تشهد الأزمة السودانية مرحلة جديدة تتداخل فيها التحركات العسكرية مع المبادرات السياسية بصورة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية في عدد من المحاور، تتكثف اللقاءات السياسية والإقليمية لرسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، وسط تباين واضح في رؤى الأطراف السودانية والدولية بشأن كيفية إنهاء الصراع.
وبات واضحاً أن المشهد لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية، بل أصبح صراعاً بين مشاريع سياسية مختلفة، لكل منها تصور مغاير لشكل الدولة السودانية ومستقبل العملية الانتقالية.
البرهان يطرح مسارين متوازيين
في أحدث مواقفه، كشف رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن رؤية تقوم على مسارين متكاملين؛ الأول سياسي يضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، والثاني أمني يتعلق بالترتيبات العسكرية وفق مبادئ إعلان جدة، بما يقود – بحسب الرؤية المعلنة – إلى إنهاء الحرب وتفكيك قوات الدعم السريع وإعادة بناء المنظومة الأمنية.
كما شدد البرهان على رفض إشراك أي واجهة سياسية تمثل قوات الدعم السريع في الحوار الوطني، وهو موقف يعكس استمرار تمسك القيادة السودانية بالفصل بين المسار السياسي والترتيبات الأمنية.
رؤى متعددة للحل
في المقابل، تتواصل اللقاءات السياسية داخل السودان وخارجه، حيث تحدث جعفر الميرغني عن أهمية الانتقال من مرحلة الإقصاء إلى مرحلة التوافق الوطني، عبر حوار سوداني شامل لا يستثني أحداً ممن يؤمن بوحدة السودان وسيادته.
وفي الاتجاه نفسه، عاد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إلى البلاد بعد جولة خارجية، في وقت يواصل فيه تحركاته السياسية والدبلوماسية دعماً للجهود الرامية لإنهاء الأزمة.
كما أوضح عضو مجلس السيادة مالك عقار حقيقة ما أثير بشأن وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكداً ضرورة تحري الدقة في تداول مثل هذه المعلومات.
تحرك أفريقي متزايد
دبلوماسياً، يواصل السودان توسيع دائرة تحركاته داخل القارة الإفريقية، حيث التقى سفير السودان في جنوب إفريقيا برئيس برلمان عموم إفريقيا، في إطار شرح تطورات الأزمة وحشد المزيد من الدعم الإفريقي للموقف السوداني.
ويعكس هذا التحرك رغبة الخرطوم في تعزيز حضورها داخل المؤسسات الإفريقية، خاصة مع اقتراب مرحلة قد تشهد ترتيبات سياسية وأمنية واسعة.
نيروبي وأديس أبابا… استمرار الجدل
في المقابل، عقدت قوى “صمود” اجتماعاتها في نيروبي، وأعلنت خارطة طريق جديدة لوقف القتال واستئناف العملية السياسية، مع استمرار الحديث عن انتقال اجتماعاتها لاحقاً إلى أديس أبابا.
غير أن هذه الاجتماعات لا تزال تواجه انتقادات داخل السودان، إذ يرى عدد من المراقبين أن أي مبادرة لن تحقق قبولاً واسعاً إذا لم تعالج بصورة واضحة قضية الحرب، والانتهاكات، ومستقبل قوات الدعم السريع، فضلاً عن ضرورة أن تنطلق من توافق سوداني واسع.
كما أن بعض الأطراف السياسية تبدي تحفظات على استضافة بعض دول الإقليم لهذه الاجتماعات، في ظل ما أوردته تقارير إعلامية ودولية من اتهامات لبعض الدول بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات سبق أن نفتها تلك الدول.
البعد الإقليمي يتسع
وفي الوقت نفسه، تتواصل التقارير الإعلامية حول نشاطات عسكرية قرب الحدود السودانية، إضافة إلى تداول معلومات عن رحلات شحن جوية إلى مناطق النزاع، وهي تطورات تعكس استمرار البعد الإقليمي للحرب، وتؤكد أن استقرار السودان يرتبط بصورة وثيقة باستقرار منطقة القرن الإفريقي بأكملها.
كما لا تزال قضية استخدام الموارد، ومسارات الإمداد، والدعم الخارجي، من أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاشات الإقليمية والدولية حول الأزمة السودانية.
بين التوافق والانقسام
الساحة السياسية السودانية ما تزال تعاني انقساماً واضحاً بين قوى تدعو إلى حوار شامل، وأخرى تتمسك بشروط مسبقة للمشاركة، بينما يرى قطاع واسع من السودانيين أن الأولوية ينبغي أن تكون لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
فأي عملية سياسية لا تحظى بقبول شعبي واسع، ولا تستند إلى توافق وطني حقيقي، قد تواجه صعوبات كبيرة في التطبيق، مهما حظيت بدعم خارجي.
خاتمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها مسارات السياسة مع تطورات الميدان. فبين رؤية رسمية تقوم على مسارين متوازيين للحل، وتحركات سياسية متباينة داخل الإقليم وخارجه، يبقى نجاح أي مبادرة مرهوناً بقدرتها على تحقيق وقف دائم للحرب، وضمان وحدة السودان، واحترام سيادته، وإطلاق عملية سياسية جامعة تعبر عن الإرادة الوطنية، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه التحركات في فتح الطريق نحو سلام مستدام، أم أن تباعد المواقف سيطيل أمد الحرب ويؤجل لحظة الاستقرار التي ينتظرها السودانيون؟


