وانتهت أسطورة اكبر عملية إنقلاب تشهدها أفريقيا
هكذا انتقل الدعم السريع من القوّة إلى الهوّة بعد أن مر بمراحل السقوط الحر المتسارعة .
هكذا انتقل الدعم السريع من العزة إلى الفزة .
وفقا لتقديرات الأرض فإن السودان الآن من المفترض أن يكون تحت حكم الدعم السريع وسيطرته التامة ولكن للسماء تقديراتها ، فبكل الحسابات العسكرية وحساب تقدير الموقف العسكري فموازين القوة في صالح الدعم السريح من حيث العنصر البشري المقاتل والعتاد العسكري والسيطرة على النقاط الاستراتيجية بالعاصمة.
فشل الجنرال حميدتي في إنقلابه على البرهان علي الرغم من حصوله علي ما يقدر بنسبة 100% من مقومات نجاح عملية الإنقلاب المعروفة عالميا ومحليا ومن خلال تجارب الانقلاب في السودان ، والمتمثلة في (تسليم وتسلم الجنرال عبود وتجربة الجنرال النميري من خور عمر ومن كرري وتجربة انقلاب البشير ) ، لا توجد أدنى مقارنة بين جاهزية الدعم السريع للإنقلاب وجاهزية الانقلابات العسكرية السابقة ، فقد امتلك الدعم السريع القوة الكاملة للتنفيذ .
تمت سيطرة الدعم السريع على القصر الجمهوري وقصر الضيافة وجزء من القيادة العامة وكل المنطقة العسكريّة المركزية وجبل أولياء العسكرية وحوصرت منطقة ام درمان العسكرية وبحري والمدرعات وتمت السيطرة على مطار الخرطوم الدولي وكل الجسور التي تربط العاصمة المثلثة وعددها (11) جسرا (من أقصى جنوب ولاية الخرطوم جسر جبل أولياء الى أقصى شمال الولاية جسر الحلفاية) ، وتم الاستيلاء على ست محليات بولاية الخرطوم من أصل سبع وبقيت محلية كرري التي حوصرت من الجنوب والشرق والغرب وأصبحت كرري تحت رحمة الدعم السريع من كل حدب وصوب وتحت تدوين الراجمات والهاونات .
تمت السيطرة على الإذاعات والقنوات الفضائية ( التلفزيون القومي والنيل الأزرق والخرطوم والشروق وطيبة والمساء وفضائية البلد واذاعة أم درمان واذاعات FM والتي تنتشر في العاصمة وتتجاوز العشر إذاعات ) هذه كلها مواعين إعلامية في قبضة الدعم السريع وبأقل مجهود يمكن أن تدعم المجهود القتالي للدعم السريع وتوجه الرأي العام الوطني والعالمي ، هذا هو الواقع الأليم على مستوى ولاية الخرطوم حيث الرئيس ينوم والطيارة تقوم وتنطلق الإنقلابات عادة فتنجح أو تفشل .
*دور العوامل الغيبية في هزيمة الدعم السريع*
1 *.نصر الله المقدر للقوات المسلحة ومسانديها*
استنادا على مقومات نجاح إنقلاب الدعم الدعم السريع ومع ذلك فشلت عملية الانقلاب التي نفذها الجنرال حميدتي نصل الى جقيقة أن قدرة الله وحدها هي التي عطلت كل مقومات نجاح هذا الإنقلاب لتفشل حسابات الأرض ويصدق قوله تعالى (وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(10) الأنفال .
فمن نافلة القول ، فكل الانقلابات العسكرية التي نجحت في السودان لم تتوفر لها ولو جزء يسير من هذه المقومات) .
صحيح فقد تحصل الدعم السريع علي معينات الإنقلاب هذه عن طريق وضع اليد دون بذل مجهود يذكر ، ولكنه فشل في استثمار هذه المعينات ليحقق حميدتي حلم حكم السودان وينهار المخطط وينتهي الطموح ، ليبدأ جنرال الغفلة في مسيرة العد التنازلي والبحث عن الخلاص من هذه الورطة التي أقحم نفسه فيها وفقد بموجبها كل شئ، وتنتهي بذلك أسطورة نهاية اكبر عملية إنقلاب وحركة تمرد تشهدها قارة أفريقيا والعالم ، والأمر يحتاج لدراسات وبحوث لتقييم كيف خرج حميدتي من مولد الإنقلاب بلا حمص . وصدق الله العظيم القائل ( قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (26) آل عمران ، لنزداد بذلك إيمانا بأن هزيمة الدعم السريع يعود الفضل فيها إلى الله في المقام الأول ثم التدابير الأخرى .
2.*دور دعوات المواطن في تشتيت شمل الجنجويد*
جاء في الحديث «اتقوا دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمَامِ، يقولُ اللهُ -جلَّ جلالُهُ-: وعِزَّتي وجَلالي لَأَنْصُرَنَّكَ ولو بعدَ حِينٍ».
رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم: (3718)،
فقد أخزى الله الدعم السريع وقبل الله دعاء المواطن المستضعف على الدعم السريع مما عجل بنهاية الدعم السريع ، لأن دعاء المواطن الذي ينطلق من المساجد والمصليات وتضرع النساء ودموع الأطفال كلها ليس بينها وبين الله حجاب فتسببت في انهيار الدعم السريع الذي خسر المواطن الذي يدعي أنه يقاتل من أجل مصلحته، فتعرض المواطن منه إلى القتل والاغتصاب الموثق وتعرض الى التعذيب واستباحة سائر الممتلكات، ومنع المواطن من التنقل وتعرض للتجويع والافقار وكل ذلك حمل المواطن إلى كره الدعم السريع، ليفقد الدعم السريع المواطن الذي يدعي أنه يقاتل من أجله ولتلحق الهزيمة به .
*الأسباب الذاتية (الداخلية) التي أدت إلى انهيار الدعم السريع*
*عدم وضوح أهداف الحرب لمقاتلي الدعم السريع*
قوات الدعم السريع هي القوات الوحيدة على وجه الأرض تقاتل دون معرفة الأهداف التي من أجلها تقاتل، فقد قاتلت في الأيام الأولى بهدف جلب الديمقراطية، ومالبث أن تحول الهدف إلى جلب الفلول ثم تحول الهدف إلى جلب المنهوبات ثم تحول إلى جلب الدولة الحديثة البديلة لدولة 56 وهم الآن بلا هدف محدد يقاتلون من أجلة فقد نفدت كل بنوك الأهداف .
الحرب التي لا هدف لها هي حرب عبثية لذلك وجهة بعض عقلاء الدعم السريع يرون هذه الحرب من هذا المنطلق، فتبعهم الكثيرون لذلك كثرت ظاهرة الاستسلام من قبل قوات الدعم السريع الى القوات المسلحة ومنهم من هرب حتى أصبح الهروب والاستسلام ظاهرة داخل الدعم السريع بوتيرة منتظمة ومتوالية هندسية مما ينذر تماما بالانهيار الشامل للدعم السريع.
*متلازمة الغباء العملياتي للدعم السريع*
اللمجهود العملياتي الذي قامت به القوات المسلحة والقوى المساندة لها ، له الدور في تهشيم كتلة الدعم السريع الصلبة وذلك استنادا على متلازمة الغباء المتمثلة في إصرارالدعم السريع السيطرة على مناطق عسكريّة محصّنة كالمدرعات التي هجم عليها أكثر من مائة مرة وخسر الآلاف وسلاح الإشارة والقيادة العامة والمهندسين وحامية بابنوسة والأبيض والفاشر التي هجم عليها مئات المرات ليخسر في كل هذه الهجمات .
كل هذه المناطق العسكريّة أفقدته عشرات الآلاف من الأفراد والقادة وكان هذا وحده حاسما في تراجع وانهيار الدعم السريع ، لقد فقد القيادة والسيطرة وأصبح في جزر معزولة مفتقرة الي اي قيمة عسكرية في معظمها لينحشر في إقليم دارفور وغرب كردفان .
*النفس القصير لدى مقاتلي الدعم السريع*
من المعروف ان نقطة ضعف الدعم السريع ضعف التحمل، فهو مهيئ على خوض معارك لاحرب فالحرب تتضمن مجموعة معارك ونتائجها عادة عمل تراكمي دونه الصبر والانضباط، بينما هؤلاء لا انضباط لديهم ولا صبر، فعملياتهم الحربية قائمة على الإغارة وحرق الفرقان والنهب ومغادرة أرض المعركة بأسرع وقت ممكن، بحثا عن منهوبات جديدة.
فالذين جبلوا على هذا التكيف ينهارون عندما تتحول المعارك إلى حروب مستدامة ونفس طويل، هنا تبرز ظاهرة عدم الانضباط وتتحول المعركة بينهم وتتوجه فوهات البنادق الى بعضهم البعض ، فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، وكثيرا ماشاهدناهم يشتبكون فيما بينهم .
القوات المسلحة وبما لديها من انضباط ونفس طويل هي الأقرب إلى النصر في مثل هكذا مواجهة، وأي إطالة للمواجهة هي حتما في صالح القوات المسلحة.
*غرور الدعم السريع أورده المهالك*
يظل الغرور هو أحد أهم العوامل التي أدت إلى انهيار التمرد، فكما قال الصحابة يوم حنين لن نهزم عن قلة، واخذ بهم الغرور مأخذا بعيدا، ثم ولوا مدبرين وهزموا شر هزيمة بسبب هذا الغرور وبعد أن وعوا الدرس وبعد أن أعاد تنظيمهم الرسول (الراكز)، انتصروا في الجولة الثانية، وشتان ما بين قوات الدعم السريع الفاسقة وجيش الصحابة المجاهد.
لقد اخذ الغرور قوات الدعم السريع أي مأخذ فقد اغتروا بعديدهم الذي تفوق على القوات المسلحة فعليا بولاية الخرطوم بكل مناطقها العسكرية وتفوق كذلك في التسليح والمركبات والروح المعنوية وإرادة القتال وهم يطلقون على أنفسهم ( الأشاوس والجاهزية) وكلها صفات تعبر عن القيم بينما هم يفتقرون إلى هذه المعاني .
لقد كانت جرائم الدعم السريع التي ارتكبها ضد المواطن إنما هي انعكاس لهذا الغرور فعاقبهم الله بالهزيمة ولم تغن عنهم عدتهم وعتادهم شيئا، فهزموا وأصبحوا جزرا متقطعة معزولة وأصبحوا كغثاء السيل.
*لجوء الدعم السريع الى خزعبلات (جحا) في التضليل الإعلامي*
من أسباب انهيار الدعم السريع ذاك الزيف والتضليل الذي أصبح واقعهم المعاش، فهم في سبيل تضليل المواطن السوداني يضللون أنفسهم بأنفسهم عبر منصات إعلامهم و(لايفاتهم )ومن خلال مستشاريهم عبر الفضائيات فيصدقون أكاذيبهم ويطمئنون على هذا الواقع الافتراضي القائم على انتصارات وانسانيات زائفة خادعة مضللة، شأنهم في ذلك شأن (جحا) وكما تقول الاسطورة فقد ضلل الناس بوجود وليمة جامعة وما لبث ان صدق هذا الضلال وهو يرى المدعوين ذهابا وإيابا نحو مكان الوليمة فصدق ضلاله ليذهب هو الآخر إلى الوليمة التي لم يجد فيها سوى سراب تضليله .
*الموقف المالي للدعم السريع وأثره علي مسار العمليات والمقاتلين.*
(إضاءات من المحلل الاستراتيجي الدكتور النور صباح 17/2/2024)
*أولا مصادر الدخل للدعم السريع قبل الحرب*
1.الدهب وتصديره وكالة عن الدولة ( شركة الفاخر) مع وجود خط موازي لتهريب الدهب.
2.كانت الدولة متكفلة بكل المرتبات للقوات، 118 الف وظيفة اضيفت في عهد الوزير البدوي.
3.شركات تجارة في كل شئ، تصدير محاصيل وثروة حيوانية واستيراد المحروقات وكل احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية وتم هذا كعطاء بالامر المباشر من وزير المالية البدوي مع شركة الفاخر التابعة للدعم السريع.
4.اتفاقات مع الاتحاد الاوربي لمكافحة الهجرة غير الشرعية ب 80 مليون دولار شهريا.
5.بنوك تابعة للدعم السريع وشراكات في شركة زادنا والتصنيع الحربي وجياد وبنك المزارع وتمويل المواسم الزراعية وشراء التقاوي والاسمدة وتوفير الوقود لكل القطاع الزراعي في السودان.
6.شركات خاصة تابعة للعائلة أكبرها شركة الجنيد وعدة شركات أخري.
اموال حميدتي السائلة كانت ارصدة وودائع في البنوك السودانية وارصدة في بنوك دول اقليمية ودول بعيدة كروسيا كان يهرب اليها الذهب.
*ثانيا: بعد الحرب*
1.انقطع دعم الدولة من مرتبات وتسيهلات.
2.انقطع التعامل باسم الدولة من استيراد وتصدير واتفاقات.
3.تم مصادرة جزء من الارصدة وتجميدها داخل السودان.
4.بعض الملاذات الخارجية والافراد استغلوا الفرصة وقرصنوا ما تحت ايديهم من اموال بحجج متعددة.
5.ضربت سلاسل تهريب الذهب التي كانت تحميها فاغنر، ضربتها القوات الخاصة الاوكرانية .
6.تم ضرب وتدمير مناجم الذهب في عدة مناطق وانخفض الانتاج للحد الادني.
الحرب أتت بتكاليفها واضطر حميدتي الي شراء اسلحة وذحائر وطبعا في مناخ الحرب تم الشراء عبر طرق ملتوية وباسعار مضاعفة .
7.اضطر حميدتي للدفع واشتري مضادات طيران وصواريخ ارض جو ومنظومات طيران مسير وذخائر نوعية.
8.دفع الدعم كثيرا للعمل الاعلامي وشراء الناشطين والابواق والتكفل بمصاريفهم
9.دفع كثيرا لشراء سياسيين ومسؤولين إقليميين ودفع لموظفين كبار في منظمات اقليمية وحتي دفع لأنظمة لتساعده سياسيا وتدافع عن موقفه .
10.دفع لشركات علاقات عامة دولية لتحسين صورته وصورة حلفائه
11.ولازال يدفع لتعويض المركبات والاسلحة والذخائر والعلاج والدواء مع استمرار الدفع للابواق الاعلامية والسياسية.
بالمقابل الدخل الذي حصل عليه يتمثل في الآتي
أ.منهوبات من العملة المحلية من البنوك السودانية وبعض العملات الأجنبية، نصف هذه المنهوبات لم يصل الي الدعم السريع واحتفظ به الجنود والقادة لانفسهم.
ب.ماتم نهبه من بيوت المواطنين من اموال وسيارات وذهب لم يصل للدعم السريع..
ج.لم يحصل علي اي دخل مؤسسي من الولايات الواقعة تحت سيطرته، لاضرائب، لارسوم خدمات ولا اي تحصيل بصورة نظامية ومنتظمة.
*لجأ الدعم السريع الي عدة حيل للحصول علي المال :*
1.الضغط علي شركات الإتصال لتدفع له اتاوه مقابل عدم فصل الخدمة باعتبار الشركات تربح كثيرا وباعتبار ان اي تعطيل للخدمة يكلف ملايين الدولارات اسبوعيا ولم ينجح بدليل فصل الخدمة.
2.لجأ ايضا الي تعطيل بترول جنوب السودان او الدفع مقابل الحماية ولا اعتقد ان دولة جنوب السودان ستقبل بذلك لان هذا يضعها في مواجهة الدولة السودانية مستقبلا ويبدو ايضا انه لم يحصل علي شئ بدليل اغلاق محطة الضخ في العيلفون وتسرب خام البترول وحدوث انسدادات في الخط الناقل.
3.ايضا حاول مخاطبة المجتمع الدولي للوصول لاتفاق اغاثي يوفر له تموينا لقواته وللمتعاطفين معه في مناطق سيطرته وهو اتفاق لم يتم حتي الان.
4.لاننسي ولا نهمل ان هناك من الأعداء من سيدفع للدعم السريع بسخاء نكاية في السودان ويقدمون له المال والسلاح والذخيرة ولكنه لن يجد في يده مالا كما هو الحال قبل الحرب عندما كان جزء من الدولة.
النتيجة الحتميّة لهذا الواقع تمثلت في تسرب مقاتلي الدعم السريع بسبب قلة عدم المرتبات وقلة المنهوبات وماذا ينتظر الدعم السريع غير الانهيار .(المرجع السابق(إضاءات من المحلل الاستراتيجي
للمزيد الدكتور النور صباح .


