إن المسؤولية التاريخية في هذه المرحلة تقع على عاتق القيادة السياسية الحالية قبل غيرها، لأنها الجهة التي تمتلك سلطة القرار وتوجيه المسار العام للدولة. وهذه المسؤولية لا تقتصر على إدارة الحرب وما يرتبط بها من تحديات، بل تمتد إلى بناء ما بعدها، ووضع الأسس التي ستقوم عليها الدولة في السنوات والعقود القادمة. فإما أن تنجح في تحويل هذه المحنة إلى منحة تاريخية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والنهضة، وإما أن تُهدر فرصة قد لا تتكرر، فتضيع معها إمكانية وضع اللبنة الصحيحة التي ستبني عليها الأجيال القادمة مستقبلها.
غير أن المسؤولية لا تقع على القيادة وحدها، وإن كانت تتحمل النصيب الأكبر منها. فالشعوب أيضاً شريك أصيل في صناعة التحولات الكبرى. والنهضات العظيمة عبر التاريخ لم تصنعها الحكومات وحدها، وإنما صنعتها إرادة وطنية واسعة آمنت بهدف جامع والتفت حوله وعملت من أجله. ولذلك فإن الواجب الوطني يقتضي من المجتمع بكل مكوناته أن يؤدي دوره كاملاً، وأن يمارس رقابة إيجابية وضغطاً وطنياً مسؤولاً يدفع باتجاه البناء والإصلاح، وأن يحافظ على حالة التماسك التي أفرزتها هذه المرحلة، وأن ينتظم في تيار وطني واسع يجعل من نهضة السودان هدفاً مشتركاً لا يخضع للمساومات أو الحسابات الضيقة.
إن جوهر القضية ليس في عبور الأزمة فحسب، وإنما في كيفية الخروج منها. فالدول التي تصنع تاريخها هي تلك التي تحسن قراءة لحظاتها الفاصلة، وتملك الشجاعة لاتخاذ القرارات المناسبة في وقتها، وتدرك أن بناء المستقبل يبدأ من حسن استثمار الحاضر.
ولهذا فإن السودان اليوم أمام فرصة استثنائية لصناعة مسار جديد أكثر قوة وتماسكاً. وإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة بإرادة وطنية صادقة ورؤية استراتيجية واضحة، فإنها ستتحول من محنة فرضتها الظروف إلى منحة تصنع المستقبل. أما إذا أُهدرت، فلن تكون الخسارة مقتصرة على الحاضر، بل ستمتد إلى فرص التنمية والاستقرار والنهضة التي كان يمكن أن تبني عليها الأجيال القادمة.
إن التاريخ لا يتذكر حجم الأزمات بقدر ما يتذكر كيف تعاملت معها الأمم وقياداتها وشعوبها. ومن هنا فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم أولاً على عاتق القيادة السياسية الحالية لأنها تملك سلطة القرار وتوجيه المسار، لكنها تقع أيضاً على عاتق المجتمع كله الذي يملك قوة الإسناد والتصويب والدفع نحو الاتجاه الصحيح. وبين هاتين المسؤوليتين تتحدد ملامح السودان القادم: إما أن تكون هذه اللحظة نقطة انطلاق نحو دولة قوية ومتماسكة وناهضة، وإما أن تتحول إلى فرصة ضائعة سيدفع ثمنها المستقبل. ولذلك فإن حسن إدارة هذه المرحلة ليس خياراً سياسياً فحسب، بل أمانة وطنية ومسؤولية تاريخية أمام الأجيال القادمة.
الاستراتيجية في لحظة الحرب: مسؤولية الإدارة الحالية في تحويل المحنة إلى منحة وصناعة مستقبل السودان .. عادل الرفاعي أبو الحسن (2/2)
المقالة السابقة


