مقدمة
جاء الخطاب الأخير لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه الحرب السودانية مع التوترات الداخلية في إثيوبيا، والتنافس الإقليمي في القرن الأفريقي والملفات العالقة بين دول الجوار. وقد أثارت الإشارات التي تضمنها الخطاب إلى وجود تحالف يضم جبهة تحرير شعب تيغراي، والسودان، وإريتريا، وجهات خارجية أخرى، اهتماماً واسعاً، لأنها تعكس رؤية القيادة الإثيوبية للبيئة الأمنية المحيطة بها، كما تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أهداف هذا الخطاب وتداعياته.
ولا ينبغي التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها دليلاً على وجود تحالف معلن، وإنما بوصفها جزءاً من الخطاب السياسي والأمني الذي يستحق القراءة والتحليل في ضوء التحديات التي تواجهها إثيوبيا داخلياً وإقليمياً.
أولاً: لماذا طرح آبي أحمد هذه الرواية الآن؟
تواجه إثيوبيا في المرحلة الراهنة تحديات متعددة، تشمل ملفات الأمن الداخلي، والتوترات في بعض الأقاليم، والضغوط الاقتصادية، إلى جانب استمرار الخلافات مع بعض دول الجوار.
وفي مثل هذه الظروف، تلجأ الحكومات أحياناً إلى إبراز المخاطر الخارجية لتفسير التحديات الداخلية، وتعزيز التماسك الوطني، وتأكيد الحاجة إلى الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة.
ومن ثم، يمكن قراءة الخطاب باعتباره رسالة موجهة إلى الداخل الإثيوبي بقدر ما هو رسالة إلى الخارج.
ثانياً: السودان في الحسابات الإثيوبية
يشغل السودان موقعاً محورياً في الأمن القومي الإثيوبي، بحكم الحدود الطويلة، وملف الفشقة، وسد النهضة والتداخل السكاني والاقتصادي.
كما أن استمرار الحرب في السودان يفرض تحديات أمنية وإنسانية على المنطقة، وهو ما يجعل تطوراتها محل متابعة دقيقة من جانب أديس أبابا.
وفي المقابل، فإن السودان ينظر هو الآخر إلى استقرار حدوده الشرقية باعتباره جزءاً من أمنه القومي، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في الخطاب السياسي بين البلدين يستحق المتابعة بحذر.
ثالثاً: إريتريا… لاعب لا يمكن تجاهله
تظل إريتريا أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات القرن الأفريقي، وقد شهدت علاقاتها مع إثيوبيا مراحل من التقارب وأخرى من التوتر.
ولا تتوافر في الوقت الراهن مؤشرات مستقلة تؤكد وجود استعدادات لعمل عسكري واسع بين البلدين، إلا أن استمرار تبادل الرسائل السياسية يعكس أن الثقة بين الجانبين ما زالت هشة، وأن الملفات الأمنية لم تُغلق بصورة نهائية.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة
يمكن قراءة خطاب آبي أحمد من خلال عدة سيناريوهات تحليلية:
السيناريو الأول: التعبئة الداخلية.
قد يكون الهدف الرئيس هو تعزيز التماسك الداخلي في مواجهة التحديات السياسية والأمنية، عبر التحذير من تهديدات خارجية.
السيناريو الثاني: توجيه رسائل ردع إقليمية.
قد يحمل الخطاب رسائل سياسية إلى السودان وإريتريا وأطراف إقليمية أخرى، بهدف رفع كلفة أي تحركات تعتبرها أديس أبابا مهددة لمصالحها.
السيناريو الثالث: تحسين الموقع التفاوضي.
قد يكون التصعيد الخطابي جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز الموقف الإثيوبي في الملفات الإقليمية، بما في ذلك العلاقات الحدودية وقضايا الأمن الإقليمي.
السيناريو الرابع: استمرار الوضع القائم.
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث تستمر التصريحات السياسية المتبادلة دون تحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع بقاء الخلافات ضمن إطار الضغوط الدبلوماسية والأمنية.
خامساً: ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
يفرض هذا المشهد على السودان متابعة التطورات في القرن الأفريقي بعناية، لأن أي تغير في البيئة الأمنية المحيطة سينعكس بصورة مباشرة على حدوده الشرقية، وعلى حركة التجارة، وعلى ملفات الأمن الإقليمي.
كما أن إنهاء الحرب الداخلية سيظل العامل الأكثر أهمية في تعزيز قدرة السودان على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدفاع عن مصالحه الاستراتيجية.
خاتمة
تكشف تصريحات آبي أحمد عن حجم التعقيد الذي يميز بيئة القرن الأفريقي، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية. غير أن مستقبل المنطقة لن يتحدد بالخطابات وحدها، وإنما بقدرة دولها على إدارة خلافاتها عبر الحوار، واحترام السيادة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
وبالنسبة للسودان، فإن استعادة الاستقرار الداخلي تبقى الركيزة الأساسية لأي سياسة خارجية فاعلة، ولأي دور مؤثر في إعادة تشكيل توازنات الإقليم خلال السنوات المقبلة.
bshair057@gmail.com


