> أنا حر يا زوربا…
> «كلا… لست حرًا، كل ما في الأمر أن الحبل المربوط على عنقك أطول قليلًا من حبال الآخرين.»
من أجمل ما تركه نيكوس كازانتزاكيس في زوربا اليوناني أن الحرية ليست مجرد القدرة على الحركة، بل القدرة على قطع الحبل الذي يقيدك.
وأحيانًا، لا يكون الحبل سودانيًا بالمعنى الحرفي… لكنه يكون اقتصادًا، أو فقرًا، أو جوعًا، أو اعتمادًا على الخارج، أو عجزًا عن إنتاج ما نأكل.
وهنا، ونحن نتابع ما أُعلن عن قرار المحكمة السودانية بمصادرة أموال وممتلكات قوات الدعم السريع والشركات التابعة لها لصالح الحكومة، لا أريد أن أتوقف طويلًا عند سؤال: ماذا صودر؟ بل أريد أن أذهب إلى السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بما استُرد؟
فالمال المسترد يمكن أن يكون مجرد أصول تُضاف إلى خزائن الدولة، ويمكن أن يكون بداية لفكرة أكبر بكثير: تحويل جزء من أموال الحرب إلى رأس مال لإعادة بناء السودان.
وهنا أقترح أن نعيد طرح فكرة طالما دافعت عنها في دراساتي حول الصناديق السيادية: لماذا لا يُنشأ صندوق سيادي سوداني للنهضة الزراعية، تكون مهمته تحويل الموارد المستردة، وفق الأطر القانونية والمالية، إلى أصول إنتاجية طويلة الأجل؟
لا صندوقًا يستهلك المال…
بل صندوقًا يصنع المال.
تخيلوا أن نأخذ أصلًا ماليًا مستردًا من اقتصاد الحرب، ثم نحوله إلى مشروع ري حديث، أو محطة طاقة شمسية لمشروع زراعي، أو مركز للزراعة الدقيقة، أو مصنع للفرز والتعبئة والتصنيع الغذائي، أو منظومة تخزين وتبريد، أو منصة رقمية تربط المزارع بالسوق.
هنا فقط يتحول المال من ذاكرة للحرب إلى أداة للسلام.
والسودان ليس بحاجة إلى اختراع معجزة من الصفر. فلدينا الأرض، والمياه، والمناخ المتنوع، والخبرة الزراعية، والموقع الجغرافي، والأسواق القريبة. وما ينقصنا في كثير من الأحيان ليس المورد، بل إدارة المورد. وحتى الاستراتيجيات الزراعية السودانية السابقة تحدثت عن تحديث النظم الزراعية وزيادة الإنتاجية وتطوير البنية التسويقية والمعرفية.
لكن علينا أن ننتقل من زراعة القرن الماضي إلى زراعة القرن الحادي والعشرين.
زراعة تستخدم الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد، والطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وأجهزة قياس رطوبة التربة، والري الذكي، والتنبؤ بالمحاصيل، وسلاسل الإمداد الرقمية.
فالعالم لم يعد يسأل فقط: كم فدانًا نملك؟
بل يسأل: كم ينتج الفدان؟ وكم يستهلك من الماء؟ وكم تبلغ تكلفة إنتاجه؟ وكم تبلغ قيمته بعد التصنيع؟
وهنا يعود بنا الأمر إلى مقال الأمس. قلنا إن أخطر ما بعد الحرب ليس فقط ما خلفته البنادق، وإنما الوحوش التي قد تخرج من بين الركام: خطاب الكراهية، والانتقام، والاقتصاد الأسود، وتطبيع الفوضى، وتحويل الخصومة السياسية إلى خصومة اجتماعية دائمة.
والحل ليس أن نطيل الحبل بل أن نقطعه.
نقطع حبل الفقر بالإنتاج، وحبل الجوع بالزراعة، وحبل التبعية بالتصدير، وحبل البطالة بالاستثمار، وحبل هشاشة الدولة بمؤسسات قوية، وحبل الاقتصاد الحربي باقتصاد مدني منتج.
وهنا أيضًا أرى أن الحديث عن دور المؤسسة العسكرية في حماية السودان يجب أن يتجاوز المعنى العسكري الضيق.
فالسيادة ليست أن نحمي الحدود فقط.
السيادة أن نملك قرارنا الغذائي، وقرارنا الاقتصادي، وقرارنا في مواردنا.
الجندي يحمي الحدود، لكن المزارع يحمي السيادة الغذائية.
والمهندس يحمي البنية التحتية.
والباحث يحمي المعرفة.
ورجل الأعمال الوطني يحمي دورة رأس المال.
والمؤسسة القوية تحمي المال العام من أن يتحول إلى غنيمة جديدة.
لقد آن للسودان أن ينتقل من سؤال: من انتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سنبني بعد أن تتوقف الحرب؟
فإذا كانت الدولة تستعيد أموالًا وممتلكات ارتبطت بمنظومة الحرب، فليكن طموحنا أكبر من مجرد المصادرة.
لنسترد المال… ثم نسترد المستقبل.
ولنجعل من كل جنيه مسترد بذرة، ومن كل أصل مصادَر مشروعًا، ومن كل مورد معطّل قيمة مضافة، ومن كل فدان مساحة للإنتاج، ومن كل موسم زراعي خطوة نحو الاستقلال.
فالحرية التي نبحث عنها ليست أن يكون حبلنا أطول من حبال الآخرين.
الحرية الحقيقية أن نقطع الحبل تمامًا وعندها فقط، ربما يستطيع السودان أن يقول لزوربا:
> أنا حر… لأنني لم أعد أعيش على ما ينتجه الآخرون، ولم أعد أنتظر أن ينقذني أحد، ولم أعد أخاف من الغد… لأنني بدأت أصنعه.
وهذه هي رؤية الجسر والمورد:
أن نحول موارد السودان من أسباب للصراع إلى جسور للسلام، ومن ثروات خام إلى قيمة مضافة، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد المستقبل.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يحمي أرضه… بل إلى من يجعل هذه الأرض قادرة على إطعام أهلها وصناعة قوتها وحماية قرارها.


