مقدمة
تشهد الحرب في السودان تحولات متسارعة على المستويين العسكري والسياسي، بالتزامن مع تغيرات إقليمية ودولية بدأت تؤثر بصورة مباشرة على مسار الصراع. فبعد أكثر من عامين من الحرب، تبدو موازين القوى في طريقها إلى إعادة التشكل، ليس فقط بفعل التطورات الميدانية، وإنما أيضاً نتيجة تبدل الحسابات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل التصعيد الكبير في الشرق الأوسط والحرب المرتبطة بإيران وأمن البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات جديدة توحي بأن المجتمع الدولي بدأ يدرك خطورة استمرار الحرب السودانية، خصوصاً بعد اتساع تأثيراتها الأمنية والاقتصادية والإنسانية على الإقليم بأكمله.
أولاً: بوادر دولية جديدة نحو وقف الحرب
خلال الأسابيع الأخيرة، صدرت مواقف وتصريحات أوروبية وأمريكية تعكس وجود رغبة دولية متزايدة للبحث عن تسوية توقف الحرب السودانية، خاصة بعد فشل الرهانات السابقة القائمة على الحسم العسكري السريع أو إدارة الأزمة عبر الضغوط المحدودة.
وتأتي تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في سياق محاولة أوروبية لإعادة تنشيط المسار السياسي، وسط مخاوف من تحول السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية ممتدة تهدد أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
غير أن اللافت في المشهد هو استمرار بعض الدوائر الأمريكية، ممثلة في تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، في التمسك بما يعرف بـ”الرباعية”، ومحاولة إعادة إدخال الإمارات ضمن أي ترتيبات للحل السياسي، رغم أن أبوظبي باتت في نظر قطاعات واسعة من السودانيين طرفاً غير محايد بسبب الاتهامات المتكررة المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع.
وهنا تظهر فجوة واضحة بين المزاج السوداني الشعبي وبين بعض التصورات الدولية التي لا تزال تحاول التعامل مع الأزمة السودانية بمنطق التوازنات الإقليمية القديمة.
ثانياً: تقرير مجلس النواب الأمريكي وتحول المزاج السياسي في واشنطن
يمثل ترحيب السودان بتقرير اللجنة التابعة لمجلس النواب الأمريكي محطة سياسية مهمة، خاصة أن التقرير أدان بصورة واضحة الانتهاكات المرتبطة بقوات الدعم السريع ودعا إلى وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
ورغم أن التقرير لم يصل إلى مستوى اتخاذ إجراءات حاسمة، إلا أنه يعكس تحولاً تدريجياً داخل بعض المؤسسات الأمريكية تجاه طبيعة الحرب في السودان، بعد فترة طويلة من الضبابية السياسية ومحاولات المساواة بين الدولة السودانية والمليشيات المسلحة.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية لأنه يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط داخل الكونغرس الأمريكي ضد التدخلات الخارجية في السودان، خصوصاً ما يتعلق بملف السلاح والمرتزقة والتمويل الإقليمي.
كما أن هذه المواقف بدأت تضعف السردية التي حاولت بعض القوى الدولية ترويجها بشأن “حياد” بعض الأطراف الإقليمية المنخرطة في الحرب.
ثالثاً: الحرب على إيران وتأثيرها على السودان
لا يمكن قراءة التحولات الحالية في الملف السوداني بمعزل عن التصعيد الكبير المرتبط بإيران والشرق الأوسط، فالحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران أعادت ترتيب أولويات القوى الدولية والإقليمية بصورة كبيرة.
لقد أدت التوترات في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز إلى تغيرات استراتيجية مهمة، من بينها:
— تراجع الاهتمام الدولي المباشر بالحرب السودانية مقارنة بملفات أكثر خطورة على الاقتصاد العالمي.
— ارتفاع أهمية أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
— زيادة الحاجة إلى استقرار الدول المطلة على الممرات البحرية.
— تصاعد المخاوف من توسع الحروب بالوكالة في المنطقة.
وفي هذا الإطار، بدأت بعض القوى الدولية تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد أزمة داخلية معزولة.
كما أن انشغال القوى الكبرى بملف إيران قد يؤدي إلى تقليص قدرة بعض الأطراف الإقليمية على مواصلة الإنفاق المفتوح على الحرب السودانية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة.
رابعاً: هل تتراجع الإمارات عن دعم الحرب؟
يبقى السؤال الأهم في المرحلة الحالية: هل يمكن أن تتراجع الإمارات عن دعمها لقوات الدعم السريع؟
الإجابة تبدو معقدة، لكنها لم تعد مستحيلة كما كانت في السابق، خاصة مع عدة متغيرات جديدة، أبرزها:
— تصاعد الانتقادات الدولية للدور الإماراتي في السودان.
— التحركات داخل الكونغرس الأمريكي ضد أبوظبي.
— تزايد الضغوط المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
— فشل الرهان على الحسم العسكري السريع.
— ارتفاع الكلفة السياسية والأخلاقية للحرب.
إضافة إلى ذلك، فإن الموقف المصري لعب دوراً محورياً في منع انهيار الدولة السودانية، حيث تعاملت القاهرة مع الأزمة باعتبارها قضية أمن قومي مباشر، لا مجرد ملف إقليمي عابر.
وقد ساهم الحضور المصري السياسي والأمني والدبلوماسي في خلق توازن استراتيجي حال دون نجاح مخططات التفكيك الكامل للدولة السودانية.
ومن هنا، فإن أي ترتيبات مستقبلية للحل في السودان لن تكون ممكنة دون مراعاة الدور المصري وتأثيره في معادلات الأمن الإقليمي.
خامساً: النيل الأزرق والرسائل العسكرية الجديدة
تصريحات الفريق ياسر العطا حول الأوضاع العسكرية في النيل الأزرق تعكس أن الدولة السودانية لا تزال تنظر إلى الجبهة الشرقية والجنوبية باعتبارها مناطق حساسة في معادلة الأمن القومي.
فالنيل الأزرق وجنوب كردفان ظلتا تاريخياً هدفاً لمشروعات التفكيك وإعادة رسم الخرائط السياسية، غير أن التطورات الحالية تشير إلى وجود تصميم واضح للحفاظ على وحدة الدولة ومنع أي سيناريوهات انفصالية جديدة.
كما أن مشاركة قيادات وقوى محلية من النيل الأزرق وجبال النوبة في القتال إلى جانب القوات المسلحة أضعفت كثيراً من رهانات القوى الخارجية على استغلال الهامش السوداني ضد المركز.
سادساً: عودة الحياة إلى الخرطوم ورسائل الصمود
رغم الحرب والدمار، فإن عودة البصات الجديدة للعمل في الخرطوم بالتعرفة الموحدة تمثل رسالة سياسية واجتماعية مهمة تتجاوز بعدها الخدمي المباشر.
فالخرطوم التي حاولت الحرب إخضاعها عبر القصف والتدمير والنزوح، بدأت ترسل إشارات تدريجية عن عودة الحياة ومؤسسات الدولة والخدمات العامة.
وهذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها تحمل دلالات عميقة، أهمها أن المجتمع السوداني لا يزال يملك القدرة على الصمود وإعادة بناء الحياة رغم حجم الاستهداف الذي تعرض له.
خاتمة
يدخل السودان اليوم مرحلة جديدة عنوانها الأساسي إعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية والدبلوماسية.
فالمواقف الدولية بدأت تتغير تدريجياً، والانهيارات داخل قوات الدعم السريع تتزايد، كما أن الحرب الإقليمية الكبرى المرتبطة بإيران أعادت ترتيب أولويات القوى الدولية والإقليمية.
غير أن أخطر ما كشفته هذه الحرب هو حجم التدخلات الخارجية التي حاولت توظيف السودان كساحة للصراع الجيوسياسي، بعيداً عن مصالح الشعب السوداني واستقرار المنطقة.
ويبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة الدولة السودانية على إدارة مرحلة ما بعد الحرب برؤية وطنية شاملة، تحافظ على وحدة البلاد، وتمنع إعادة إنتاج المليشيات وتؤسس لدولة مستقرة وقادرة على حماية سيادتها الوطنية.
البريد الإلكتروني:
bshair057@gmail.com


