مقدمة
تكشف المقارنة بين الجمهورية الإسلامية في إيران وتجربة ثورة الإنقاذ الوطني في السودان أن بقاء الأنظمة السياسية في مواجهة الحروب والعقوبات لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على:
– توحيد الجبهة الداخلية.
– بناء المؤسسات الأمنية.
– تعزيز الهوية الوطنية.
– إدارة الاقتصاد والسياسة.
واستيعاب التحولات الإقليمية والدولية.
فقد واجه البلدان ضغوطاً هائلة من الغرب وحلفائه، لكن النتائج جاءت مختلفة بسبب طبيعة الدولة، وتركيبة المجتمع، وقدرة النظام على إدارة الصراع الداخلي والخارجي.
أولاً: الحرب على إيران وتغيير صورة القوة الأمريكية
أحدثت المواجهات التي تعرضت لها إيران تحولاً مهماً في نظرة الداخل الإيراني إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
فحينما شاهد الإيرانيون استهداف:
– منشآت الطاقة.
– البنية التحتية.
– الجسور والمرافق الحيوية.
تزايدت داخل قطاعات واسعة من المجتمع قناعة بأن الصراع لا يستهدف فقط الثورة الإسلامية أو ما يُعرف بـ«حكم الملالي»، بل يستهدف الدولة الإيرانية نفسها والشعب الإيراني بصورة عامة.
وقد ساهم ذلك في:
– توحيد قطاعات من الجبهة الداخلية.
– تعزيز الشعور القومي.
– تقوية خطاب المقاومة والصمود.
– رفع مستوى الالتفاف حول الدولة في أوقات الأزمات.
ويرى عدد من الباحثين أن إيران نجحت في تحويل الضغوط الخارجية إلى عنصر تعبئة وطنية عزز من تماسك الدولة.
ثانياً: الجبهة الداخلية السودانية
تعقيدات الهوية والصراع
على العكس من التجربة الإيرانية، واجه السودان تحديات أكبر في توحيد الجبهة الداخلية بسبب:
– التعدد الإثني والثقافي.
– الحروب الممتدة.
– الانقسامات السياسية.
– التفاوت التنموي بين الأقاليم.
ضعف التوافق الوطني حول مشروع الدولة.
وقد انعكس ذلك على قدرة النظام السياسي في السودان على بناء حالة تعبئة وطنية شاملة مشابهة للتجربة الإيرانية.
ثالثاً: المرأة والمشروع الإسلامي
بين إيران والسودان
يرى بعض الباحثين وكتاب الرأي أن الثورة الإسلامية في إيران تعرضت لانتقادات تتعلق بقضايا المرأة والحريات الاجتماعية.
أما في السودان، فقد نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات الإنقاذ في استقطاب قطاعات واسعة من النساء داخل المشروع الإسلامي، سواء عبر:
– العمل الدعوي.
– النشاط الاجتماعي.
– المؤسسات التعليمية والتنظيمية.
وقد قدمت نساء سودانيات دعماً كبيراً للمشروع الإسلامي، شمل:
– المشاركة السياسية والتنظيمية.
– دعم أسر المقاتلين.
– المساهمة الاقتصادية والاجتماعية.
وكان لذلك أثر واضح في ترسيخ القاعدة الاجتماعية للحركة الإسلامية خلال سنواتها الأولى.
رابعاً: بناء الأجهزة الأمنية
التجربة الإيرانية
نجحت الجمهورية الإسلامية في تأسيس منظومة أمنية واستخباراتية معقدة ومتطورة، جمعت بين:
– العمل الأمني الداخلي.
– الاستخبارات الخارجية.
– الحرب السيبرانية.
– الأمن الإقليمي.
وبرزت مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني، ووزارة الاستخبارات الإيرانية،
كأدوات رئيسية في حماية النظام وإدارة الصراعات الإقليمية.
ويرى بعض المحللين أن إيران استطاعت بناء جهاز أمني يمتلك قدرات كبيرة مكنته من مواجهة عمليات معقدة مرتبطة بأجهزة مثل: وكالة الأمن المركزي و الموساد.
خامساً: التجربة الأمنية في السودان
أما في السودان، فقد عملت حكومة الإنقاذ على تطوير جهاز الأمن الداخلي والخارجي بصورة كبيرة، وأصبح أحد أهم مؤسسات الدولة خلال تلك المرحلة.
كما سعت الخرطوم إلى تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، وأسهمت في تأسيس لجنة الأمن و المخابرات في أفريقيا المعروفة اختصاراً بـ«السيسا»، والتي جمعت أجهزة أمنية من دول شرق ووسط أفريقيا بهدف:
– تنسيق العمل الأمني.
– تبادل المعلومات.
– مكافحة التهديدات العابرة للحدود.
كما وثقت الخرطوم علاقاتها الأمنية والاستراتيجية مع الصين، و روسيا و إيران.
ويعتبر بعض الباحثين أن التجربة الأمنية للإنقاذ مثلت تطوراً ملحوظاً مقارنة بتجربة أمن الدولة خلال عهد الرئيس جعفر نميري.
سادساً: التجربة السياسية والمؤسسات التشريعية
في الإطار السياسي، سعت الحركة الإسلامية السودانية إلى بناء تجربة برلمانية وتنظيمية خاصة بها.
فقد شهد البرلمان السوداني خلال فترة رئاسة الدكتور حسن الترابي إنشاء عدد من اللجان المتخصصة، مثل:
– لجنة الأمن والدفاع.
– لجنة العلاقات الخارجية.
– اللجنة الاقتصادية.
– لجان التشريع والإدارة.
كما طبقت حكومة الإنقاذ تجربة الحكم الفيدرالي، وسعت إلى توسيع المشاركة الإدارية والسياسية في الولايات، بما عُرف بسياسة «بسط الظل الإداري».
سابعاً: المؤتمر الوطني والتنظيم السياسي
أسست الحركة الإسلامية حزب المؤتمر الوطني كإطار سياسي جامع لإدارة الدولة والمجتمع.
وقد وصف الدكتور حسن الترابي الحزب بأنه محاولة لبناء تنظيم قومي واسع يضم مختلف شرائح المجتمع السوداني.
ويرى بعض الباحثين أن التجربة التنظيمية استلهمت جزئياً نماذج:
– المؤتمر الوطني الهندي في الهند.
– والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.
مع محاولة تطوير نموذج سياسي سوداني ذي مرجعية إسلامية.
ثامناً: ثورة التعليم العالي والتحول الاقتصادي
شهد السودان خلال سنوات الإنقاذ توسعاً كبيراً في مؤسسات التعليم العالي، فيما عُرف بـ«ثورة التعليم العالي»، خاصة خلال فترة البروفيسور إبراهيم أحمد عمر.
وقد تم:
– إنشاء عشرات الجامعات الحكومية.
– التوسع في التعليم الأساسي والثانوي.
– زيادة فرص التعليم في الولايات.
كما شكل النفط أحد أبرز الإنجازات الاقتصادية في تلك المرحلة، خاصة قبل انفصال جنوب السودان.
فخلال الفترة بين عامي 2000 و2011 شهد السودان:
– تدفقاً للعملات الصعبة.
– نمواً اقتصادياً ملحوظاً.
– توسعاً في مشاريع البنية التحتية.
– تحسناً نسبياً في الاستقرار الاقتصادي.
لكن هذه المرحلة تزامنت أيضاً مع:
– تصاعد الخلافات داخل الحركة الإسلامية.
– الانقسام السياسي.
– تزايد الضغوط الدولية.
تاسعاً: التحولات الدولية وأزمة المشروع الإسلامي
واجه المشروع الإسلامي في السودان تحديات دولية كبرى، من أبرزها:
– انهيار الاتحاد السوفييتي.
– صعود الهيمنة الأمريكية الأحادية.
– حرب الخليج الأولى بعد غزو العراق للكويت.
– التوسع العسكري الأمريكي في الخليج العربي.
وفي مواجهة هذه التحولات، حاولت حكومة الإنقاذ بناء شراكات جديدة مع الصين، و الهند، و ماليزيا و تركيا في محاولة للابتعاد عن المحور الغربي وتقليل الاعتماد عليه.
خاتمة الحلقة السابعة
تكشف المقارنة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتجربة الإنقاذ السودانية أن قوة الأنظمة السياسية لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على:
– بناء جبهة داخلية متماسكة.
– تطوير المؤسسات الأمنية والسياسية.
– إدارة التحولات الدولية.
– الحفاظ على التوازن بين الدولة والمجتمع.
فإيران استطاعت تحويل التهديد الخارجي إلى عنصر لتوحيد الداخل وتعزيز مشروع الدولة، بينما واجه السودان تحديات داخلية معقدة أضعفت قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه السياسي والاجتماعي.
ورغم ما حققته تجربة الإنقاذ من إنجازات في مجالات:
الأمن، و التعليم، والتنظيم السياسي، والنفط والعلاقات الآسيوية، فإن الانقسامات الداخلية والتحولات الدولية الكبرى لعبت دوراً أساسياً في إضعاف المشروع وانتهائه لاحقاً بالسقوط.


