ليست القضية إن صحت الوقائع التي أُثيرت أن مسؤولا سابقا اعتدى على معلم فحسب وإنما أن السلطة حين تنفلت من القانون يمكن أن تتحول من وسيلة لحماية الإنسان إلى أداة لإهانته وبحسب الرواية المتداولة فإن معتمد كرري الأسبق واللواء بالمعاش عادل الطيب الأمين اعتدى بالضرب على أحد المعلمين داخل مدرسة وأشهر سلاحه وهدد الحاضرين ووجه عبارات مهينة للمعلمين وهذه وقائع تظل من الناحية القانونية منسوبة إلى صاحبها ولا يجوز الجزم بثبوتها قبل اكتمال التحقيق والفصل القضائي لكن إذا ثبتت فإننا لا نكون أمام مجرد مشادة شخصية بل أمام مجموعة من الانتهاكات التي تمس كرامة الإنسان وسلامته وأمنه أول هذه الانتهاكات هو الاعتداء على السلامة الجسدية فالضرب متى وقع دون سند قانوني يمس حق الإنسان في سلامته الجسدية ويخضع للمساءلة وفق القانون الوطني كما يتعارض مع الحماية الدولية من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة فالمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والسودان دولة طرف في العهد وثانيها التهديد بالسلاح وإثارة الخوف فإشهار السلاح في مواجهة أشخاص مدنيين إن ثبت لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد انفعال إذ قد يمثل تهديدا جديا للأمن والسلامة الشخصية ويزداد خطره عندما يقع داخل مدرسة وأمام أطفال وثالثها المساس بالكرامة الإنسانية فإهانة المعلم والحط من قدره أمام زملائه وطلابه إن ثبتت تتجاوز حدود الخلاف إلى الاعتداء على الشرف والاعتبار والعهد الدولي يحمي الإنسان من الاعتداءات غير المشروعة على شرفه وسمعته كما يوجب القانون حمايته منها والأهم أن الوثيقة الدستورية الانتقالية السودانية لعام 2019 جعلت حقوق الإنسان والحريات الأساسية الواردة في المواثيق الدولية التي صادق عليها السودان جزءا من منظومة الحقوق وأكدت أن التشريع لا يجوز أن ينتقص منها
أما في الإطار السوداني فقد كرس دستور 2005 الانتقالي الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين الإطار الدستوري الانتقالي اللاحق الحق في الحياة والكرامة وسلامة الشخص وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وهنا تبرز مسألة القانون الدولي الإنساني ولكن بحذر قانوني مهم لا يجوز وصف كل اعتداء يقع أثناء الحرب بأنه انتهاك للقانون الدولي الإنساني أو جريمة حرب فالمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف تنطبق في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية على الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية وتحظر العنف ضد الأشخاص والمعاملة القاسية والإهانة والمعاملة المهينة كما أن البروتوكول الإضافي الثاني يقرر ضمانات أساسية مماثلة لكن إذا ثبت أن الواقعة مرتبطة بالنزاع المسلح وبالصفة التي تجعل قواعد القانون الدولي الإنساني واجبة التطبيق عليها فإن الاعتداء البدني والمعاملة المهينة والتهديد بأعمال محظورة قد تثير مسائل بموجب المادة الثالثة المشتركة والبروتوكول الإضافي الثاني أما إذا كانت الواقعة مجرد حادث مدني منفصل عن العمليات العدائية فالإطار الأساسي هو القانون الجنائي والوطني وقانون حقوق الإنسان وليس القانون الدولي الإنساني بوصفه قانون النزاعات المسلحة هذا تمييز قانوني ضروري حتى لا نستخدم مصطلح ( جريمة حرب ) بلا أساس لكن بعيدا عن المصطلحات القانونية هناك سؤال أخلاقي أكبر كيف وصلنا إلى أن يُرفع السلاح في وجه المعلم؟ المعلم ليس خصما عسكريا
لا يحمل بندقية ولا يملك سلطة تنفيذية
سلاحه كتاب وطباشير وكلمة ومن المفارقات المؤلمة أن الرجل الذي يحمل السلاح قد يكون قد تعلم أول حروفه على يد رجل لم يحمل في حياته سوى قلم وطباشير لهذا فإن الاعتداء على المعلم إذا ثبت لا يهين شخصا واحدا فقط بل يضرب قيمة اجتماعية صنعت السودان الحديث
والأخطر أن يكون ذلك داخل مدرسة فالطفل الذي يرى مسؤولا أو ضابطا يشهر سلاحه في مدرسته لا يرى مجرد رجل غاضب قد يرى في لحظته الأولى صورة السلطة نفسها وهنا تكمن الكارثة التربوية
نحن نريد أن نعلم أبناءنا أن القانون أقوى من السلاح وأن الخلاف يحسم بالحجة والقضاء وأن الدولة تحمي الإنسان فكيف نطلب منهم أن يصدقوا ذلك إذا رأوا العكس أمام أعينهم؟ إن المسؤول الحقيقي لا تقاس قوته بقدرته على إخافة الناس وإنما بقدرته على ضبط نفسه وهو في موضع القوة فالرتبة ليست حصانة والمنصب ليس ملكية خاصة والسلطة ليست تفويضا بالبطش وإذا كان الرجل قد أصبح بالـمعاش فإن المعاش ينهي الوظيفة ولا ينهي المسؤولية الأخلاقية كما أن محاسبة فرد إن ثبت خطؤه لا تعني الإساءة إلى المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها أو تخرج منها بل العكس تماما إن احترام المؤسسة يقتضي ألا تستخدم هيبتها لحماية الخطأ ولهذا ينبغي أن تكون القضية في يد القضاء وحده لا نريد انتقاما من رجل ولا نريد حصانة لرجل نريد شيئا أبسط وأعظم أن يكون القانون فوق الجميع فالسودان الذي خرج مثقلا بالحرب لا يحتاج إلى مزيد من ثقافة القوة وإنما يحتاج إلى إعادة بناء ثقافة القانون
ولا يحتاج إلى مسؤولين يخاف منهم الناس وإنما إلى مسؤولين يثق بهم الناس
ولا يحتاج إلى مدرسة يدخلها السلاح وإنما إلى مدرسة يدخلها الكتاب ويخرج منها الإنسان كرامة المعلم ليست قضية المعلمين وحدهم إنها اختبار لكرامة الدولة نفسها
فإذا انتصر القانون في هذه القضية أياً كان طرفه فلن يكون المنتصر معلما أو مسؤولا
سيكون المنتصر هو السودان


