شهد دور الدولة خلال العقود الأخيرة تحولًا عميقًا في مفهوم الإدارة العامة. فلم تعد الدولة الحديثة هي التي تقوم بتنفيذ كل الخدمات بنفسها، وإنما أصبحت الدولة التي تضع السياسات، وتسن القوانين، وتنظم الأسواق وتراقب الأداء، بينما يمكن إسناد بعض المهام التنفيذية إلى شركات متخصصة تعمل وفق أطر قانونية ورقابية واضحة.
ويُعد مجال الفحص والتحقق من البضائع المستوردة أحد الأمثلة المبكرة على هذا التحول. فقد عرفت التجارة الدولية منذ عقود دور جهات متخصصة مستقلة تقوم بفحص السلع والبضائع للتأكد من مطابقتها لما هو وارد في الفواتير التجارية والعروض والمواصفات المتفق عليها، من حيث الكمية، والجودة، والمواصفات الفنية والحالة العامة للمنتج.
ومع توسع التجارة العالمية وتزايد الحاجة إلى حماية الأسواق وتنظيم حركة الواردات، تطورت هذه الممارسات إلى أنظمة أكثر شمولًا من بينها الفحص المسبق للشحنات (Pre-Shipment Inspection – PSI)، الذي تستخدمه بعض الحكومات كأداة رقابية للتأكد من صحة البيانات التجارية، ومطابقة السلع للمواصفات، ودعم إجراءات الجمارك والحد من الغش والتلاعب.
وتقوم بهذه الأعمال شركات متخصصة عالمية في مجالات الفحص، والاختبار وإصدار شهادات المطابقة، مثل Intertek، وSGS، وBureau Veritas، حيث أصبحت خدمات الفحص والاختبار والاعتماد جزءًا أساسيًا من منظومة التجارة الحديثة.
ولم يقتصر إسناد بعض الخدمات إلى القطاع الخاص على هذا المجال، بل توسع ليشمل قطاعات عديدة، مثل تشغيل المطارات، وإدارة بعض أنظمة تحصيل الرسوم والضرائب إلكترونيًا، والفحص الفني للمركبات والمعدات، وإدارة بعض أنظمة الطرق، وتشغيل بعض مرافق السجون، وإدارة المستشفيات، وتشغيل المختبرات، وإصدار شهادات الجودة، والمطابقة والاعتماد، وغيرها من الخدمات التي يمكن تنفيذها بكفاءة أكبر بواسطة جهات متخصصة.
لكن هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الدولة جاهزة قبل أن تسند خدماتها إلى القطاع الخاص؟
فالخطأ هو النظر إلى إسناد الخدمات باعتباره مجرد قرار إداري لنقل مهمة من جهة حكومية إلى شركة خاصة. فنجاح هذا النموذج لا يعتمد على وجود شركة قادرة فقط، وإنما يعتمد أولًا على وجود دولة قادرة على التنظيم، والرقابة وإدارة العلاقة.
وقبل أن تطرح الدولة أي خدمة للقطاع الخاص، فإن عليها أن تبني مجموعة من المقومات الأساسية:
أولًا: الإطار القانوني والتنظيمي، من خلال إصدار القوانين التي تحدد طبيعة الخدمة، وحدود مسؤوليات الشركة، وحقوق الدولة، وآليات الرقابة والمحاسبة والعقوبات عند الإخلال بالالتزامات.
ثانيًا: بناء المؤسسات الرقابية القادرة، بحيث لا تتحول الدولة من منفذ إلى غائب، وإنما تنتقل إلى دور أكثر أهمية؛ دور المنظم والمراقب الذي يضع المعايير ويتأكد من الالتزام بها.
ثالثًا: حماية المعلومات والسيادة الرقمية، وذلك من خلال تصنيف البيانات، وتحديد ما يمكن للشركات الاطلاع عليه، ومنع الوصول إلى أسرار الدولة، أو المعلومات الحساسة أو الأنظمة الداخلية التي لا ترتبط مباشرة بالخدمة المقدمة.
رابعًا: تأهيل القطاع الخاص، فليس كل قطاع خاص قادرًا تلقائيًا على إدارة خدمات عامة. ولذلك يجب وضع معايير واضحة لاختيار الشركات تشمل الخبرة، والقدرات الفنية، والملاءة المالية، والسجل المهني، والالتزام بمتطلبات الأمن السيبراني وحماية البيانات.
خامسًا: بناء القدرات الحكومية نفسها من خلال تأهيل الموظفين القادرين على إدارة العقود، ومتابعة الأداء، وتقييم الشركات والتأكد من جودة الخدمة واستمراريتها.
كما يجب أن تخضع الشركات والعاملون في الخدمات الحساسة للفحص والتقييم الدوري، للتأكد من الالتزام بالمعايير المهنية والأمنية، لأن نجاح التجربة لا يعتمد على العقد وحده، وإنما على منظومة متكاملة من الثقة، والرقابة والمساءلة.
إن الدول التي نجحت في الانتقال من الدولة المشغلة إلى الدولة المنظمة لم تبدأ بإسناد الخدمات، وإنما بدأت ببناء مؤسساتها. فقد طورت القوانين، وأنشأت الجهات الرقابية، وبنت الأنظمة الرقمية وأعدت القطاع الخاص ليكون شريكًا مؤهلًا في تقديم الخدمات.
ومن المهم التأكيد أن استمرار الدولة في أداء بعض الخدمات بنفسها ليس عيبًا إذا لم تكن جاهزة للانتقال إلى نموذج جديد. فالإصلاح الحقيقي لا يعني نقل المسؤوليات قبل توفر أدوات النجاح، وإنما يعني إعداد الدولة أولًا حتى يكون الإسناد للقطاع الخاص إضافة حقيقية تحقق الهدف المطلوب: خدمة أسرع، وجودة أعلى وكفاءة أكبر للمواطن والدولة.
ومع تسارع التحولات في دور الدولة، قد لا نستغرب مستقبلًا أن نرى حتى الانتخابات نفسها تُدار من الألف إلى الياء بواسطة شركات متخصصة، بينما تحتفظ الدولة بدورها الأساسي كمنظم وضامن للسيادة والقانون والشفافية. فالعبرة ليست بمن ينفذ الإجراء، وإنما بقدرة الدولة على وضع القواعد، وحماية النزاهة وضمان تحقيق المصلحة العامة.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الخدمات التي تنفذها بنفسها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الخدمات بكفاءة، سواء قامت بها مؤسساتها مباشرة أو نفذها شركاء متخصصون تحت رقابة فعالة.
فالدولة القوية ليست التي تقوم بكل شيء، بل التي تعرف ما الذي يجب أن تقوم به بنفسها، وما الذي يمكن أن تسنده لغيرها، وكيف تضمن أن يعمل الجميع ضمن إطار يحفظ المصلحة العامة وسيادة الدولة.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يسبق أي خطوة إصلاحية:
هل نحن نبني أدوات الدولة التي تمكننا من الانتقال إلى هذا النموذج، أم أننا نحاول نقل التجربة قبل أن نمتلك شروط نجاحها؟


