> السودان في مفترق الحرب والمراجعات السياسية
> تصريحات أحمد هارون وكواليس سقوط نظام البشير، ومبادرات السلام والحوار السوداني – السوداني والدور الأفريقي
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل أصبحت أزمة وطنية تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية، إلى جانب أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل الدولة ومسؤولية القوى السياسية عن الأزمات التي قادت إلى اندلاع الحرب.
وفي هذا السياق، أعاد ظهور القيادي الإسلامي أحمد هارون، وتصريحاته بشأن سقوط نظام البشير ودور صلاح قوش، فتح ملفات سياسية ظلت مثار جدل واسع، بالتزامن مع تحركات إقليمية ودولية لإيجاد مخرج للأزمة عبر وقف الحرب والحوار السوداني السوداني.
أولاً: تطورات الحرب والمشهد الميداني
تتواصل العمليات العسكرية على عدة جبهات، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية. وتشير التقارير إلى تطورات ميدانية في إقليم النيل الأزرق، من بينها الأنباء المتعلقة بمنطقة السالي، إلى جانب أضرار لحقت بمنشآت في محيط الدمازين.
كما تتواصل المخاوف من استهداف محطات الكهرباء والمياه والوقود والأسواق، بما يضاعف معاناة المدنيين، خصوصاً في المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين. ولم يعد أثر الحرب مقتصراً على خطوط المواجهة، بل امتد إلى الخدمات الأساسية والمرافق الصحية والتعليمية والاقتصاد ومعاش المواطنين.
ثانياً: ظهور أحمد هارون وكواليس سقوط نظام البشير
أعاد الحوار المطول الذي أجراه أحمد هارون في السادس من نوفمبر الجاري، عبر «السودان بودكاست»، تسليط الضوء على أحداث سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، ودور صلاح قوش واللجنة الأمنية، وعلاقة المؤتمر الوطني بالمؤسسة العسكرية، فضلاً عن نشأة قوات الدعم السريع والحرب الراهنة.
وقدّم هارون روايته للأحداث، مشيراً إلى الدور المحوري الذي لعبه صلاح قوش في تلك المرحلة، وانتقد ما وصفه بالمناورات السياسية التي صاحبت سقوط النظام. كما نفى وجود علاقة تنظيمية بين المؤتمر الوطني والبرهان، وأكد أن الحزب لم يكن مسؤولاً عن إشعال الحرب، معلناً تأييده للقوات المسلحة.
غير أن هذه التصريحات تظل شهادة سياسية صادرة عن أحد أبرز قيادات النظام السابق، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها رواية تاريخية نهائية؛ إذ تحتاج إلى المقارنة مع شهادات الأطراف الأخرى والوثائق والوقائع المرتبطة بتلك المرحلة.
ثالثاً: هل نحن أمام مراجعات سياسية أم كشف للمستور؟
تكمن أهمية ظهور هارون في أنه أعاد طرح أسئلة مؤجلة بشأن تجربة الحكم السابقة، وأسباب سقوط النظام، وطبيعة العلاقة بين الحزب والدولة والمؤسسات العسكرية والأمنية.
فالحديث عن المراجعات السياسية لا ينبغي أن يقتصر على تفسير أحداث أبريل 2019 أو الدفاع عن مواقف الماضي، بل يجب أن يمتد إلى تقييم تجربة إدارة الدولة، والحريات العامة، والاقتصاد، والعلاقة بين التنظيم السياسي ومؤسسات الدولة وأسباب الانقسامات والصراعات.
كما أن الحديث عن العودة إلى الحياة السياسية عبر الانتخابات يقتضي احترام قواعد الديمقراطية والتعددية والمساءلة القانونية، والتمييز بين الحق في المشاركة السياسية والمسؤولية الفردية عن أي انتهاكات أو جرائم.
رابعاً: قراءة السفير حاج ماجد سوار لظهور أحمد هارون
في تعليقه على ظهور هارون، طرح السفير د. حاج ماجد سوار تساؤلات حول دلالات الخطوة وما يمكن أن يعقبها، معتبراً أنها قد تمثل جس نبض لمرحلة سياسية جديدة.
ودعا سوار المؤتمر الوطني إلى ترتيب أوضاعه الداخلية من خلال ست أولويات أساسية:
• توحيد الصف وجمع الكلمة.
• مواصلة دعم القوات المسلحة.
• استكمال المراجعات وتقييم التجربة والاعتراف بالأخطاء.
• تجديد الفكر والخطاب السياسي.
• تجديد القيادة وإفساح المجال للأجيال الجديدة.
• الانفتاح على العالم الخارجي.
وتعكس هذه الأولويات إدراكاً لأهمية إعادة بناء العمل السياسي، غير أن نجاحها يظل مرتبطاً بترجمتها إلى خطوات عملية تتجاوز التصريحات إلى مراجعة حقيقية للبرامج والقيادات والممارسات السابقة.
خامساً: مبادرات السلام والتحركات الإقليمية والدولية
تتواصل الجهود الرامية إلى وقف الحرب، وفي مقدمتها تحركات الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، إلى جانب التنسيق مع الاتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
وتتمحور هذه الجهود حول وقف الأعمال العدائية، وتسهيل المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لحوار سياسي شامل يحافظ على وحدة السودان وسيادته.
كما تبرز تحركات المبعوث الأمريكي مسعد بولس، إلى جانب المواقف التركية الداعية إلى تسوية سلمية للأزمات الإقليمية، ومنها الأزمة السودانية.
لكن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة اقتراب الحل؛ فالتباينات بين الأطراف الدولية والإقليمية، وتضارب المصالح، واستمرار التدخلات الخارجية، تظل من أبرز العقبات أمام الوصول إلى تسوية مستدامة.
سادساً: الحوار السوداني السوداني ضرورة وطنية
إن أي حل حقيقي للأزمة لا يمكن أن يُفرض من الخارج أو يُبنى على تفاهمات بين القوى الدولية وحدها، بل ينبغي أن يستند إلى حوار سوداني شامل تشارك فيه القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، دون إقصاء مسبق، مع مراعاة المساءلة القانونية.
ويجب أن يتناول الحوار جذور الأزمة، ومستقبل الدولة ومؤسساتها، وطبيعة العلاقة بين المدنيين والعسكريين، والترتيبات الأمنية، والعدالة الانتقالية، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، وصولاً إلى مرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة.
فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين مكوناته، لا إلى تسوية مؤقتة تعيد إنتاج أسباب الصراع.
سابعاً: الدور الأفريقي وآفاق التسوية
يمثل الاتحاد الأفريقي طرفاً مهماً في جهود إنهاء الحرب، وقد أكد في مواقفه ضرورة أن يكون الحل سودانياً وشاملاً وأن يحافظ على وحدة البلاد ومؤسساتها.
كما أكدت اجتماعات الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي في أديس أبابا أهمية الوقف الفوري للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووقف التدخلات الخارجية والدعم العسكري والمالي ورفض إنشاء حكومات موازية.
وتبرز أهمية استعادة الدور الأفريقي الفاعل من خلال التنسيق مع الإيقاد والجامعة العربية ودول الجوار، بما يضمن عدم تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ثامناً: قراءة تحليلية ورأي عام
إن ظهور أحمد هارون لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي يشهدها السودان، فهو يفتح الباب أمام مراجعة مرحلة سياسية كاملة، ويعيد طرح أسئلة العلاقة بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية ومسؤولية النخب عن انهيار الدولة واستمرار أزماتها.
وفي المقابل، فإن أي مراجعة جادة يجب ألا تتحول إلى مجرد دفاع عن الماضي أو محاولة لاستعادة النفوذ السياسي، بل ينبغي أن تقوم على الاعتراف بالأخطاء، واحترام التعددية وتقديم رؤية جديدة للحكم وإدارة الدولة.
كما أن إنهاء الحرب يتطلب إرادة سودانية حقيقية، ومبادرات إقليمية ودولية متناسقة، بعيداً عن فرض الحلول أو توظيف الأزمة لخدمة مصالح خارجية.
تاسعاً: الخلاصة
يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم؛ فالحرب تتواصل، والمخاطر الإنسانية والأمنية تتزايد، فيما تعود ملفات الماضي إلى الواجهة من خلال تصريحات (أحمد هارون) وتعليقات شخصيات سياسية مثل السفير (حاج ماجد سوار).
وبين المراجعات السياسية ومبادرات السلام، تظل الأولوية لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها وتهيئة المناخ لحوار سوداني سوداني شامل.
إن القضية لم تعد مجرد تحديد القوى التي ستعود إلى السلطة، وإنما الاتفاق على شكل الدولة التي يريدها السودانيون وكيفية بناء نظام سياسي مستقر يمنع تكرار الانقلابات والحروب والانقسامات.
فالسودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى مشروع وطني جديد يستوعب دروسه، ويحفظ الدولة ويؤسس لمستقبل يسوده السلام، والاستقرار والعدالة.


