اولا : ارجو ان اشير الي أني من مساندي المرأة السودانية في كافة المواقع . ولكن وبما ان وزارة التجارة والصناعة تمثل إحدى أهم الوزارات الاقتصادية السيادية في أي دولة، إذ تقع على عاتقها مسؤولية تنظيم النشاط الزراعي في كيف ننتج لمواصفات ومتطلبات السوق المحلي والاقليمي والعالمي ؟ وكيف نوجه وندير النشاط التجاري،؟ وكيف نطور القطاع الصناعي؟ ، وكيف نعزز الصادرات،؟ وكيف نحمي المستهلك،؟ وكيف نحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ؟ والعمل علي تحقيق حفظ الميزان التجاري لصالح الدولة . لذلك فإن هذا الملف باهميته التي تزداد فيها مخاطر لا تحصي ولاتعد ، ويحتاج لرؤية استراتيجية شاملة تتعدي اروقة الوزارة الي خارجها والي جميع وزارات الإنتاج والمالية والزراعة والثروة الحيوانية والنفط والطاقة والكهرباء وهئية الجمارك وبنك السودان وكافة المصارف ، فهو بهذه الأهمية التي تجعل من المستحيل إدارته بوزير سيرته العطرة الطويلة تشهد بالنزاهة والامانه ، دون قدرة كاملة علي التكيف مع مرتدات سماسرة الشركات وسوق التوريق واسماء الشركات الوهمية وكارتيلات تجارة وتهريب الذهب ومافيا وكارتيلات شركات منتجات النفط، والشركات التي تلعب بثروة البلاد في تجارة الثروة الحيوانية والتهريب الواسع للمنتجات ، هذا الملف الذي يتعدي نطاقه سلطات الجمارك ومكافحة التهريب ، وسلطات وتجاوز الشركات وتهربها من دفع حصائل الصادر الدولارية الذي ينتظرها البنك المركزي ، والذي بدوره غارقا في مستنقع الروتين وسياساته القديمة الغيرة متجددة لمواكبة التحديات والمتغيرات المتلاحقة ، هذه الوزارة تحتاج الي وزير اتحادي شفت ومفتح ووزيرا دولة كبار من طراز قادة شجعان واصحاب رؤية ورسالة احدهم للتجارة والاخر للصناعة .
وهذه الوزارة وفي ظل الظروف الاستثنائية التي خلفتها حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، والتي ألقت بظلالها على البنية الاقتصادية والإنتاجية والتجارية للدولة تحتاج لرؤية استراتيجية غير متوفرة في الظرف الأني.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في استعادة ما كان قائماً قبل الحرب فحسب، وإنما في بناء نموذج تجاري صناعي اقتصادي أكثر قدرة على الصمود والاستدامة والتنافسية.
أولاً: تحدي إعادة بناء القاعدة الصناعية تعرض القطاع الصناعي السوداني لخسائر جسيمة نتيجة الحرب، حيث توقفت مئات المصانع أو تعرضت للتدمير والنهب، خاصة في ولاية الخرطوم التي كانت تمثل القلب الصناعي للبلاد.
ومن أبرز التحديات:
إعادة تأهيل المصانع المتضررة.
توفير التمويل اللازم لإعادة التشغيل.
استعادة العمالة والكفاءات الفنية.
تأمين الطاقة والوقود ومدخلات الإنتاج.
إن إعادة بناء الصناعة ليست مجرد عملية تعويض خسائر، بل فرصة لإدخال التكنولوجيا الحديثة وتطبيق مفاهيم الجودة والتميز والتحول الرقمي.
ثانياً: تحدي التجارة يتمثل في التحول الي تصدير كل ما يفيض عن حاجة الاستهلاك المحلي من المواد الخام إلى تصدير القيمة المضافة. بالتركيز علي السيطرة علي صادرات الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والجلود الخام ، لأنها منذ،٢٠١٩م لم يستفد السودان مطلقا من جلود الثروة الحيوانية ، ويكفي انه خلال ستة أعوام مضت لم يستفد السودان من دولار واحد كعائد من جلود الأضاحي والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات الضائعة هباءا منثورا…علاوة علي الصمغ العربي والمحاصيل الزراعية التي تهرب عبر الحدود الي العديد من الدول .
ويترتب على كل ذلك:
انخفاض العائد الاقتصادي.
وضياع فرص العمل.وضعف القدرة التنافسية. لذلك فإن المطلوب هو التوسع في:
** الصناعات الغذائية فقط في الوقت .
** وتصنيع اللحوم ومنتجات الألبان.
** صناعة الزيوت النباتية . **الصناعات الجلدية.والصناعات الدوائية القائمة على الموارد المحلية.فالدول لا تبني ثرواتها من تصدير المواد الخام ، والتي قد يحتاجها السكان المحليين وإنما من تصدير الفائض منها مع المعرفة الدقيقة في كيفية تحديد مع من نتاجر فيه من سلع منتجة حسب معايير الجودة ومن خلال القيمة المضافة.
ثالثاً: تحدي ضبط الأسواق ومحاربة اقتصاد الظل ، والتي أدت الحرب فيها إلى توسع الأسواق غير الرسمية وازدياد نشاط الوسطاء والمضاربين، مما أثر على استقرار الأسعار وتوافر السلع.
ويستلزم ذلك:
** تطوير نظم الرقابة التجارية.
** إنشاء قواعد بيانات حديثة للتجار والموردين.
** تفعيل قوانين المنافسة ومنع الاحتكار.
** مكافحة التهريب عبر الحدود.
فالاقتصاد غير المنظم يمثل أحد أكبر معوقات التخطيط الاقتصادي الرشيد.
رابعاً: تحدي الجودة والمواصفات
في عالم اليوم لم تعد المنافسة تقوم على السعر وحده، بل أصبحت الجودة هي مفتاح الدخول إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا تبرز أهمية:
تطبيق نظم إدارة الجودة والتميز وحوكمة وتعزيز الشفافية في دور المواصفات والمقاييس.
** دعم المختبرات الوطنية.
** نشر ثقافة الجودة بين المنتجين والمصدرين.
إن الجودة ليست مسؤولية جهة رقابية فحسب، بل ثقافة مؤسسية وسلوك إنتاجي شامل.
خامساً: تحدي التحول الرقمي
يشهد العالم ثورة رقمية هائلة في مجالات التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.
ويتطلب ذلك:
** أتمتة الإجراءات التجارية.
** إنشاء منصات إلكترونية للصادرات والواردات.
** تطوير نظم المعلومات الاقتصادية.
** استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأسواق واتخاذ القرار.
إن الوزارة التي لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة ستظل عاجزة عن التخطيط السليم مهما بلغت قدراتها البشرية.
سادساً: تحدي الشراكة مع القطاع الخاص أثبتت التجارب العالمية أن الحكومات لا تستطيع وحدها قيادة التنمية الاقتصادية.
وعليه ينبغي:
** تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
** تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
** تبسيط الإجراءات الإدارية.
** تقليل الرسوم والجبايات المتعددة.
فالقطاع الخاص شريك في التنمية وليس مجرد ممول او بقرة حلوب للخزانة العامة.
سابعاً: تحدي التجارة الإقليمية والدولية يتمتع السودان بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين العالم العربي وأفريقيا.
ولذلك ينبغي:
** الاستفادة من الاتفاقيات التجارية الإقليمية.
** تطوير الموانئ والمناطق الحرة.
دعم الصادرات نحو الأسواق الأفريقية.
** رفع كفاءة الخدمات اللوجستية والنقل.
إن الموقع الجغرافي لا يتحول إلى ميزة اقتصادية إلا إذا صاحبه تخطيط استراتيجي فعال.
خاتمة إن نجاح وزارة التجارة والصناعة في المرحلة القادمة، يتطلب إنشاء مجلس تخطيطي رقابي و امني قومي علي مستوي عالي واجراء تعديلات هيكلية في هذه الوزارة ، والقيام بتحديث القوانين و اللوائح والقرارات التي تصدرها، وتعزيز قدرتها على خلق بيئة اقتصادية تجارية صناعية قادرة على الإنتاج والتصدير والمنافسة. فالحرب، على قسوتها، قد تتيح فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على أسس جديدة تقوم على الجودة والإنتاجية والابتكار والقيمة المضافة. ولعل التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن اقتصاد يعتمد على تصدير واستيراد دون دراسة وخبرة إلى اقتصاد يقوده العلم والمعرفة والتصنيع، وبذلك يمكن للسودان أن يستعيد مكانته الاقتصادية في محيطه الإقليمي والدولي.
الدكتور بابكر عبدالله محمد علي
دكتوراه الفلسفة في اللغويات التطبيقية
باحث في الجودة والتميز المؤسسي والتنمية الاستراتيجية.


