ليس السودان بلداً فقيراً في العقول، ولا شحيحاً في المتعلمين، ولا خالياً من أصحاب الخبرة والتخصص. على العكس، فقد ظل السودان بلداً غنياً بالعلماء والمثقفين والأكاديميين وأصحاب الخبرات، وخرّج أجيالاً من الكفاءات التي أسهمت في بناء مؤسسات داخل السودان وخارجه.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: كم نعرف؟
بل: ماذا فعلنا بما نعرف؟
هنا تكمن واحدة من أهم فجواتنا التنموية.

فقد نقرأ كتاباً في القيادة، ونحفظ نظريات التحفيز، ونتحدث عن الإدارة الحديثة، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والذكاء العاطفي، وإدارة التغيير والتنمية المستدامة، ثم نعود إلى واقعنا فنمارس الإدارة بالطريقة ذاتها التي كنا نمارسها قبل أن نقرأ كل تلك الكتب.
المشكلة إذن ليست بالضرورة في نقص المعرفة، وإنما في الفجوة بين المعرفة والتطبيق؛ أي في تلك المسافة التي تفصل ما نعرفه عما نفعله.
عندما تصبح المعرفة غاية
القراءة في أصلها فعل نبيل، والمعرفة شرط أساسي لأي نهضة، ولا يمكن أن يكون نقدنا موجهاً إلى القراءة أو التعليم. إنما القضية تبدأ عندما تصبح المعرفة غاية في ذاتها، ويصبح امتلاكها مصدراً للشعور بالتميز، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحسين الواقع.
قد نقرأ عشرات الكتب، ونقتبس منها، ونناقش نظرياتها، ونضيف عناوين جديدة إلى مكتباتنا، وربما نحصل على شهادات ودرجات علمية متقدمة، ثم لا ينعكس كل ذلك بصورة واضحة على طريقة إدارتنا، أو قراراتنا، أو علاقاتنا، أو قدرتنا على حل المشكلات.
وقد يتحول الكتاب، في هذه الحالة، من أداة للتغيير إلى مجرد رصيد معرفي شخصي.
قد يقرأ الإنسان عشرات الكتب في القيادة، لكنه لا يستطيع التفويض.
وقد يتحدث طويلاً عن الذكاء العاطفي، لكنه يفقد أعصابه عند أول اختلاف.
وقد يعرف أهمية العمل الجماعي، لكنه يحتكر القرار.
وقد يتحدث عن التغيير، لكنه يقاوم كل فكرة جديدة تمس أسلوبه المعتاد.
هنا لا تكون المشكلة في غياب المعرفة، وإنما في عدم انتقال المعرفة من العقل إلى السلوك.
من المعلومة إلى الأثر
المعرفة لا تصل إلى أثرها النهائي دفعة واحدة، وإنما تمر برحلة متدرجة:
معلومة ← معرفة ← فهم ← تطبيق ← مهارة ← قناعة ← سلوك ← أثر
المعلومة تخبرنا، والمعرفة توسّع إدراكنا، والفهم يمنحنا القدرة على التفسير، والتطبيق يختبر ما تعلمناه، والتكرار يصنع المهارة، والمهارة المدعومة بالقناعة تتحول إلى سلوك، والسلوك حين يتحول إلى ممارسة فردية وجماعية يصنع أثراً.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المعرفة.
فالمعلومة وحدها لا تصنع تنمية، والمعرفة وحدها لا تصنع أداءً، والفهم وحده لا يغير الواقع.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحرك المعرفة من العقل إلى الفعل، ومن الفعل إلى المهارة، ومن المهارة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الأثر.
أما إذا توقفت الرحلة عند القراءة والحفظ والحديث، فإننا نمتلك عقولاً ممتلئة، لكن المجتمع قد لا يرى ثمرة هذا الامتلاء.
عندما تصبح المكتبة نسخة من العقل
ربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله القراءة أن تغير شيئاً فينا.
لكننا أحياناً نقع في وهم معرفي يجعلنا نشعر أننا نتقدم لمجرد أننا نقرأ.
نقرأ كتاباً، ثم نقرأ آخر، ثم نحضر محاضرة، ثم دورة، ثم نضيف شهادة جديدة إلى سيرتنا الذاتية، ونشعر أن رصيدنا المعرفي يتعاظم.
لكن ماذا عن السلوك؟
هل أصبحنا أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟
هل أصبحنا أكثر انضباطاً؟
هل تحسنت قدرتنا على إدارة الآخرين؟
هل أصبحنا أكثر قدرة على الاستماع؟
هل تغيرت طريقة تعاملنا مع الاختلاف؟
هل أصبحت مؤسساتنا أفضل؟
هنا تظهر المفارقة:
قد نضيف نسخة جديدة من الكتاب إلى مكتبتنا، بينما نضيف نسخة أخرى من الكتاب نفسه إلى عقولنا، دون أن نضيف شيئاً جديداً إلى واقعنا.
وهذه ليست مشكلة القراءة، بل مشكلة الاكتفاء بالقراءة.
التدريب: الجسر بين المعرفة والممارسة
من هنا تأتي أهمية التدريب، ولكن ليس التدريب بمفهومه التقليدي القائم على نقل المعلومات.
فالتدريب الحقيقي هو الجسر الذي يعبر بالمعرفة من العقل إلى الأداء.
ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال الأساسي للمدرب:
ماذا سأعلّم؟
بل:
ماذا أريد من المتدرب أن يستطيع أن يفعل بعد التدريب، ولم يكن يستطيع فعله قبله؟
هذا السؤال وحده قادر على تغيير فلسفة التدريب.
فبدلاً من أن يتعلم المتدرب مفهوم إدارة الوقت، يصبح قادراً على ترتيب أولوياته وإدارة وقته فعلياً.
وبدلاً من أن يحفظ خطوات حل المشكلات، يصبح قادراً على تحليل مشكلة واقعية والوصول إلى بدائل وقرار.
وبدلاً من أن يتحدث عن القيادة، يصبح قادراً على ممارسة سلوك قيادي يمكن ملاحظته وقياسه.
وبدلاً من أن يعرف مفهوم العمل الجماعي، يصبح قادراً على بناء فريق يعمل بكفاءة.
هنا يصبح التدريب مختبراً للممارسة، وليس قاعة لتخزين المعلومات.
أخطر فجوة: أن نعرف ولا نفعل
ربما تكون أخطر حالة معرفية أن يعرف الإنسان الصواب ولا يمارسه.
فقد يعرف الموظف أن التأخير يضر بالعمل، ولكنه يتأخر.
وقد يعرف المدير أن التفويض يطور فريقه، ولكنه لا يفوض.
وقد يعرف المسؤول أن القرار الرشيد يحتاج إلى بيانات، ولكنه يتخذ قراره وفق الانطباع.
وقد يعرف الإنسان أهمية الاستماع، لكنه يقاطع الآخرين.
وقد يعرف المجتمع قيمة التعاون، لكنه يمارس الفردية.
إذن هناك فرق كبير بين:
أن أعرف، وأن أفهم، وأن أقتنع، وأن أستطيع التطبيق، وأن أستمر في التطبيق.
وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تستهدفها برامج التعليم والتدريب والتطوير المؤسسي.
السودان: مفارقة المعرفة والأثر
لعل السودان يقدم مثالاً جديراً بالتأمل.
فهو بلد غني بالعقول والكفاءات، وله رصيد كبير من الأكاديميين والمهنيين وأصحاب الخبرات، كما أن الكفاءات السودانية أثبتت حضورها في مؤسسات ودول عديدة.
ومع ذلك يبقى السؤال:
لماذا لم يتحول هذا الرصيد المعرفي بالقدر الكافي إلى مؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات أفضل، وإنتاجية أعلى، وقرارات أكثر رشداً، وقدرة أكبر على حل المشكلات؟
بالطبع لا يمكن اختزال الإجابة في عامل واحد؛ فالتنمية عملية معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والموارد والمؤسسات والبيئة والثقافة وغيرها.
لكن من بين العوامل التي تستحق التأمل ضعف تحويل رأس المال المعرفي إلى رأس مال تطبيقي ومؤسسي.
فالمجتمع لا يتقدم فقط بعدد حملة الشهادات، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة التي يمتلكها أبناؤه إلى سياسات ونظم ومهارات وقرارات ومشروعات وخدمات وسلوكيات.
قد يكون لدينا طبيب ممتاز، لكن قيمة علمه تظهر عندما يتحول إلى خدمة صحية أفضل.
وقد يكون لدينا مهندس بارع، لكن قيمة علمه تظهر عندما يتحول إلى مشروع ناجح.
وقد يكون لدينا إداري يحمل أعلى الدرجات، لكن قيمة علمه تظهر عندما تتحسن المؤسسة التي يديرها.
وقد يكون لدينا باحث متخصص، لكن قيمة بحثه تكتمل عندما يجد طريقه إلى القرار أو السياسة أو الحل.
العبرة ليست فقط في امتلاك الكفاءة، وإنما في قدرة النظام المؤسسي والمجتمعي على تحويل الكفاءة إلى أثر.
من رأس المال البشري إلى رأس المال المؤسسي
وهنا نحتاج إلى التمييز بين مفهومين مهمين.
قد يمتلك المجتمع رأس مال بشرياً كبيراً؛ أي أشخاصاً متعلمين وأصحاب خبرة ومهارة.
لكن هذا لا يعني تلقائياً أنه يمتلك رأس مال مؤسسياً قوياً.
فرأس المال البشري يصبح قوة تنموية عندما يجد البيئة التي تمكنه من العمل، والمؤسسات التي تستثمره، والنظم التي تحفظ المعرفة وتنقلها، والإدارة التي تحول الأفكار إلى قرارات ومشروعات.
ولهذا قد نجد الكفاءة نفسها تحقق نتائج مختلفة تماماً في بيئتين مؤسسيتين مختلفتين.
فالمشكلة إذن ليست دائماً في الإنسان الذي يعرف، وإنما أحياناً في النظام الذي لا يعرف كيف يستثمر ما يعرفه الإنسان.
عصر الذكاء الاصطناعي يضاعف السؤال
في عصر الذكاء الاصطناعي تصبح هذه القضية أكثر إلحاحاً.
فالمعلومة التي كانت تحتاج ساعات من البحث يمكن الوصول إليها اليوم في ثوانٍ، والكتاب يمكن تلخيصه، والنظرية يمكن شرحها، والمقارنة بين النماذج يمكن إجراؤها بسرعة غير مسبوقة.
وهذا يعني أن قيمة الإنسان في المستقبل لن تكون في مجرد قدرته على الوصول إلى المعلومات.
بل ستتحدد بدرجة أكبر بقدرته على:
الفهم، والتحليل، والنقد، والحكم، واتخاذ القرار، والتطبيق، والإبداع، وتحويل المعرفة إلى قيمة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرك ماذا تعرف، لكنه لا يعفيك من مسؤولية ماذا ستفعل بما تعرف.
وهنا ستزداد أهمية التدريب التطبيقي، والتعلم بالممارسة، والمحاكاة، ودراسة الحالات، والمشروعات، والتعلم القائم على حل المشكلات.
المعرفة مسؤولية وليست زينة
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف علاقتنا بالمعرفة.
فالمعرفة ليست رصيداً شخصياً نفاخر به، وإنما مسؤولية تجاه المجتمع.
إذا تعلمت شيئاً في الإدارة، فهل أصبحت مؤسستك أفضل؟
إذا تعلمت في التنمية، فهل أصبحت أكثر قدرة على معالجة مشكلة في مجتمعك؟
إذا درست القيادة، فهل أصبح فريقك أكثر قدرة واستقلالية؟
إذا تعلمت الذكاء الاصطناعي، فهل حسّنت به قراراً أو خدمة أو عملية؟
وإذا حصلت على درجة علمية متقدمة، فما المشكلة التي أصبحت أكثر قدرة على حلها؟
عندها تنتقل المعرفة من كونها صفة في صاحبها إلى كونها قوة في مجتمعه.
لا نحتاج إلى نسخة أخرى من الكتاب
ربما لا يحتاج مجتمعنا دائماً إلى قارئ جديد يضيف كتاباً إلى مكتبته، بقدر ما يحتاج إلى قارئ يأخذ فكرة من ذلك الكتاب ويجربها في الواقع.
لا نحتاج فقط إلى مزيد من الذين يعرفون؛ بل إلى مزيد من الذين يطبقون ما يعرفون.
ولا نحتاج إلى مزيد من الشهادات التي تثبت أننا تعلمنا، بقدر حاجتنا إلى نتائج تثبت أننا استفدنا مما تعلمنا.
فالقيمة الحقيقية للمعرفة لا تكمن في قدرتنا على الحديث عنها، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى ممارسة، والممارسة إلى سلوك، والسلوك إلى أثر.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا، وعلى جامعاتنا، وعلى مؤسسات التدريب، وعلى مؤسساتنا الإدارية هو:
كم من المعرفة التي نمتلكها تحولت إلى مهارة؟
وكم من المهارات تحولت إلى سلوك؟
وكم من السلوكيات صنعت أثراً؟
فحين نجيب عن هذه الأسئلة، سنعرف أين تكمن الفجوة.
وربما آن لنا أن ننتقل من ثقافة «ماذا أعرف؟» إلى ثقافة «ماذا أستطيع أن أفعل بما أعرف؟».
فالمجتمعات لا تنهض بما تعرفه فقط، وإنما بما تفعله بما تعرفه.
وربما لا تكون مشكلتنا أننا لا نعرف بما يكفي…
بل أننا لم نفعل بما نعرف بما يكفي.
ودمتم سعداء.


