Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

سياسات صندوق النقد الدولي و مخططات الإفقار الاقتصادي ؟ .. بقلم/ زهيرعبدالله مساعد

الاقتصاد السوداني مرّ بظروف صعبة جدًا، ويمكن القول إنه كان دائمًا في قلب صراعات متعددة بعضها داخلي، وبعضها الآخر خارجي. ومن بين العوامل الخارجية التي أثرت فيه بشكل كبير، سياسات صندوق النقد الدولي، وما رافقها من مظاهر يُمكن تصنيفها تحت ما يُعرف بـ (الحرب الاقتصادية) ، والتي تُطرح معها تساؤلات مشروعة: هل كانت هذه السياسات مجرد خطوات إصلاحية؟ أم كانت جزءًا من مخططات للإفقار والسيطرة؟

العلاقة التاريخية بين السودان والصندوق

بدأت علاقة السودان بصندوق النقد الدولي منذ الثمانينات، عندما خضع نظام الرئيس جعفر نميري لأول برنامج تقشفي، أدى لاحقًا إلى اضطرابات شعبية وانهيار سياسي. تكررت هذه التجربة مع حكومة الإنقاذ (1989–2019)، التي لجأت إلى الصندوق خاصة بعد انفصال الجنوب وخسارة السودان لثلاثة أرباع موارده النفطية. فتم تنفيذ سياسات تقشف تدريجية مثل تعويم العملة ورفع الدعم عن الوقود والخبز، وهو ما ساهم في تفاقم المعاناة المعيشية. وبعد ثورة ديسمبر 2019، ورغبة الحكومة الانتقالية في الاندماج في الاقتصاد العالمي ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، تم تطبيق سياسات صندوق النقد بشكل مباشر، فشهدت البلاد انفجارًا في الأسعار وتضخمًا تاريخيًا، دون تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي.مما انقسم الرأي حول سياسات صندوق النقد الدولي بين الإصلاح الاقتصادي والحرب الاقتصادية:

ينقسم الرأي حول هذه السياسات إلى تيارين:

فريق يرفض ويرون أن هذه السياسات ليست سوى أدوات لفرض الهيمنة الاقتصادية على الدول الضعيفة بل أدوات ناعمة لاستعمار وتخريب الاقتصاد، وتؤدي حتمًا إلى الفقر والبطالة، وبيع مقدرات الدولة تحت شعار الخصخصة، مما يهدد السيادة الوطنية ويزيد من تبعية القرار الاقتصادي للخارج.

المؤيدون يدافعون عن هذه السياسات باعتبارها ضرورية لمواجهة اقتصاد متهالك يعاني من الفساد وضعف الإدارة، مؤكدين أن الصندوق لا يفرض حلولًا بل يقدّم وصفات متاحة للدول، ويعود للحكومات مسؤولية التكيّف والتدرج في التنفيذ.

ملامح الحرب الاقتصادية على السودان

إلى جانب سياسات الصندوق، واجه السودان ما يمكن وصفه بـ (حرب اقتصادية ناعمة) من قِبل القوى الدولية، شملت:

١- عقوبات اقتصادية أميركية طويلة الأمد عطلت البنوك السودانية عن التعاملات الدولية.

٢- حرمان من التكنولوجيا والاستثمار بسبب العزلة السياسية.

٣- ضغوط دبلوماسية ومالية لإبعاد السودان عن تحالفات إقليمية معينة.

٤- ضعف تدفقات المساعدات والقروض بسبب شروط سياسية واقتصادية صارمة.

فالسياسات التي تبنّاها صندوق النقد الدولي في السودان، وُضعت تحت لافتة (الإصلاح الاقتصادي) لكنها في واقع الأمر جاءت في شكل إجراءات قاسية ركزت على تعويم الجنيه، ورفع الدعم عن السلع، وتقليص الإنفاق العام، دون أن تتوافر أرضية اجتماعية تحمي الفئات الضعيفة أو تراعي الواقع الاقتصادي الهش. وقد أدت هذه السياسات إلى نتائج مدمّرة، تمثلت في تدهور مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، مما يجعلها – وإن لم تُعلن صراحة – تسهم عمليًا في إفقار المجتمع وتفكيك بنيته الاقتصادية. وعندما ننظر إلى ما هو أبعد من سياسات الصندوق، نجد أن السودان كان مستهدفًا بأنواع مختلفة من الحصار الاقتصادي، شملت العقوبات الغربية، والعزلة المصرفية، والقيود على التكنولوجيا والاستثمار، وكلها أسهمت في خنق الدولة اقتصاديًا ومنعها من النهوض. هذه الصورة المركبة تكشف عن وجود حرب اقتصادية ناعمة، مورست بشكل ممنهج على السودان، إما عبر أدوات مالية دولية، أو من خلال سياسات العقاب الجماعي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في المنظومة الاقتصادية ككل، والسعي لبناء بدائل وطنية مستقلة تعتمد على الإنتاج، والتحالفات غير التقليدية، وتقليل الاعتماد على الخارج، لبناء اقتصاد مقاوم ومتحرر من التبعية.

# مخرج السودان من الحرب الاقتصادية

للخروج من دوامة الحرب الاقتصادية وآثار سياسات التبعية المفروضة على السودان، لا بد من اتباع خطة استراتيجية متكاملة، تتأسس على رؤية وطنية مستقلة تنطلق من الواقع وتستفيد من الفرص المتاحة. ومن أبرز المداخل الواقعية لهذا الخروج ما يلي:

1. إعادة بناء الاقتصاد من الداخل عبر التركيز على الزراعة والصناعة المحلية، وتوفير الدعم للمزارعين والمنتجين، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

2. تنويع الشراكات الاقتصادية خارج الهيمنة الغربية من خلال إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مع دول مثل الصين وتركيا وروسيا ، بما يقلل من الارتهان لسياسات مشروطة.

3. إنشاء منظومة تمويل وطني مستقل تشمل تفعيل البنوك الوطنية وتشجيع استثمارات السودانيين في الخارج، وتأسيس صناديق سيادية تُدار بشفافية.

4. تحقيق العدالة الاجتماعية بضمان وصول الخدمات الأساسية للفئات الضعيفة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.

5. تحرير القرار الاقتصادي من التبعية السياسية عبر تأصيل مبدأ السيادة الوطنية، ورفض الإملاءات الخارجية التي ترتبط بالمساعدات.

6. إعادة هيكلة الدين العام عبر التفاوض على إعفاء الديون غير المشروعة أو المجحفة، و ربط أي قروض مستقبلية بمشاريع إنتاجية واقعية.

7. محاربة الفساد المالي والإداري من خلال إصلاح الجهاز الحكومي، وتعزيز الشفافية والرقابة والمحاسبة.

8. استعادة الثقة بين الدولة والمواطن عبر المشاركة المجتمعية في وضع السياسات الاقتصادية، والتوزيع العادل للموارد، ومصارحة الشعب بالتحديات والفرص.

ربما يكون الحل في البحث عن سياسات أكثر مرونة، تأخذ في الاعتبار الوضع الاجتماعي والاقتصادي للسودان. لأن تطبيق نفس الحلول الجاهزة على كل الدول قد لا يجدي نفعًا، بل قد يزيد الطين بلة.

المقالة السابقة

القوة الناعمة: جاذبية الثقافة وقوة التأثير .. بقلم/ موفق عبدالرحمن محمد

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5642 بتاريخ 4 أغسطس 2025 … ثلاثة حلول للأزمة السودانية لا رابع لها !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *