Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. هناك وطنية … و هناك السودان .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب .. التقرير الاستراتيجي رقم (3) .. إيران ومحور الشرق: كيف قد تعيد الحرب تشكيل النظام الدولي؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

مسارات .. البرلمان الانتقالي السوداني: بوابة الشرعية وبداية استعادة الدولة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

حتى يطير دخان الشعراء والوطنيون الجُدُد .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد اسماعيل

🪰يَحكي إحسان عبدالقدوس في روايته حتى لا يطير الدخان أن طالب الحقوق القروي الفقير (فهمي عبدالهادي) سكن في شقةٍ لبعض زملائه بالجامعة من الأثرياء أبناء العائلات الأرستقراطية، والذين يستخدمون الشقة ليلاً لجلسات الحشيش، وفي إحدى الجلسات ناقشوا مسألة الوجود الانجليزي في مصر وخطَّطوا لإنشاء وقيادة مقاومة مسلحة ضد الإنجليز وحددوا فجر الغد ساعة الصفر لهجماتهم ، وفهمي عبدالهادي متحفزٌ لما يسمع ، وفي اليوم التالي استيقظ باكراً وذهب إلى الجامعة مُترقباً استحرار القتل في عسكر الإنجليز ، ففوجئ بكل رفاقه في الجامعة وكأن ليلة الأمس لم تكن ، وعندما سألهم عن السلاح والمقاومة وخطة الأمس ضحكوا مِلْئ أشداقهم وقالوا له: “إنت صدَّقت .. ده كلام حشيش والسلام”، وأنت ترى حالاً مشابهاً في بعض مجموعات تطبيق الواتساب الداعمة لقيادة الجيش باسم الجيش ، حتى لكأنها تجسيدٌ لرواية أرض النفاق رائعة يوسف السباعي.

🪰كان السودان مُستهدفاً بالغزوات منذ قرنين من الزمان ، وفي عام ١٩٥٥م أوقدت الأيدي الأجنبية حروبه الداخلية التي لم تهدأ حتى اليوم ، وخلال كل تلك الفترة سقط عشرات الملايين من الشهداء والضحايا ، وشهِد فيها السودان أكبر عمليات النزوح واللجوء على مستوى العالم ، وفي أغلب فترات العهد الوطني كان الجيش السوداني يُقاتل وحيداً لا يُسانده بلا ثمنٍ مادي إلا عامة الشعب دون الأحزاب ولا يُستثنى من ذلك إلا الإسلاميون الذين ساندوه منذ المصالحة الوطنية ١٩٧٧م وحتى اليوم ، وكان حينها كثيرٌ من الوطنيين الجُدُد الذين انشقَّت عنهم الأرض اليوم .. هم ذات الذين يُجلِبون خيلهم ورجْلهم ومقالاتهم وكتبهم ومواقفهم على ذات الجيش الوطني الذي يزعمون أنهم يُساندونه اليوم، ولسنا هنا نبخس فضيلة موقفهم الجديد مهما كانت دوافعهم ونواياهم لولا أن بعضهم واتته الجُرأة والصفاقة بأن يدَّعي لنفسه شرعية الجرح والتعديل لغيره ، وأن يسِمَ من شاء بالخيانة الوطنية لمجرد اختلافهم مع وجهة نظره في منهجية المساندة للجيش والتي لا يراها إلا تجسيداً لكل البلد والجيش في شخصٍ أو مجموعة أشخاصٍ لا يتجاوزن أصابع اليد ، واستغرق هؤلاء في مزايدة بعضهم أيُّهم أكثر وطنيَّةً وأوثق عُرىً بهذا الرمز أو ذاك الجسد حتى وإن كان بلا خوار .. فما أثمن ما يبيعون وما أبخس الثمن الذي يقبضون، وهو دأب أكثر الشعراء مُذْ بسط الله البسيطة وخلَق فيها الخلق.

🪰كان الشعر هو وسيلة الإعلام ،والشعراء هم الإعلاميون، وللإعلام أثره في هُدى وضلال الجماهير، وأكثر العوام تستخِفُّهم المشاعر ولا تستوقفهم الحقائق ، والإعلام سلاحٌ له قواعده وأدواته وخططه وأساليبه وغاياته، وقليلون هم الشعراء الذين ينذرون أنفسهم ومهنتهم لنُصرة الحق وتمليك الحقائق ونشر المعرفة وزيادة الوعي وحفز التفكير وتصويب المسار ،فأكثر الشعر مدحٌ لمن يمنح، وهِجاءٌ للمغضوب عليه من سادة الشعراء ، ورِثاءٌ لمن يُرجى عطاء وَرَثته، ولو قرأ الناس سورة الشعراء وتلوها بهدف التدبُّر والعمل، وليس لمجرد اكتساب الحسنات والبركات لوجدوا كيف كان موسى عليه السلام الذي نشأ في دار الحُكْم مُنتبِهاً لأهمية الإعلام حين اعتذر لربه داعياً {وَیَضِیقُ صَدۡرِی وَلَا یَنطَلِقُ لِسَانِی فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَـٰرُونَ} ، فكانت المعركة الإعلامية حاضرةً في ذهنه عليه السلام ، وكان مُدرِكاً أنها ميدانٌ له أهله المُختَصُّون ، وقد أجابه ربُّه بأن أَوْكَل لهذه المهمة هارون عليه السلام بدرجة نبيٍّ رسول ، ولا عجب فهما كانا بمواجهة دولة فرعون بما لديها من آلة حشدٍ وإعلام {قَالُوۤا۟ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِی ٱلۡمَدَاۤئِنِ حَـٰشِرِینَ} ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلۡغَـٰلِبِینَ} فحشد الجماهير لفكرة ، واستمالتها باتِّباع المصلحة وليس اتباع الحق .. هي منهجيةٌ قديمةٌ متجددة { فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِی ٱلۡمَدَاۤئِنِ حَـٰشِرِینَ (٥٣) إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ لَشِرۡذِمَةࣱ قَلِیلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَاۤئِظُونَ (٥٥)} ،{ ۞ قَالُوۤا۟ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ }، لطالما وصف إعلام الباطل أهل الحق بأشنع الصفات ظلماً .. الأرذلون ، المُسَحَّرين ، الكاذبين .. {قَالُوا۟ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ یَـٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِینَ} فصوت الحق عند أهل الباطل يستوجب الإسكات بأشنع أنواع التعذيب { قَالُوا۟ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ یَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِینَ} أو لتكوننَّ من المسجونين ، فجريمة إخراج الناس من ديارهم بتهجيرهم للنزوح واللجوء ، وإلغاء إقاماتهم وطردهم ، ومنع حصولهم على تأشيرة الدخول هي أساليبٌ قديمةٌ يُحرِّض عليها الشعراء ليمنحوا بها الحكام ذريعةً للبطش بأهل الحق بدعوى استجابة الطغاة لرأي الجماهير التي تنشد المصلحة الوطنية {أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِی كُلِّ وَادࣲ یَهِیمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمۡ یَقُولُونَ مَا لَا یَفۡعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُوا۟ۗ وَسَیَعۡلَمُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ أَیَّ مُنقَلَبࣲ یَنقَلِبُونَ (٢٢٧)}، والواقع أنك لن ترى لكثيرٍ من الشعراء موقفاً للتضحية والفداء وقد عزَّت على الكثير منهم منازل الشهداء.

🪰 { لَقَدِ ٱبۡتَغَوُا۟ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَـٰرِهُونَ } الأسلحة النووية ليست هي أقوى الأسلحة وإنما سلاح الرواية أو السردية Narrative هي أشد أنواع الأسلحة فتكاً بالمجتمعات والشعوب ، وصناعة السردية هي من جعل حفنةً من اليهود هم الأكثر نفوذاً ونفيراً في العالم ، ولذلك تفنَّن الشعراء وأتباعهم وأسيادهم في زُخرُف القول وتقليب الأمور والمفاهيم وإلباس الحق بالباطل ، وتبِعهم في ذلك البسطاء والعامة والجهلاء فخاضوا مع الخائضين ، ألا وإن الخطأ وسوء التقدير هو متلازمةٌ إنسانية ، ولا ينجو منها الصالحون ، ولكن تبرير الأخطاء وتصويرها على أنها هي عين الصواب فإنها ليست سوى متلازمةٌ شيطانيةٌ اتخذها هتَّافة التهريج وبعض الشعراء حِرفةً ومعاشاً ، وإن المرء ليسأل عن كيف يكتمل النصر وقد أصبح الفشل عبقرية ، والخذلان بطولة ، والطغيان تضحية ، والكهانة نُبُوَّةً ، وإضاعة الأمانة حُسن تدبير ، وخديعة الشعب منهجاً ، فنفَخَ الناس في غير ضَرَم ، وكَدَموا في غير مكدم ، واستسْمنوا الورم ، وكادوا ينْسوْن أننا أمةٌ حين كان رسولها ﷺ وصحابته يخوضون غمرات المعارك في ظروفٍ أشدُّ حرجاً ، وتحت تهديدٍ وجوديٍّ باجتثاث الإسلام والمسلمين .. كانت الآيات القرآنية تتنزَّل بما فيه تأديب المؤمنين وزجْر المُخطِئين ، فوسط لُجَّة الإنكسار يوم أُحُدٍ زجرهم القرآن بأنْ لا رمزية في رجلٍ حتى لو كان سيِّد ولدِ آدم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔاۗ وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِینَ}، فرمزية السيادة ترتبط بمجموعة قِيَمٍ ومنظومة أداء ، وليست منوطةً بسلامة رجلٍ مهما علا قَدْرُه ، والمنهج القرآني ظلَّ متعالياً على صوت المعركة ، ولا يزال ، والقرآن حين خاطب المصطفى ﷺ بقوله: {وَتُخۡفِی فِی نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِیهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَـٰهُۖ} لم يدَع مجالاً للمُدهِنين الذين يجأرون بطبولٍ حنجوريةٍ وقد جعلوا رِزقهم أن يُكذبون ، فلا رِفعة مقام القائد ولا عِظَم منصبه .. يمنع من مناصحته وتقريعه عن الخطأ وسوء التقدير وبؤس الإدارة وخطَل القيادة ، فنحن أمةٌ ارتبط فلاحها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومتى تركنا ذلك حاقت بنا لعنة بني إسرائيل الذين كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه ، فضُرِبت علينا الذِّلَّةُ والمسْكَنةُ كما ضُرِبت عليهم ، ولا يظلم ربك أحداً.

🪰لم يكن صاحب أنطاكية ذات الثلاثة رُسُلٍ نبياً ، ولكنه كان رجلاً سعى بكلمة الحق في وجه الباطل فأبقى الله موقفه خالداً إلى يوم القيامة ، ولم يكن مؤمن آل فرعون من الرُّسُل أولي العزم ، ولكن كلماته التي أطلقها في وجه الظلم خلَّدها القرآن في سورة غافر والتي تُعرَف كذلك بسورة المؤمن ، وما أقل الذين يقتدون بهما من الشعراء ، فما أحوج السودان لكلمة حقٍ في شأنٍ كلِّف مئات آلآلاف من الأرواح والأعراض ويوشك أن يعصف بالأمل في المستقبل ، فالمَسِيْرة التي امتدت بالبلاد لسنواتٍ عجاف .. لتُنبِؤ العاقل بلسانٍ مبين ما سيكون عليه الحال بعد سنواتٍ قادمات إذا لم يتغير النمط السائد، والجنجويد و قحت والإمارات لن يحملوا وحدهم أوزار هذه الجرائم في ميزانهم ، بل سيشاركهم في حَمْل هذه الأثقال كل من تحمَّل مسئوليةً فوجدها أكبر من وُسْعه ثم شحَّت نفسه بها عمَّن هو أقدر عليها منه ، وكل صاحب كلمةٍ نافق بها صاحبها ابتغاء لعاعةٍ من الدنيا، فكما أن كل من ساند المجرمين مجرم ، فكذلك هو كلُّ من زيَّنَ الفشل فاشل ، وكل من سكت عن الحق شيطانٌ أخرس ، والمرء سيُسأل عمَّا لم يفعله حين كان واجباً عليه فِعلُه وهو قادرٌ على فعلِه ، وشتَّان ما بين الحكمة وقِلَّة الحيلة ، فاللهُ يلومُ على العجز ، والنوايا الحسنة حتى وإن صدقت فإنها لا تبرر الأفعال السيئة ، والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.

هي الأيامُ والغِيَرُ* *وأمرُ اللهِ يُنتَظَرُ
أتيْأسُ أنْ ترى فرَجاً* *فأينَ اللهُ والقَدَرُ
٧ نوفمبر ٢٠٢٥م

المقالة السابقة

طرح الفئات النقدية الجديدة في السودان(قراءة اقتصادية في زمن الحرب) .. بقلم/ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5781 .. تحصينات الدعم السريع في الفاشر و وجهته بعد الفاشر ؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *