🤺لم يتغيَّب الرسول عليه الصلاة والسلام عن أي معركة كبرى منذ بدر الكبرى وحتى تبوك ، ولقد كان بإمكانه -على الأقل- بعد فتح مكة أن يعقد الألوية لمعارك حُنين وتبوك ، ويبقى في سُدَّة الحكم كغيره من الملوك والأباطرة ، ولكنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يضرب المثال بنفسه ، ويُرسي القدوة لمن سيقتدي به من بعده ، فلا منطق اليوم لمن يقتدون به في اللباس والطعام وقضاء الحاجة ، ثم ينكصون عن الاقتداء به في مواقف الحق ، والصمود عند الحصار ، والثبات وقت الانكسار ، والجسارة عند الطِّعان ، وليس قائدٌ في الأولين والآخرين تمثِّل حياته ثِقلاً حيوياً لأمته وجيشه كما كان عليه الصلاة والسلام ، ولا نخبةٌ أو جيش على امتداد التاريخ كانوا أكثر لقائدهم حُبَّاً بلغ درجة القداسة كما صحابته وجيشه ، ولكنهم جميعاً شروا أنفسهم فداءاً لرسالتهم المرتبطة بالله وحده لا بغيره ، فلا يقطع وصلهم بغايتهم استشهاد قائدٍ حتى لو كان سيد القادة وقائد السادة عليه الصلاة والسلام ، وعلِموا أن واجب الثبات تحت ظلال السيوف لا يسقط عن قائدٍ حتى لو كان خاتم الأنبياء والمرسلين ، فأدَّوا الأمانة ، وبلَّغوا الرسالة ، وأقاموا الحُجَّة ، وتركوا من بعدهم على المحَجَّة ، وصادروا أعذار المُعتذِّرين والمُعذِّرين.
🤺لقد أدرك قادة الجهاد على امتداد العصور هذه الحقيقة الجليَّة ، وهم اليوم قد أحسنوا الاقتداء بالذي شروا أنفسهم ليُحشروا تحت لوائه ، وهم إذ يبرزون للموت والحتوف متقدِّمين الصفوف لم يكونوا عاجزين عن تأمين أنفسهم في المخابئ ، ولم يغفلوا عن سانحة التحيُّز لفئةٍ أكثر مِنعةً يستعيدون فيها الكرَّة على عدوِّهم ، ولكنهم اختاروا سبيل الفداء الذي خطَّه لهم قدوتهم ، وسار عليه الملأ من صحابته الكرام ، وذلك أنهم علموا يقيناً بأن النصر والفتح بيد الله وحده .. لا برمزية قائدٍ حتى ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام بكل إلهامه وقداسته وحِكمته وحِنكته ورمزيته وكاريزميته.
🤺إن من أفدح الخيبات التي قد يُصاب بها المرء في دينه ومروءته أن يعمد إلى قادة مجاهدي الأمة بالَّلمز في فدائهم ، ومن عجبٍ أن يأتي ذلك من أقوامٍ ما اغبرَّت لهم قدَمٌ في ساحات الجهاد ، ولا سال منهم دمٌ في ميادين الشرف ، ولا حدَّثتهم أنفسهم يوماً بقتال ، ولكن تشرقهم الفلسفة باختراق العدو للمجاهدين ، وجهل الشهداء بأهمية رمزية القائد الذي تفوق قيمة حياته الآلاف من حياة جنده وقومه ، وليس ذلك حِرصاً منهم على حياة أولئك القادة الذين لم ينجوا منهم أحد قبل استشهاده من الغمز افتراءاً بفراره أو اختبائه أو إثرائه على حساب دعوته وقومه ، ولكنه حال المنافقين والجهلة الخائضين مع الخونة في أعراض المؤمنين.
🤺إن مما تعظُم به البشارات أن الله أكرمنا بأن نعيش في زمانٍ تعاظمت فيه أمثلة القادة الغُرَباء الذين تمسَّكوا بنهج الرسول عليه الصلاة والسلام في الجسارة والفداء فاستنكفوا عن الاختباء حتى اصطفاهم ربُّهم في زُمَر الشُّهداء ، تجدهم في السودان أمثال ياسر فضل الله وأيوب عبدالقادر ومعاوية حمد ، وفي فلسطين أحمد ياسين وقادة حماس ، وفي إيران علي الخامنئي وبقية القادة ، وفي لبنان حسن نصر الله وإخوته ، وفي اليمن أحمد الرهوي ووزرائه ، وفي أفغانستان الملا محمد عمر ومن معه ، ووفودٌ غيرهم ارتقوا إلى ذي العرش وفوداً على إثرها وفود .. قادةٌ لم يعيشوا في القصور ، ولم تُتخِم أرصدتهم أموال الحلال ناهيك عن أموال السُّحت ، ولم يرغبوا بعائلاتهم عن معاناة شعوبهم ، عاشوا حياتهم بُسَطاء ، ولقوا ربهم شهداء ، فاستعادوا لأمتهم السُّنن التي أماتها سلاطين ألف ليلة وليلة وشيوخهم ، فأوقدوا للأجيال جذوة النور التي كادت أن تخبو ، ولا شك أن مسيرتهم وتضحياتهم ستكون هي الجبل الأشم الذي سترتقي عليها أجيال اليوم والغد لتقطف على قِمَّته زهرة الفتح والريادة بين الأمم.
🤺إننا لا ننتظر إلا الإذن بنزول النصر من جبار السماوات والأرض ، وإن شاءالله لن ينجلي دخان هذه المعارك هنا وهناك إلا بنصرٍ مبينٍ لأمة الإسلام ، وإن ذلك لكائنٌ بإذن الله رغم كثرة الخيانات ، فمن سنن الله أن أول خيطٍ للفجر يدحر كل غياهب ظلام الليل ، وإن المُوفَّق من ضرب لنفسه بسهمٍ وافرٍ مع الفائزين ، ومن يعلمِ الله في قلبه خيراً يُؤتِهِ خيراً ، وآية الخير الذي يستقرُّ في القلب هي أن يصدقه العمل ، ولا حسرة أكبر من أن يقول المرء يوماً يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ، وكما أن الصلاة والصيام والزكاة والحج شعائر موقوتة بأزمنةٍ محددة ، فهذا زمان الجهاد وكلمة الحق وردع الظلم ونصرة المستضعفين والسعي لبسط القسط ، ولا تصح اليوم شعيرةٌ لا تتدثُّر بما يستوجبه موقوت ما يجري اليوم ، ومن ظن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بديلاً عن الجهاد والفداء فقد أبعد النجعة عن سبيل الله ، ويا أهل المدينة لا مدينة لكم اليوم .. إنما هو الله والجنة ، وأملنا في الله أن ندخل المسجد الأقصى قريباً كما دخله أسلافنا أول مرة ، وما ذلك على الله بعزيز.
*✨🌴تبارك عيدكم🌴✨*


