Popular Now

مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات يصدر قراءة تحليلية لجلسة مجلس الأمن بشأن السودان

وجه الحقيقة | الأمن المائي… بعد عامٍ من الغياب .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | السودان… ديمقراطية الكتابة أم تضخم النخبة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مسارات| السودان والصين.. عودة النفط أم بداية شراكة استراتيجية جديدة؟ .. د.نجلاء حسين المكابرابي

لم تكن التصريحات الأخيرة لسفير السودان لدى جمهورية الصين الشعبية بشأن عودة الشركة الصينية الوطنية للبترول للعمل بقوة في السودان مجرد إعلان عن استئناف نشاط اقتصادي، وإنما حملت في طياتها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود قطاع النفط لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات السودانية الصينية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

فعلى مدى أكثر من ربع قرن، شكلت الصين الشريك الاقتصادي الأكثر حضوراً في قطاع النفط السوداني، وأسهمت استثماراتها في تحويل السودان إلى دولة منتجة ومصدرة للنفط، كما لعبت دوراً محورياً في إنشاء البنية التحتية للصناعة النفطية من الحقول، وخطوط الأنابيب، إلى المصافي ومحطات الضخ، وهو ما جعل العلاقة بين الخرطوم وبكين واحدة من أكثر الشراكات استقراراً في القارة الأفريقية.

غير أن الحرب التي اندلعت في السودان ألقت بظلالها الثقيلة على هذا التعاون، فتراجع الإنتاج النفطي، وتعطلت بعض الحقول، وانكمش نشاط الشركات الأجنبية، لتدخل الصناعة النفطية مرحلة من التحديات غير المسبوقة. واليوم، تبدو العودة الصينية بمثابة إعلان ثقة في مستقبل السودان، وإشارة إلى أن بكين تنظر إلى البلاد باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه.

لكن قراءة هذه العودة من زاوية النفط وحده ستكون قراءة قاصرة. فالصين لا تتحرك بمنطق الاستثمار قصير الأجل، وإنما وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على تأمين مصادر الطاقة، وتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا، وربط استثماراتها بمبادرة “الحزام والطريق” التي تسعى من خلالها إلى بناء شبكة عالمية من الشراكات الاقتصادية.

ومن هنا، فإن السودان يمتلك فرصة تاريخية لتحويل هذه العودة إلى نقطة انطلاق نحو تعاون أشمل يشمل قطاعات الزراعة، والتعدين، والطاقة الكهربائية، والطرق، والسكك الحديدية، والموانئ والصناعات التحويلية، وهي قطاعات تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرات تمتلكها الصين بصورة كبيرة.

وفي المقابل، فإن بكين تدرك أن السودان ،رغم الظروف التي مر بها، لا يزال يمتلك مقومات استثمارية ضخمة؛ فإلى جانب النفط، هناك ثروات معدنية هائلة، وأراضٍ زراعية شاسعة، وموقع جغرافي يربط بين شمال أفريقيا وشرقها ووسطها، فضلاً عن إطلالته على البحر الأحمر الذي أصبح أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه المرحلة لن يعتمد على الرغبة الصينية وحدها، ىلكن يتطلب من السودان توفير بيئة استثمارية مستقرة، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وإرساء سيادة القانون، وتقديم ضمانات حقيقية للمستثمرين، إضافة إلى إدارة الموارد الوطنية بشفافية تحقق المصلحة العامة.
كما ينبغي ألا تقتصر العلاقة على تصدير الموارد الخام، بل يجب أن تتجه نحو نقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر السودانية، وإقامة الصناعات المشتركة التي تضيف قيمة للاقتصاد الوطني وتخلق فرص عمل للشباب.

إن العالم يشهد اليوم إعادة تشكيل لخريطة التحالفات الاقتصادية، وأصبحت المنافسة على أفريقيا أكثر وضوحاً بين القوى الدولية الكبرى. وفي هذا السياق، يمكن للسودان أن يحسن استثمار موقعه وثرواته، وأن يبني شراكات متوازنة مع مختلف الأطراف ،وفي مقدمتها الصين، بما يحقق مصالحه الوطنية بعيداً عن سياسة المحاور.

إن عودة الشركة الصينية الوطنية للبترول ليست مجرد استئناف لاستثمارات توقفت بسبب الحرب، لكنها قد تكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودان في تحويل هذه الفرصة إلى مشروع وطني متكامل يعيد بناء الاقتصاد، ويؤسس لعلاقة أكثر عمقاً وتوازناً مع الصين، تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة، لا على استخراج الموارد وحدها.
فإذا كانت الحرب قد عطلت مسيرة التعاون بين البلدين، فإن السلام وحده كفيل بأن يجعل من هذه العودة بداية فصل جديد في العلاقات السودانية الصينية عنوانه الاستثمار، والتنمية وبناء المستقبل.

المقالة السابقة

إعادة إصدار منشور د. أحمد المفتي رقم 3988 الصادر بتاريخ 20 مارس 2022 منقحاً .. مبادرة مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان للوصول ل “توافق وطني” تختلف عن باقي المبادرات

المقالة التالية

أصل القضية | السودان… ديمقراطية الكتابة أم تضخم النخبة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *