Popular Now

الكونجرس يسحب ورقة الضغط: جلسة سرية وقانون جديد… هل الهدف إنقاذ الدعم السريع ؟ قراءة تحليلية في تزامن التحركات التشريعية الأمريكية مع تقدم الجيش على الأرض، وحدود فاعلية العقوبات في ظل الانقسام الدولي .. د. خالد حسين محمد

حين يصبح الحوار نفسه جزءاً من أزمة الشرعية .. محمد الخاتم تميم

السردية الكاملة لتهشم كتلة الدعم السريع الصلبة وخوار قواه .. بروفيسور على عيسى عبدالرحمن

سلسلة مقالات استراتيجية (1) إعادة تشكيل مركز الثقل الاستراتيجي للدولة السودانية.. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

يشهد السودان مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، اتسمت بتحولات عسكرية وسياسية عميقة أعادت رسم ملامح المشهد الوطني. فمع استعادة الخرطوم وعودة مؤسسات الدولة إلى ممارسة وظائفها، وتراجع قدرات المليشيا بعد هزائمها في ولايات سنار والجزيرة وأجزاء واسعة من النيل الأبيض، ثم انتقال مركز العمليات العسكرية إلى دارفور وكردفان وإقليم النيل الأزرق، لم تعد القضية مقتصرة على تسجيل انتصارات ميدانية، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال استراتيجي أكثر عمقًا يتعلق بكيفية إعادة بناء الدولة وترسيخ عناصر بقائها واستمرارها.
ويفرض هذا الواقع سؤالاً محورياً: كيف يمكن لنظرية عسكرية صاغها كارل فون كلاوزفيتز في القرن التاسع عشر أن تفسر قدرة دولة تعرضت لضغوط وجودية على الصمود أمام خصم غير نظامي، وأن تقدم في الوقت نفسه إطاراً عملياً لإدارة مرحلة ما بعد التحرير؟
للإجابة عن هذا السؤال، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم مركز الثقل الاستراتيجي كما عرضه كلاوزفيتز في مؤلفه الشهير عن الحرب، إذ عرفه بأنه «مصدر القوة والحركة الذي يعتمد عليه كل شيء». ورغم أن هذا التعريف ظل لعقود طويلة يمثل أحد أهم مرتكزات الفكر الاستراتيجي، فإن كثيراً من التطبيقات العملية تعاملت معه بوصفه مفهوماً مادياً محصوراً في العاصمة أو الجيش النظامي أو الموقع الجغرافي الحاكم، وهو فهم أثبتت الحروب الحديثة محدوديته، ولا سيما في البيئات الهشة التي تواجه تهديدات غير متماثلة.
لقد دفعت دول عديدة ثمناً باهظاً نتيجة هذا الفهم الضيق، إذ ظنت أن حماية العاصمة أو المحافظة على الجيش النظامي تكفي لضمان بقاء الدولة، قبل أن تكتشف أن خصومها تمكنوا من تقويض مصادر قوتها الحقيقية عبر استهداف الإرادة السياسية، وإضعاف التماسك المجتمعي، وتعطيل منظومات اتخاذ القرار، وهي العناصر التي تمثل في مجموعها جوهر مركز الثقل الحقيقي.
غير أن القراءة المتأنية لنصوص كلاوزفيتز تكشف أن نظريته كانت أكثر مرونة وعمقاً مما شاع عنها. فهو لم يحصر مركز الثقل في عنصر واحد، بل اعتبره متغيراً يتبدل وفق طبيعة الصراع، فقد يكون الجيش، وقد تكون العاصمة، وقد يتمثل في التحالفات، أو في شخصية القائد، أو في الإرادة الجمعية التي تمنح الدولة قدرتها على الاستمرار. ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للنظرية، باعتبارها إطاراً تحليلياً ديناميكياً يستوعب تغير البيئات الاستراتيجية ولا يتجمد عند نموذج واحد.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الممكن تطوير مقاربة أكثر ملاءمة لواقع الدول الهشة في القرن الحادي والعشرين، تجمع بين الأساس النظري الذي وضعه كلاوزفيتز ومتطلبات البيئة الأمنية المعاصرة، بحيث يُعاد تعريف مركز الثقل بوصفه نقطة التقاء وظيفية بين القيادة السياسية، والقدرة العسكرية، والشرعية والتاييد الشعبي ، باعتبارها منظومة مترابطة ينتج عنها الفعل الاستراتيجي للدولة. وأي خلل يصيب أحد هذه المكونات ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في المحافظة على توازنها وتحقيق أهدافها.
ويمكن التعبير عن هذه المقاربة من خلال معادلة تحليلية مبسطة، مؤداها أن فاعلية مركز الثقل الاستراتيجي تساوي حاصل تفاعل القوة المادية مع الإرادة السياسية والتماسك المجتمعي، مقسوماً على زمن اتخاذ القرار مضافاً إليه مستوى التشويش الاستراتيجي. ورغم بساطة هذه المعادلة، فإنها تقدم تفسيراً علمياً للتحولات التي شهدتها الدولة السودانية خلال السنوات الماضية.
فقد امتلك السودان، في مراحل مختلفة، قدراً معتبراً من القوة العسكرية والإمكانات المادية، كما توفرت إرادة سياسية للحفاظ على الدولة، غير أن هذه العناصر فقدت كثيراً من فعاليتها بسبب ضعف التماسك المجتمعي الناتج عن تراكمات التهميش والانقسامات، وبطء منظومة اتخاذ القرار نتيجة التمركز الإداري المفرط في الخرطوم، فضلاً عن ارتفاع مستويات التشويش الاستراتيجي الناتج عن التدخلات الخارجية والتعقيدات الإقليمية.
وقد أفضت هذه العوامل مجتمعة إلى إضعاف مركز الثقل الاستراتيجي للدولة، بحيث أصبح أكثر عرضة للاهتزاز مع بداية الحرب في أبريل 2023، حين تعرضت الدولة لاختبار وجودي كشف حجم الاختلالات البنيوية التي تراكمت على مدى سنوات طويلة.
غير أن التطورات اللاحقة أوجدت واقعاً جديداً يفرض إعادة تعريف مركز الثقل بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة. فبعد أن كانت الخرطوم مدينة محاصرة ومسرحاً للقتال، استعادت موقعها باعتبارها القلب المؤسسي للدولة، وعادت إليها أجهزة الحكم ومراكز صنع القرار، الأمر الذي يفتح المجال أمام إعادة بناء نموذج استراتيجي أكثر قدرة على إدارة الدولة واستعادة توازنها.
وانطلاقاً من هذا التحول، يمكن تعريف مركز الثقل السوداني في مرحلته الراهنة بأنه المجال الاستراتيجي الذي تستطيع الدولة من خلاله إسقاط سلطتها وشرعيتها وقدرتها التنفيذية على كامل أقاليمها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تماسكها السياسي والاجتماعي والعسكري.
وبذلك لم تعد أهمية الخرطوم تقاس بعدد المؤسسات التي تحتضنها، وإنما بقدرتها على تحويل القرار المركزي إلى تأثير فعلي يمتد إلى مختلف أنحاء البلاد. فكلما اتسعت مساحة النفوذ الفاعل للدولة، ازدادت قوة مركز ثقلها الاستراتيجي، وكلما انكمش هذا المجال، عادت مظاهر الهشاشة إلى الظهور مهما بدت مؤسسات الدولة قوية من الناحية الشكلية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في حماية العاصمة وحدها، وإنما في بناء منظومة قادرة على ربط المركز بالأطراف، وتحويل الانتصارات العسكرية إلى استقرار سياسي دائم، بما يضمن استعادة الدولة لوظيفتها الوطنية على امتداد الجغرافيا السودانية.

الجمعة الموافق 24/7/2026

المقالة السابقة

السودان بين أزمة الدولار ونهضة المعرفة: (هل يخرج من عنق الزجاجة عبر أبواب الابتكار؟) .. مستشار أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

الحلقة (24) من سلسلة: الحرب على السودان بين التقدم العسكري وصراع الإرادات الدولية.. هل يقترب السودان من مرحلة الدولة الجديدة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *