قرعت آية من آيات القرآن الكريم أذني في صباح يوم جمعة من أيام شتاء دافئ من عام 1992/ 1993م أو نحو ذلك في لقاء ضربت عليه سرية تامة و بالغة ، انعقد في نادي الأسرة بحضور مهيب من رئيس الجمهورية عمر البشير والمرحوم الشيخ / حسن الترابي ولفيف من قيادات العمل التنفيذي والسياسي في البلاد. وكان الاجتماع قد سبقته تغييرات كبيرة في لوائح المؤتمر الوطني قضت بإدخال واستيعاب قيادات جديدة في هياكل العمل السياسي و التنظيمي والتنفيذي وبنسبة أتاحت 40% لمقاعد قيادية مستقطبة من أحزاب سودانية مختلفة . ثم ما لبثت أن تغيرت اللوائح بعد أقل من عامين لتصبح القيادات القادمة الجديدة في هياكل التنظيم السياسي والعمل التنفيذي بنسبة 60%:للقادمون الجدد و40% لقدامي القيادات البدرية كما يحلو للبعض …وكانت ثورة انفتاح كبيرة علي المجتمع السوداني مكنت لبقاء الدولة والسودان واستمرارية الحكومة ( والمجتمع ) حتي سقوطه في هاوية التمزق والاحتراب بعد ثلاثون عاما في 2019م وضمت السياسة آنذاك أطياف من جميع أحزاب الوسط واليمين بما فيها قيادات شتى من أحزاب يسارية شيوعية ، بعثية وعلمانية وبمن فيهم حتي من حملوا السلاح وتمردوا .وغيرهم من جغرافية سودان شاسع ومتنوع .
وما زالت ترن باستمرار في أذني تلك الآية الكريمة من القرآن الكريم، وتحديدًا من سورة المجادلة، والتي تحمل توجيهًا تربويًا وأخلاقيًا عميقًا في تنظيم السلوك داخل المجالس. وهي قوله تعالي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )) المجادلة 11. وتبدأ الآية بقوله تعالي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والمعنى ، تفسحوا في المجالس أي وسّعوا المكان لغيركم، ولا تضيقوا على الداخلين أو الجالسين.فافسحوا أي استجيبوا لهذا الطلب الإلهي بسعة صدر وأدب.يفسح الله لكم ، أي يجازيكم الله بسعة في الرزق، أو في الصدر، أو في الدنيا والآخرة. وهي آية كريمة ذات دلالات تربوية وآداب اجتماعية رفيعة، فالإسلام يربّي الناس والقادة على احترام الآخرين وعدم التزاحم أو الأنانية في المجالس ويكون عندها الجزاء من جنس العمل. و من وسّع على الناس ، وسّع الله عليه . وهي أداة مرونة مجتمعية للمؤمن والمسلم وحتي لغير المسلم من النصارى الذين شاركوا في السلطة آنذاك ولا مكان فيها للتكبر أو احتكار المكان أو الجاه والسلطان . وهذا ما كان يعنيه الشيخ الجليل / حسن الترابي عليه الرحمة بهتافه الذي ابتدره وكان يردده دائما [[ هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه ]] والمعنى الأعمق في الآية أنها لا تتحدث فقط عن المكان الحسي، بل أيضًا عن التفسّح في الآراء والأفكار.و التوسّع في تقبّل الآخرين. وإتاحة المجال للكفاءات والطاقات داخل المجتمع.وهي بذلك قاعدة لبناء مجتمع قائم على الاحترام، والتعاون، والانفتاح المنضبط. ولعله يبدو من وهلة الإنسان المتعجل في الفهم ليقول هناك تضاد بائن وواضح من عنوان المنشور بل ففيه تعاكس وتضاد وتشاكس ما بين فرحة العيد وقانون النشوز وتعيين امجد فريد أو الأستاذ حسن إسماعيل .والإتيان حتي بالسيد كامل إدريس ليقود حكومة الأمل. فقيادة الجيش الواعية التي قامت علي دراية وخبرات متصلة من العمل والتجربة العملية والممارسة الطويلة لتستفيد من تجارب الأحزاب المدنية مهما نضجت فهي ضعيفة ومستهلكة وتتجاذبها الأهواء والضعف والطمع والشره وحب السلطة والمال والتناوش والاهتراء والتنافس لا التعاون والتعاضد …بينما القوات المسلحة هي ذلك الوعاء الجامع والذي عمره أطول جدا بكثير من كل الأحزاب السياسية مجتمعة .ولذلك كان فهم قيادات الجيش اكثر عمقا وحرصا علي تماسك السودان من أن يتفتت ويتشتت. وفي الآيات المتشابهة من القران الكريم دلالات لا يدركها الكثيرين بل يتوه اغلبهم بين قادح مترقب أو طامع متأهب فيما يجري من تعيينات للبعض بما فيهم تعيين السيد كامل إدريس الذي ينبغي أن يكون قد وعي الدرس في أن إدارة دولة مثل السودان ليس كإدارة منظمة أممية تعمل تحت مظلة أممية صنعها الاستعمار .وتمولها أمريكا …
إن إتاحة الفرص للآخرين فيه دلالات ووظائف لأهداف ومرامي وغايات تعجز الكلمات أن تحيطها وتحلل وظائفها من منطلقات وأهداف وردت في القران الكريم ومن معاني وتفاسير وأبعاد عميقة، حيث يكتمل به بناء المعنى للجذر في كلمة واحدة وجذرها (ن ش ز) في القرآن الكريم، إذ نرى كيف ينتقل من الارتفاع الحسي إلى الانحراف السلوكي. كما في الآية المتعلقة بالنشوز عند النساء قال تعالي (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) أولاً ، معنى النشوز هنا هو ارتفاع الزوجة عن طاعة زوجها بالمعروف أي: تمرد ، ترفع ، أو خروج عن التوازن الطبيعي للعلاقة الزوجية والمعنى ليس مجرد خلاف عادي، بل اختلال في التوازن وظهور نوع من التعالي أو النفور أو العصيان. وربما نتيجة حب وعاطفة جارفة من الزوجة تجاه زوجها بخوفها علي سلوك الزوج وقد تكون مغطاة بالغيرة أو ربما خلاف نشا نتيجة نفاق الرجل عليها بالمال أو الوقت وتتحول أحيانا إلى ارتفاع ربما يشكل خروج علي المستوى في السياقات الثلاث، الآية المعنى نوع “الارتفاع” كما في الآية 11 في المجادلة من بمعني انشزوا أي قوموا وتحركوا. ثم في ارتفاع محمود فيه (انضباط) ولكن في آية من سورة البقرة الآية 259 .وردت عبارة النشوز بدلالة وعبارة [[ ننشزها ]] ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـۧ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ [[ نُنشِزُهَا]] ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾حيث يأتي سياق مختلف ( انظر للعظام كيف ننشرها ) أي نرفع العظام ونركبها بناء وإحياء. إما في سورة النساء فان نشوزهن فيه خروج عن التوازن الزوجي وهو ارتفاع مذموم (تمرد).. في دقة قرآنية مدهشة ، ومن نفس الجذر للكلمة [ نشز ] وقد يكون إيجابيًا (حركة، بناء، استجابة) وقد يكون سلبيًا (تمرد، خلل، تفكك)
إذن: القيمة ليست في “الارتفاع” نفسه، بل في اتجاهه ووظيفته
في المعنى الأعمق ، في العلاقات المطلوبة ليس الخضوع الأعمى ولا التمرد بل التوازن القائم على المعروف فإذا حصل “نشوز”: فهو إشارة مبكرة لخلل في منظومة العلاقة وليس مجرد موقف عابر من خلال لمسة تدبرية تربط المعاني ،
الله ينشز العظام ليبني الحياة، ويأمرنا أن ننـشز لنقيم النظام ويحذر من النشوز لأنه يهدم العلاقات كأن الرسالة، الارتفاع إذا كان في موضعه = بناء وإذا كان في غير موضعه = هدم. كما ترى للكثيرين أن فتح مجال العمل للآخرين فيه إهمال وضرر لهم .ولذلك ترك اغلب الناس العمل وصنفوا انفسهم وسموا انفسهم بالأناس الواقفين علي الرصيف .بينما الآية الكريمة من القرآن الكريم في سورة المجادلة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَكُمُ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾
والمعنى اللغوي: انشُزوا: أي ارتفعوا، أو قوموا من أماكنكم، أو انتقلوا إلى موضع آخر عند الحاجة.إذا طُلب منكم القيام من المجلس، أو التحرك لإفساح المجال لغيركم، أو للانتقال إلى مهمة أخرى فاستجيبوا بسرعة وأدب. والدلالات التربوية هي الانضباط التام في مواصلة العمل من موقع آخر وهي تعني الانضباط والطاعة المنظمة و الاستجابة للتوجيهات في الوقت المناسب دون تردد أو جدل.وتقديم المصلحة العامة، و قد يُطلب منك أن تترك مكانك لمن هو أولى (علمًا، أو حاجة أو مسؤولية). وهي مرونة الحركة داخل المجتمع والدولة وليس الهدف التمسك بالموقع، بل أداء الدور. وتكامل مع “تفسحوا” وتفسحوا سعة في المكان (إعطاء مساحة للآخرين). وانشزوا سعة في الحركة (الاستعداد للتغيير والانتقال). والمعنى الأعمق أن هذه الآية ترسم مبدأً إداريًا رفيعًا فيه أن لا تتشبث بالموقع. كن مستعدًا للتحرك عندما يُطلب منك.قيمة الإنسان ليست في مكانه بل في استجابته وطاعته وانضباطه.والختام المبارك في نفس الآية :
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ إشارة إلى أن الامتثال، مع الإيمان والعلم، هو طريق الرفعة الحقيقية.
والواقع أن كثيرين من أعضاء المؤتمر الوطني لم يستوعبوا الدرس حتي الآن…اما أصحاب الباطل من صمود والدعم السريع فإنهم خارج إطار الزمن والتاريخ وحدود الجغرافيا والمكان فستدور عليهم دائرة التيه والضلال والحرمان كالفئة التي اتبعوها من طوائف الخذلان والضلال المبين ..
ونواصل المنشور من زاوية أخرى بإذن الله تعالى.
فرحة العيد ما بين قانون النشوز وتعيين الأستاذ حسن إسماعيل وأمجد فريد .. د. بابكر عبدالله محمد علي
المقالة السابقة

