مقدمة
تكشف التجربتان الإيرانية والسودانية أن التفاوض في عالم الصراعات الدولية لا يُعد مجرد أداة دبلوماسية، بل يمثل جزءاً من معركة استراتيجية شاملة تتداخل فيها عناصر:
– القوة العسكرية.
– النفوذ الإقليمي.
– التماسك الداخلي.
– القدرة الاقتصادية.
– وإدارة التحالفات الدولية.
فبينما نجحت إيران في توظيف التفاوض كأداة لحماية مشروعها الاستراتيجي وتعزيز نفوذها الإقليمي، دخل السودان خلال عهد الإنقاذ في سلسلة من التسويات السياسية التي انتهت بإضعاف الدولة وتفكيك المشروع السياسي والعسكري للنظام.
أولاً: إيران وإدارة المفاوضات النووية
التفاوض من موقع القوة
أدارت إيران ملفها النووي بحنكة سياسية واستراتيجية عالية، مستفيدة من:
– قوة الدولة المركزية.
– تماسك المؤسسة الأمنية.
– النفوذ الإقليمي.
– امتلاك أوراق ضغط متعددة في المنطقة.
وقد نجحت طهران في الوصول إلى الاتفاق النووي عام 2015 مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الكبرى، إضافة إلى روسيا و الصين.
واعتبرت إيران الاتفاق اعترافاً دولياً بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، مع تخفيف نسبي للعقوبات الاقتصادية.
لكن الرئيس دونالد ترمب انسحب لاحقاً من الاتفاق النووي، وأعاد فرض عقوبات قاسية على طهران، في محاولة لإجبارها على تقديم تنازلات أكبر.
غير أن إيران لم تتراجع بصورة كاملة، بل اتجهت إلى:
– رفع نسبة تخصيب اليورانيوم.
– توسيع برنامجها النووي.
– تعزيز الصناعات العسكرية.
– توسيع نفوذها الإقليمي.
ثانياً: النفوذ الإقليمي الإيراني
من العراق إلى اليمن ولبنان
رغم الضغوط الغربية والإسرائيلية، استطاعت إيران الحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر شبكة واسعة من الحلفاء.
ففي العراق، استفادت طهران من الانسحاب الأمريكي لتعزيز حضورها السياسي والأمني.
وفي لبنان، حاولت الولايات المتحدة و إسرائيل إضعاف حزب الله عبر عمليات أمنية وعسكرية استهدفت قيادات بارزة، من بينهم الأمين العام الشيخ حسن نصر الله وقيادات عسكرية وأمنية أخرى.
ورغم تأثير الضربات، فإن حزب الله ظل قوة مؤثرة في المعادلة اللبنانية والإقليمية.
أما في اليمن، فقد برز دور أنصار الله كأحد أبرز الحلفاء الإقليميين لإيران، خاصة في ظل الصراع الإقليمي الواسع في المنطقة.
ثالثاً: الحرب الإقليمية والصمود الإيراني
عندما تصاعدت المواجهة بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة أخرى، استطاعت طهران توظيف شبكة حلفائها الإقليميين في إطار استراتيجية الردع الممتد.
فشاركت قوى حليفة لإيران في ساحات متعددة، من بينها أنصار الله في اليمن و حزب الله في لبنان و فصائل المقاومة العراقية.
وقد انعكس ذلك على:
– أمن البحر الأحمر.
– حركة الملاحة الإقليمية.
– التوازنات الأمنية في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تمكنت إيران من الحفاظ على تماسك مؤسساتها العسكرية ،خاصة الحرس الثوري الإيراني، رغم الخسائر البشرية واستهداف عدد من القادة العسكريين والأمنيين.
وترى طهران أن مجرد فشل محاولات إسقاط النظام يمثل بحد ذاته إنجازاً استراتيجياً كبيراً، في ظل حجم الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرضت لها.
رابعاً: مضيق هرمز ومعادلة الطاقة العالمية
أدركت إيران مبكراً أهمية موقعها الجيوسياسي، خاصة ارتباطها بمضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
ولهذا، استخدمت طهران هذا الموقع كورقة ضغط استراتيجية ضمن معادلة:
– أمن الطاقة العالمي.
– الملاحة الدولية.
– الردع الإقليمي.
وقد جعل ذلك أي مواجهة شاملة مع إيران تحمل مخاطر اقتصادية عالمية كبيرة، وهو ما دفع القوى الدولية في النهاية إلى العودة لمسار التفاوض رغم التصعيد.
خامساً: السودان والتفاوض من موقع الضعف
على عكس إيران، دخلت حكومة الإنقاذ السودانية سلسلة من المفاوضات السياسية والعسكرية في ظل:
– الحروب الداخلية.
– الضغوط الاقتصادية.
– العزلة الدولية.
– الانقسامات السياسية.
وقد انتهت هذه المفاوضات إلى اتفاقيات كبرى، أبرزها اتفاقية السلام الشامل، التي أدت لاحقاً إلى انفصال جنوب السودان.
كما شهدت تلك المرحلة:
– تفكيك عدد من مؤسسات المشروع الإسلامي.
– تراجع النفوذ السياسي للحركة الإسلامية.
– تسريح آلاف المقاتلين والعسكريين.
– انتقال بعض العناصر إلى الحركات المسلحة أو المعارضة.
سادساً: سقوط البشير وصعود القوى الجديدة
مع تصاعد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، تحرك الشارع السوداني في احتجاجات واسعة حظيت بدعم إقليمي ودولي، ما أدى إلى عزل الرئيس عمر البشير عام 2019.
وفي أعقاب سقوط النظام، برزت قيادات جديدة داخل المشهد السوداني، كان أبرزها قائد قوات الدعم السريع الذي أصبح جزءاً من السلطة الانتقالية.
لكن الخلافات بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع تصاعدت لاحقاً، خاصة حول:
– الدمج العسكري.
– مستقبل السلطة.
– إدارة الدولة الانتقالية.
وفي 15 أبريل 2023، انفجر الصراع العسكري بصورة واسعة، ما أدى إلى:
– تدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية.
– انهيار مؤسسات الدولة.
– اتساع الأزمة الإنسانية.
– دخول السودان في واحدة من أخطر مراحله الحديثة.
وقد بررت قوات الدعم السريع تحركاتها بأنها تستهدف مواجهة الإسلاميين، بينما يرى خصومها أن الصراع تحول إلى محاولة للسيطرة على الدولة بالقوة المسلحة.
سابعاً: إيران وقوة الدولة
لماذا صمدت طهران؟
تكشف المقارنة بين التجربتين أن قدرة إيران على الصمود تعود إلى عدة عوامل:
– قوة مؤسسات الدولة.
– وحدة المؤسسة العسكرية.
– وجود مشروع استراتيجي واضح.
– النفوذ الإقليمي الواسع.
– القدرة على إدارة التفاوض من موقع القوة.
– الاستفادة من التوازنات الدولية الجديدة.
أما في السودان، فقد أدت:
الانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز القوة، والصراعات السياسية والعسكرية وضعف التوافق الوطني إلى إضعاف الدولة بصورة تدريجية حتى وصلت البلاد إلى مرحلة الانهيار الواسع.
خاتمة
تكشف المقارنة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وثورة الإنقاذ الوطني السودانية أن التفاوض لا ينجح إلا عندما تستند الدولة إلى:
مؤسسات قوية.
– وحدة عسكرية وأمنية.
– مشروع سياسي متماسك.
– قدرة على الصمود الاقتصادي والاستراتيجي.
فإيران تفاوضت وهي تمتلك أوراق قوة إقليمية وعسكرية، بينما دخل السودان كثيراً من تسوياته السياسية تحت ضغط الحروب والأزمات والانقسامات.
وفي النهاية، تؤكد التجربتان أن الحفاظ على الدولة الوطنية يتطلب توازناً دقيقاً بين:
– القوة العسكرية،
– الشرعية السياسية،
– الكفاءة الاقتصادية،
– والقدرة على إدارة التحولات الداخلية والإقليمية بحكمة استراتيجية.


