Popular Now

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (5) ما مستقبل الانسان في عصر الذكاء الاصطناعي .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

وجه الحقيقة | سد مروي… و هندسة التضليل .. إبراهيم شقلاوي

من جهة اخرى .. المبدعون في حضرة (مفضل) .. عبود عبد الرحيم

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (5) ما مستقبل الانسان في عصر الذكاء الاصطناعي .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

لم يعد السؤال الذي يشغل المفكرين في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين هو: إلى أي مدى سيتطور الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر عمقاً: إلى أي مدى سيظل الإنسان إنساناً بعد هذا التطور؟ فالثورات الكبرى في التاريخ لا تقاس بحجم ما أحدثته من ابتكارات تقنية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع والدولة. وإذا كانت الثورة الصناعية قد غيّرت علاقة الإنسان بالطبيعة، والثورة الرقمية قد غيّرت علاقته بالمعلومات، فإن الثورة التوليدية القائمة على الذكاء الاصطناعي تبدو مرشحة لإعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته، وبأسرته، وبمعنى وجوده. ومن هنا فإننا لا نقف أمام مجرد طفرة تقنية، بل أمام منعطف حضاري يعيد رسم الحدود الفاصلة بين الطبيعي والاصطناعي، وبين المعرفة والحكمة، وبين الإنسان والآلة.
وقد أشار أل غور في كتاباته حول الثورة الرقمية إلى أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت بيئة جديدة يعاد داخلها تشكيل الإدراك العام والحقيقة ذاتها. وهذه الفكرة تكتسب اليوم أبعاداً أكثر عمقاً، بعدما أصبحت الخوارزميات تحدد ما يقرأه الإنسان، وما يشاهده، وما يقتنع به، بل وحتى الطريقة التي يفكر بها. ولم يعد الإنسان يبحث عن المعرفة وحده، بل أصبحت المعرفة تبحث عنه، وتلاحقه عبر الشاشات والمنصات، وتعيد تشكيل اهتماماته دون أن يشعر في كثير من الأحيان.
وفي السياق ذاته، يؤكد الفيلسوف الألماني يورغن هبرماس أن المجتمعات الحديثة لا تستقيم إلا بوجود فضاء عام يقوم على الحوار العقلاني الحر. غير أن هذا الفضاء بات يتعرض لتحديات غير مسبوقة في العصر الرقمي، حيث لم تعد المنصات الإلكترونية مجرد أدوات للتواصل، وإنما تحولت إلى وسائط تتحكم في ترتيب الأولويات وصناعة الرأي العام وتوجيه النقاشات. ومع تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، يزداد هذا التحدي تعقيداً، لأن إنتاج النصوص والصور والأفكار لم يعد حكراً على الإنسان، بل أصبح جزءاً من وظيفة الآلة، الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في مفهوم الحقيقة ذاته، وفي مصادر الثقة والمعرفة داخل المجتمع.
ومن زاوية أخرى، تبدو مقولة المفكر علي عزت بيغوفيتش أكثر راهنية من أي وقت مضى عندما أكد أن الإنسان لا يُختزل في كونه كائناً بيولوجياً أو اقتصادياً، وإنما هو كائن أخلاقي وروحي يبحث عن المعنى قبل المنفعة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج ملايين الكلمات في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يختبر الألم، أو يعرف الرحمة، أو يشعر بالمسؤولية الأخلاقية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين العقل الحسابي والعقل الإنساني؛ فالأول يقيس الكفاءة، بينما الثاني يوجد القيم.
ويتقاطع هذا التصور مع رؤية مالك بن نبي الذي اعتبر أن أزمة الحضارات لا تبدأ من نقص الوسائل، وإنما من أزمة الأفكار. فالمجتمع الذي يمتلك أحدث التقنيات دون منظومة أخلاقية وفكرية راسخة قد يتحول إلى مجتمع غني بالأدوات، فقير بالغايات. ولعل هذا ما نلمسه اليوم في عالم تتسارع فيه الابتكارات بوتيرة مذهلة، بينما تتراجع فيه مؤشرات الثقة الاجتماعية، وتزداد مشاعر الوحدة، وتتراجع الروابط الأسرية في كثير من المجتمعات.
أما المفكر عبد الوهاب المسيري فقد حذر مبكراً من تحول الإنسان في الحضارة الغربية المادية إلى إنسان وظيفي ، يُقاس بما ينتجه لا بما يحمله من قيم. وإذا كانت هذه الفكرة قد طُرحت في سياق نقد الحداثة الغربية، فإنها تبدو أكثر حضوراً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الإنسان مهدداً بأن يُقاس وفق البيانات التي ينتجها، والخوارزميات التي تتنبأ بسلوكه، لا وفق إنسانيته أو خصوصيته الأخلاقية.
ولا يبتعد هذا التحليل كثيراً عن منطق القوة الذي يقدمه جون ميرشايمر في العلاقات الدولية، وإن كان في سياق مختلف. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على الجيوش والاقتصاد، بل امتدت إلى امتلاك البيانات، والخوارزميات، والبنية الرقمية، والقدرة على تشكيل الإدراك الجمعي. إن من يملك مفاتيح الذكاء الاصطناعي لا يمتلك سوق التكنولوجيا فحسب، بل يمتلك أدوات التأثير في التعليم، والإعلام، والثقافة، وأنماط التفكير، وهو ما يجعل الصراع العالمي المقبل صراعاً على العقول والصراع على الموارد فى ان واحد .
ومن هذه الزاوية، يصبح مستقبل الفرد والأسرة أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. فالأسرة لم تعد تواجه تحديات اقتصادية أو اجتماعية فقط، بل أصبحت تواجه منافساً جديداً يدخل البيوت دون استئذان، ويتحدث إلى الأبناء أكثر مما يتحدث إليهم آباؤهم، ويجيب عن أسئلتهم قبل أن يفكروا في طرحها على معلميهم، ويقترح عليهم ما يشاهدونه، وما يقرؤونه، بل وما يعتقدونه أحياناً. وهكذا تتحول الخوارزميات تدريجياً إلى شريك خفي في عملية التنشئة الاجتماعية.
ولعل أخطر ما تتركه هذه التحولات ليس العزلة في حد ذاتها، وإنما إعادة تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالآخرين. فكلما ضعفت الروابط الاجتماعية المباشرة، وازدادت هيمنة العالم الافتراضي، اتجه الإنسان إلى إعادة تعريف هويته بعيداً عن الأسرة والمجتمع المحلي، ليرتبط أكثر بالشبكات الرقمية العابرة للحدود. وعندها تتعاظم النزعة الفردية، ويصبح الفرد مشروعاً مستقلاً يعيد ترتيب أولوياته وفق منطق المنفعة الشخصية أكثر من التزامه بالمسؤولية الجماعية.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الإنسان لا يعيش بالسرعة وحدها، ولا بالمعلومات وحدها. فكلما اتسعت دوائر العولمة، ازداد بحث الإنسان عن جذوره، وكلما تعاظمت قوة الشبكات العالمية، ازدادت حاجته إلى الدين والثقافة والهوية والذاكرة التاريخية. ومن هنا يمكن فهم عودة الاهتمام بالدين والقيم والهويات الحضارية في م
المجتمعات الغربية الحديثة ، لا باعتبارها رفضاً للحداثة، بل باعتبارها محاولة لاستعادة التوازن الذي أحدثته الحداثة الرقمية.
وإذا حاولنا أن نستشرف ما يضمره المستقبل، فإننا سنجد أنفسنا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول يتمثل في هيمنة الخوارزميات، حيث تصبح الآلة المرجع الأول للتعلم، والعمل، والعلاقات، واتخاذ القرار. وفي هذا العالم قد تزداد الإنتاجية بصورة غير مسبوقة، لكن في المقابل قد تتراجع الروابط الأسرية، ويتسع الشعور بالوحدة، ويصبح الإنسان أكثر اتصالاً بالشبكات، وأقل تواصلاً مع البشر.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التوازن الحضاري، وفيه تنجح الدول والمجتمعات في بناء منظومة تشريعية وأخلاقية تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي، وتعيد دمجه في خدمة الإنسان، لا في توجيهه. وفي هذا النموذج تصبح التربية الرقمية جزءاً من التربية الأسرية، وتتحول المدارس إلى مؤسسات لتعليم التفكير النقدي، لا مجرد نقل المعلومات، بينما تُعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة على أساس التكامل لا الإحلال.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر طموحاً، فيقوم على نهضة إنسانية جديدة تجعل الذكاء الاصطناعي امتداداً لقدرات الإنسان لا بديلاً عنه. ففي هذا العالم تُسخر الخوارزميات لتعزيز الإبداع، وتحسين جودة التعليم، ودعم الأسرة، وتطوير الخدمات الصحية، بينما تبقى القرارات الأخلاقية والإنسانية في يد الإنسان نفسه. وهو سيناريو يتطلب مشروعاً حضارياً يعيد الاعتبار للقيم قبل التقنيات، وللإنسان قبل السوق.
إن الأسرة ستظل، مهما تطورت التكنولوجيا، المؤسسة الوحيدة القادرة على غرس الرحمة، وصناعة الضمير، وتعليم معنى المسؤولية والانتماء. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح للأبناء معنى الصدق، لكنه لا يستطيع أن يجعلهم يعيشونه. ويستطيع أن يصف مشاعر الحب، لكنه لا يستطيع أن يمنحهم دفء العائلة، ولا أن يعوض غياب الأب أو الأم، لأن التربية ليست معلومات تُنقل، وإنما تجربة إنسانية تُعاش.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي في العقود المقبلة لن يكون على امتلاك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما على امتلاك أقوى منظومات القيم القادرة على توجيه هذه النماذج. فالتاريخ لا يتذكر الأمم التي امتلكت الأدوات فقط، بل يتذكر الأمم التي عرفت كيف تستخدمها في خدمة الإنسان.
وربما يكون السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد نصف قرن ليس: من أنتج أكثر النماذج الذكية تطوراً؟ بل: أي الحضارات نجحت في حماية إنسانها من أن يتحول إلى مجرد كيان رقمي؟ فالثورة الصناعية صنعت الإنسان العامل، والثورة الرقمية صنعت الإنسان المتصل، أما الثورة التوليدية فقد تصنع الإنسان القابل للاستبدال، إذا لم تتمكن الأسرة، والتعليم، والثقافة، والدين، والدولة من إعادة تثبيت الإنسان في مركز المشروع الحضاري.
إن المستقبل لا يكتب الآن في مختبرات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل يُكتب أيضاً داخل البيوت، وفي المدارس، والجامعات، ومراكز الفكر، والمؤسسات الثقافية. فإما أن تنجح الإنسانية في أن تجعل الذكاء الاصطناعي خادماً للقيم، وإما أن تسمح للقيم بأن تصبح مجرد متغيرات داخل الخوارزميات. وعندها لن تكون الأزمة أزمة تقنية، وإنما أزمة حضارة فقدت بوصلتها، وإنسان صنع أعظم أدواته، ثم وجد نفسه يبحث عنها في المرآة الرقمية التي صنعها بيديه.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | سد مروي… و هندسة التضليل .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *