Popular Now

سلسلة صفقات ترامب – (24) .. محاولة اغتيال ترامب: من يستهدف الرجل… ولماذا تتكرر المحاولات؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مسارات .. الماء … حينما يصبح سياسة حياة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

من جهة أخرى .. ماذا يريد “عيال زايد” من السودان؟ .. عبود عبدالرحيم

الجامعة بين الهيكل الراتبي والسردية العلمية (2 من 3) .. بقلم/ د. محمد حسن فضل الله

🔴 حين يُخيَّل للناس أن الحرب قد أطفأت كلَّ نور، تبقى هناك شعلةٌ صغيرةٌ لا يراها إلا من أبصر بعين الفكرة؛ شعلةٌ تُقاوم الرماد، وتُضيء ما تبقّى من ضمير الأمة. تلك هي الجامعة؛ الكائنُ الذي لا يموت لأنّه يعيش في المعنى لا في الحجر، ويحمل في أعماقه وعدًا بأنّ الفكرة يمكن أن تظلّ واقفةً حتى لو خرّ السقف فوقها. فهي ليست جدرانًا تُشيّد، بل روحٌ تُؤسّس، وميثاقٌ خفيٌّ بين الدولة وعقلها الجمعيّ، يحرس بقاءها حين تتداعى الجيوش وتضيع البوصلة.

لقد فهمت أممٌ خرجت من أهوال الحروب أن أول ما يُرمَّم ليس الجسر المكسور، بل العقل المنكسر. ففي رواندا، التي سالت فيها الدماء حتى غطّت الذاكرة، كان الإصلاح الحقيقي في قاعات الدرس، لا في دهاليز السياسة. هناك جعلوا من الأستاذ حاملَ راية الخلاص، ومن الجامعة ضميرًا وطنيًّا جديدًا. رفعوا راتبه، لكنهم قبل ذلك رفعوا رمزيته، فاستعادت الدولة هيبتها حين استعادت أستاذها.

وفي فيتنام، حيث كانت الأرض تئنّ من جراح الحرب، اختارت الدولة أن تصالح عقلها قبل أن تصالح خصومها. فجعلت من الجامعة ميدانًا للنهضة، ومن الأستاذ رسولًا للتنوير، لا موظفًا في جداول البيروقراطية. كانوا يعلمون أنّ البناء المادي بلا بناءٍ معرفيٍّ محضُ وهمٍ عابر.

أما مصر، فقد أدركت في لحظات ضيقها أنّ إصلاح العقل هو الطريق الأقصر إلى الإصلاح الاقتصادي. فربطت الأجر بالأثر، والمقام بالعطاء، وأعادت إلى العلم بعضًا من سلطانه المفقود، ولو وسط عواصف السياسة والتحدي.

وفي إثيوبيا، حين أنهكتها الحروب الداخلية، قرّرت أن تبني بالطبشور ما عجز السلاح عن بنائه، فسنّت “خطة التوازن الأكاديمي”، وأعادت الجامعة إلى قلب مشروع الدولة. كان ذلك ترجمة عملية لبصيرةٍ قديمةٍ قالها ابن خلدون: “إنّ العلوم من جملة الصنائع الإنسانية التي يزداد بها العمران.”

وهنا يطلّ ابن خلدون من وراء القرون، ليذكّرنا بأنّ العمران لا يُبنى بالطين، بل بالعقل، وأنّ الأمم إنما تنهض بعصبيتها الجامعة، التي تتجلّى اليوم في ما يمكن أن نسمّيه العصبية العلمية. فإذا ذهبت هذه العصبية، ذوى العلم، وذوى معه العمران. وكما أن الترف مؤذن بخراب العمران، فإن الإهمال مؤذن بخراب المعنى؛ فالفقرُ حين يُصيب الفكرَ أشدّ فتكًا من الثراء حين يُفسد الأخلاق.

إنّ التجارب التي عبرت ركام الحرب ونجت، من رواندا إلى فيتنام، التقت عند مبدأ واحدٍ خالد: أن إصلاح الجامعة ليس عملًا مؤسسيًّا فحسب، بل هو إعادة تأسيسٍ للعقد الاجتماعي نفسه بين الدولة والمعرفة. فالأستاذ، عندهم، ليس تابعًا في سُلّمٍ إداريٍّ بارد، بل هو حاملُ المعنى الذي تقوم عليه الأمم.

أما نحن في السودان، فمشكلتنا ليست في ندرة العقول، بل في غياب الإرادة التي تُنصت إليها. وما نحتاجه اليوم ليس زيادة الأجور بقدر ما هو إحياءٌ للهيبة، وبعثٌ للمعنى، واستعادةٌ للعصبية العلمية التي تهب الجامعة روحها.

إنّ “السردية الجامعية” التي تاهت في دروب الحرب يجب أن تعود لا كخطةٍ تعليميةٍ فحسب، بل كرؤيةٍ للعمران الجديد. فإنّ الجامعة هي بيت الفكرة، والفكرة هي بيت الوطن. فإذا نهض الأستاذ، نهض الوطن من غيبوبته، وإذا عاد العقل إلى مجده، عاد التاريخ إلى مساره.

وفي الجزء الثالث والأخير، سنحاول أن نرسم خارطة الطريق نحو استعادة الروح الجامعية في السودان، بوصفها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا؛ يزاوج بين إصلاح الهيكل، وإحياء الرسالة، وإعادة بناء العصبية العلمية التي تجعل من الطباشير منارةً في وجه الخراب.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5859 .. إنهم يحتفلون بقبول الجيش للتفاوض وما دروا أن ذلك أكبر انتصار للجيش !!

المقالة التالية

📍أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. الشعب السوداني: من إدارة الأزمة إلى صناعة الوعي الوطني(٢-٢) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *