس اختلاف أبنائه، بل أن يفقدوا القدرة على مراجعة مواقفهم دون الشعور بأن الاعتراف بالخطأ هزيمة. فالوطن لا يُبنى بعقلية المنتصر الذي لا يخطئ، ولا بعقلية المهزوم الذي لا يتعلم، وإنما بعقلية المجتمع الذي يستطيع أن يراجع تجربته دون أن يفقد كرامته أو يتنازل عن حقوقه.
ثماني سنوات تقريباً فصلت بين لحظة اندلاع ثورة ديسمبر والواقع الذي نعيشه اليوم. سنوات كشفت أن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة بناء نظام جديد، وأن تغيير الأشخاص لا يضمن تغيير الممارسات، وأن الشعارات مهما بلغت جاذبيتها لا تتحول وحدها إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتصون الدولة.
والحرب التي يعيشها السودان اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد محطة جديدة في سجل تبادل الاتهامات، بل لحظة فارقة لإعادة التفكير في معنى الدولة، والمواطنة والمسؤولية. فليس من المعقول أن نطالب بمستقبل مختلف، ثم نحمل إلى ذلك المستقبل ذات أدوات التفكير التي ساهمت في تعقيد حاضرنا.
وهنا لا بد من التمييز بين المسؤوليات، فالمواطن الذي أخطأ في تقدير موقف سياسي ليس كمن امتلك سلطة القرار، ومن شارك في صناعة خطاب تحريضي ليس كمن امتلك أدوات الحرب، ومن تولى إدارة الدولة ليس كمن انتظر منها الحد الأدنى من الخدمات والأمان. المراجعة الوطنية لا تعني مساواة الجميع في المسؤولية، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإعفاء أصحاب السلطة من المحاسبة.
لكنها تعني أيضاً ألا يتحول المواطن إلى مجرد متفرج على وطنه، ينتظر من كل سلطة جديدة أن تصلح ما أفسدته السلطة السابقة، ثم يعيد إنتاج الخصومات ذاتها، ويمنح الولاء ذاته ويؤجل السؤال عن نصيبه من حماية المصلحة العامة.
ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال من أخطأ في حق السودان؟ إلى سؤال أكثر شمولاً: كيف سمحنا، أفراداً ومؤسسات وقوى سياسية ومجتمعاً، بأن تتراكم الأخطاء حتى أصبح الوطن نفسه يدفع الثمن؟
ماذا لو اعتذر الشعب؟ ليس اعتذاراً عن مطالب ديسمبر، ولا عن حقه في الحرية والعدالة، ولا عن رفضه للظلم، بل اعتذاراً عن كل مرة قدّم فيها الانتماء السياسي على الانتماء الوطني، وعن كل مرة صمت فيها عن الخطأ لأنه صدر من معسكره، وعن كل مرة منح فيها ثقته دون أن يحتفظ بحقه في السؤال والمحاسبة.
إن الاعتذار الذي نحتاجه ليس كلمات تُقال في مقابلة تلفزيونية، ولا بياناً تصدره قيادة سياسية ولا خطاباً يستهدف كسب التعاطف. إنه مراجعة تتحول إلى ثقافة، والاعتراف الذي يتحول إلى مسؤولية، والمسؤولية التي تتحول إلى مؤسسات وقواعد لا تسمح بتكرار التجربة.
في استراتيجية الجسر والمورد، لا نعبر إلى المستقبل بإنكار الماضي، ولا نبني الجسور بإجبار طرف على الاعتراف وحده. نعبر حين تصبح الحقيقة أكبر من الأحزاب، والمواطنة أوسع من المعسكرات ومصلحة السودان أعلى من حسابات البقاء السياسي.
فربما لا يحتاج السودان إلى من يعتذر له فقط، بل إلى جيل كامل يتعلم كيف لا يعتذر للأسباب ذاتها مرة أخرى.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط ماذا لو عاد الحاكم معتذراً؟ بل: ماذا لو عاد الشعب واعياً بما يكفي حتى لا يعيد إنتاج الأزمة؟
#أصل_القضية نعبر بالوعي لنبني بالمعرفة.


