Popular Now

رَسَنُ حميدتي… إعلانُ النهاية وسقوطُ رهانِ البندقية .. عادل الرفاعي ابوالحسن

سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (31) بين الحراك الدبلوماسي والتصعيد العسكري: هل تقترب الحرب السودانية من منعطف سياسي جديد؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

سلسلة: هندسة السلام .. رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام .. غادة الهادي يوسف أحمد .. أستاذ مساعد – خبيرة في إدارة الكوارث والتنمية الريفية المستدامة، وباحثة في هندسة السلام والتعافي بعد النزاعات

رَسَنُ حميدتي… إعلانُ النهاية وسقوطُ رهانِ البندقية .. عادل الرفاعي ابوالحسن

لم يكن خطاب حميدتي الأخير مجرد موقف عابر، بل حمل في دلالاته إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة قامت على محاولة فرض واقع جديد بالقوة وخارج إطار الدولة. فبعد سنوات من الرهان على السلاح كوسيلة للسيطرة وفرض الأمر الواقع، أصبح واضحاً أن المشروع يقترب من نهايته، وأن ما تبقى ليس إلا محاولة أخيرة للتمسك بما يتهاوى؛ إنها فرفرة المذبوح التي تسبق السقوط.

إن المراحل الأخيرة للمشاريع المنهارة تكون غالباً الأكثر خطورة، لأن من يشعر بقرب النهاية قد يلجأ إلى مزيد من التصعيد والفوضى قبل فقدان القدرة على التأثير. ولهذا فإن مسؤولية الدولة اليوم لا تقتصر على حسم المعركة، بل تمتد إلى الاستعداد لما بعد الانهيار؛ بحماية المواطنين، وترسيخ الأمن، ومنع إعادة إنتاج الفوضى بأي شكل جديد.

إن رَسَنَ حميدتي هو إعلان نهاية مشروع حاول أن يجعل من البندقية بديلاً عن الدولة، ومن القوة بديلاً عن السياسة. ولذلك يجب أن تنتظم مؤسسات الدولة، وأن ينتظم الشعب حول هدف واحد: استعادة الدولة السودانية وحمايتها وبناء مستقبلها.

وفي هذه المرحلة، فإن الوقوف خلف القوات التي تقاتل تحت راية السودان، من القوات المسلحة وكل من يعمل معها في مختلف المحاور، هو وقوف مع مبدأ الدولة وسيادتها، وليس مجرد موقف من معركة عابرة.

لكن سقوط مشروع حميدتي يحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية؛ فهو سقوط للرهان الذي وضعه بعض السياسيين على بندقيته، حين ظنوا أن الطريق إلى السلطة يمكن أن يمر عبر إزاحة خصم سياسي بالقوة، وأن المليشيا يمكن أن تكون أداة لتحقيق أهداف سياسية، حتى لو كان الثمن تدمير الوطن.

لقد ركبوا دبابة المليشيا، واستعاروا بندقيتها، معتقدين أن القوة ستمنحهم ما لم يستطيعوا تحقيقه عبر الشعب والانتخابات. لكن النتيجة كانت كارثية؛ فالبندقية التي ظنوها طريقاً مختصراً إلى الحكم قادت إلى حرب ودمار، وكشفت أن من يستخدم السلاح لهزيمة خصمه قد يخسر وطنه ومستقبله السياسي معاً.

فالخصوم السياسيون لا يُهزمون بالمليشيات، ولا تُبنى الشرعية على أنقاض الدول. الطريق إلى السلطة يكون عبر إقناع الناس، وتقديم البرامج، وخدمة المجتمع، والاحتكام إلى إرادة الشعب. أما محاولة تغيير شكل الدولة بالقوة فهي خطأ تاريخي لا ينتج إلا الخسران.

والدرس الأكبر الذي يجب أن يبقى للأجيال القادمة هو أن الأفكار لا تُمحى بالسلاح، وإنما تُواجه بالأفكار والمشاريع الأفضل. فالاختلاف السياسي طبيعة بشرية، لكن تحويل الخلاف إلى محاولة لإلغاء الآخر هو طريق يقود إلى الخراب.

وفي سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم درس عظيم للبشرية كلها؛ فقد كان منهجه قائماً على الحكمة والرفق والدعوة بالتي هي أحسن، ومع ذلك تكالب عليه خصومه وحاولوا إقصاءه ومحاصرة دعوته والقضاء عليها في بدايتها. لكن التاريخ أثبت أن الحق لا يُهزم بالقوة، وأن المشاريع القائمة على الإلغاء والقهر مصيرها الفشل.

وهذا الدرس لا يخص المسلمين وحدهم، بل هو قانون من قوانين التاريخ؛ فكل من حاول إلغاء الآخرين بالقوة أو هدم المجتمع لتحقيق مكاسب خاصة انتهى إلى الخسران. فالوطن يخسر، والشعب يدفع الثمن، لكن أصحاب هذا الخيار يخسرون أكثر؛ لأنهم يفقدون الهدف الذي سعوا إليه، ويتركون خلفهم إرثاً سيئاً تدرسه الأجيال باعتباره عبرة وتحذيراً.

ولهذا فإن تجربة الرهان على بندقية حميدتي ستبقى درساً للسودان: أن السلطة لا تُصنع بالسلاح، وأن الدولة لا تُبنى بالمليشيات، وأن من يختار طريق الفوضى للوصول إلى الحكم قد يبتعد عن الحكم أكثر مما كان.

واليوم فإن الأولوية ليست لمن يحكم، بل لبقاء الدولة نفسها. وعلى القوى السياسية السودانية أن تدرك أن ما يجمع السودانيين أكبر مما يفرقهم، وأن المرحلة القادمة تحتاج إلى اتفاق على المبادئ الكبرى: وحدة السودان، وسيادته، وأمنه، وبناء مؤسساته.

أما التفاصيل والخلافات السياسية فمكانها الطبيعي بعد استعادة الدولة واستقرارها، عبر حوار وطني واسع يضم الأحزاب والقوى المجتمعية وأهل الفكر والمعرفة، وصولاً إلى مرحلة انتقالية مناسبة تهيئ البلاد لانتخابات حرة يختار فيها الشعب من يحكمه.

إن رَسَنَ حميدتي ليس فقط إعلان نهاية مشروع مسلح، بل إعلان نهاية وهم صناعة السلطة بالبندقية، ونهاية فلسفة استخدام القوة لإلغاء الخصوم. إنها لحظة يجب أن يتعلم منها السودان كله أن الدولة فوق الجميع، وأن السياسة تُمارس بالعقل والإرادة الشعبية، لا بالفوضى والسلاح

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (31) بين الحراك الدبلوماسي والتصعيد العسكري: هل تقترب الحرب السودانية من منعطف سياسي جديد؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *