Popular Now

حين تقود النساء السلام: دور المرأة السودانية في إنهاء النزاعات وبناء المستقبل .. بقلم: د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الأزمات والكوارث والتنمية الريفية المستدامة

مسارات | الطلاب السودانيون في مصر.. هل تضيع الأحلام بين القبول الجامعي وتعقيدات الإقامة؟.. د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة |فصل العاملين بين النفي والإثبات .. إبراهيم شقلاوي

حين تقود النساء السلام: دور المرأة السودانية في إنهاء النزاعات وبناء المستقبل .. بقلم: د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الأزمات والكوارث والتنمية الريفية المستدامة

رغم ما تكبدته المرأة السودانية من معاناة خلال الحرب، فإنها تمتلك من الخبرة والقدرة والتأثير المجتمعي ما يؤهلها لتكون شريكاً أساسياً في جهود الوساطة (Mediation)، وبناء السلام (Peacebuilding) وتعزيز التماسك الاجتماعي (Social Cohesion)، بما يسهم في تحقيق السلام المستدام وإعادة بناء النسيج المجتمعي.

عندما تندلع الحروب، تكون المرأة غالباً من أكثر الفئات تضرراً من آثارها المباشرة وغير المباشرة. فهي التي تتحمل أعباء النزوح، وفقدان الأحبة، وتفكك الأسر، وانقطاع سبل العيش فضلاً عن مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن في ظروف بالغة القسوة.

ومن أشد الآثار الإنسانية للحرب ما تتعرض له المرأة من فقدٍ للأبناء، أو الزوج، أو الأخ أو المعيل، فتتحمل أعباءً نفسية، واجتماعية واقتصادية مضاعفة، وتواصل رغم ذلك أداء دورها في حماية الأسرة والمحافظة على تماسكها. وتبقى حاملةً في قلبها جراحاً عميقة لا يراها الآخرون، لكنها تستمد من صبرها وقوة إرادتها القدرة على مواصلة الحياة والعطاء.

ومع ذلك، فإن المرأة ليست مجرد ضحية للحرب، بل هي أيضاً صانعة للسلام وشريك أساسي في إعادة بناء المجتمعات واستعادة الاستقرار. فالمرأة هي النواة الأساسية للمجتمع والمسؤولة عن التنشئة والتربية وغرس القيم في الأجيال الجديدة. ورغم ما تتصف به من رقة وعاطفة، فإنها تمتلك قوة استثنائية وصبراً عظيماً يظهران بوضوح في أوقات الأزمات والكوارث والنزاعات المسلحة (Armed Conflicts).

وعندما تغيب الأدوار التقليدية داخل الأسرة بسبب الحرب، أو النزوح، أو الوفاة أو الاختفاء القسري (Enforced Disappearance)، تجد المرأة نفسها في مقدمة الصفوف تتحمل المسؤولية كاملة، وتسعى بكل السبل للحفاظ على أسرتها وتأمين مستقبل أبنائها.

ومن هذا الواقع تنبع أهلية المرأة للمشاركة في جهود الوساطة (Mediation) وبناء السلام (Peacebuilding). فهي تنظر إلى النزاعات من زاوية إنسانية واجتماعية شاملة، وتدرك حجم المعاناة التي تلحق بالأفراد والأسر والمجتمعات. كما أنها تمتلك دافعاً حقيقياً للبحث عن حلول مستدامة تحافظ على الأرواح وتصون كرامة الإنسان وتؤسس لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً.

والمرأة مهندسٌ عظيمٌ لرسم خارطة السلام، لما تمتلكه من رؤية إنسانية شاملة وقدرة على قراءة احتياجات المجتمع بعمق. ومن هنا يُرجى من صانعي القرار إفساح المجال أمامها للمشاركة الفاعلة في عمليات بناء السلام وصنع القرار بما يضمن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام للمجتمع.

وقد أثبتت التجارب الدولية نجاح المرأة في هذا المجال. ويُعد نموذج ليبيريا من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث لعبت النساء دوراً محورياً في إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1989 إلى عام 2003. فقد توحدت النساء من مختلف الخلفيات الاجتماعية والدينية، وشكلن حركة سلمية ضاغطة نجحت في دفع الأطراف المتنازعة نحو التفاوض ووقف الحرب لتصبح تجربتهن نموذجاً عالمياً يُحتذى به في مجال بناء السلام.

وقد أكدت العديد من الدراسات والتجارب الدولية أن مشاركة النساء في عمليات السلام تزيد من فرص نجاح الاتفاقيات واستدامتها، لأن المرأة غالباً ما تركز على معالجة الآثار الإنسانية والاجتماعية للنزاعات وتسعى إلى بناء حلول أكثر شمولاً واستدامة.

ولم يعد دور المرأة في السلام مجرد مطلب أخلاقي أو اجتماعي، بل أصبح التزاماً دولياً أكدته الأمم المتحدة من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن (Women, Peace and Security – WPS)، الذي دعا إلى تعزيز مشاركة النساء في منع النزاعات (Conflict Prevention) وتسويتها (Conflict Resolution)، وفي عمليات الوساطة وصنع القرار وبناء السلام بعد النزاعات.

وفي السودان، توجد نساء يمتلكن العزيمة والخبرة والقدرة على الإسهام في إنهاء النزاعات وتعزيز التماسك الاجتماعي (Social Cohesion). وقد أثبتت المرأة السودانية عبر التاريخ حضورها في مختلف مجالات الحياة العامة، وأسهمت في دعم مجتمعاتها خلال أصعب الظروف. واليوم، ومع استمرار معاناة السودانيين من آثار الحرب، تبرز الحاجة إلى إشراك النساء بصورة أكبر في مبادرات السلام والمصالحة المجتمعية.

كما يمتلك السودان إرثاً ثقافياً واجتماعياً يعكس قوة تأثير المرأة في المجتمع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دور الحكامات والشاعرات الشعبيات اللاتي استخدمن الكلمة، والشعر والأهازيج للتأثير في الرأي العام وتوجيه السلوك الاجتماعي. وإذا كانت الكلمة قد استُخدمت في بعض المراحل التاريخية لإذكاء الحماسة للحرب، فإنها قادرة اليوم على نشر ثقافة السلام، والمصالحة، والتسامح والوحدة الوطنية.

ولا يقتصر دور المرأة على (الحكامات) والشاعرات، بل يشمل كذلك الداعيات الدينيات، والمعلمات، والأكاديميات، والإعلاميات، والفنانات، ورائدات المجتمع والقيادات النسائية في المدن والقرى ومعسكرات النزوح. فكل واحدة منهن تمتلك مساحة للتأثير الإيجابي يمكن توظيفها لخدمة السلام وتعزيز التعايش السلمي.

وفي ظل الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023، وما نتج عنها من نزوح داخلي ولجوء خارجي وانقسام مجتمعي واسع، تزداد أهمية توظيف قدرات النساء في جهود الوساطة المحلية والحوار المجتمعي وإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع السوداني. فالسلام المستدام لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل يبدأ من المجتمعات المحلية التي تستطيع المرأة أن تلعب فيها دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي وإعادة ترميم النسيج المجتمعي ودعم التعافي بعد النزاعات (Post-Conflict Recovery).

ومن واقع خبرتي العملية والأكاديمية في مجالات إدارة الأزمات، والكوارث، والتنمية الريفية المستدامة، أؤمن بأن المرأة السودانية تمتلك من الحكمة والصبر والقدرة على التأثير المجتمعي ما يؤهلها لتكون في مقدمة الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والمصالحة الوطنية. فالسلام المستدام لا يُبنى بالاتفاقات السياسية وحدها، وإنما ببناء الثقة داخل المجتمعات المحلية، وهو المجال الذي تستطيع المرأة أن تؤدي فيه دوراً محورياً لا غنى عنه.

ومن هنا، فإنني أدعو جميع نساء السودان إلى أن يكنَّ سفيرات للسلام في أسرهن، ومجتمعاتهن ومؤسساتهن، وأن يشاركن في نشر قيم الحوار والتسامح ونبذ الكراهية والعنف. كما أدعو كل من يستشعر المسؤولية الوطنية، نساءً ورجالاً، إلى الانخراط في هذا الحراك المجتمعي الهادف إلى وقف نزيف الحرب وإعادة بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

إن السودان اليوم في حاجة إلى أصوات الحكمة أكثر من حاجته إلى أصوات البنادق، وإلى دعاة المصالحة أكثر من دعاة الفرقة والانقسام. وإننا جميعاً نحلم بأن يعيش أبناؤنا وبناتنا في وطن آمن ومستقر، وأن ترى الأجيال القادمة سوداناً يسوده السلام والخير والعزة والكرامة.

فلنعمل جميعاً من أجل إطفاء نيران الفتنة وإيقاف نزيف الحرب قبل أن نفقد ما تبقى من وطننا. ولنجعل من السلام مشروعاً وطنياً جامعاً يشارك فيه الجميع، ولتكن المرأة السودانية في مقدمة الصفوف، كما كانت دائماً، حاملةً لرسالة الحياة والأمل والبناء.

المقالة السابقة

مسارات | الطلاب السودانيون في مصر.. هل تضيع الأحلام بين القبول الجامعي وتعقيدات الإقامة؟.. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *