في أواخر أكتوبر من العام 2023 كتبتُ مقالاً نشرته صحيفة “العربي الجديد” وكان عنوانه: “حرب الأجندة المتداخلة في السودان”، والمقال متاح في الشبكة العنكبوتية لمن أراد الاطلاع عليه كاملاً، وقد حاولت فيه أن أبحث في “هوية” الحرب التي اندلعت في السودان ومضى عليها – وقتها – ستة أشهر، وبعد إعطاء خلفية لتطورات الأحداث في السودان عقب سقوط نظام الإنقاذ، إختتمت المقال بفقرتين رأيت اليوم أن أوردهما كما جاءتا، لكي أبني على ذلك فكرة هذا المقال:
《ولعلنا حين نأتي لتحديد “هوية” الحرب التي فجّرها تمرّد قوات الدعم السريع سنجد أنها تشكل خليطاً متداخلاً من هذه الأجندات مجتمعة؛ ففيها شيء من صراع المركز والهامش بحكم الشعارات التي يتبنّاها المتمرّدون أنفسهم وداعموهم، وهي ذات صلة مباشرة بأجندات القوى المدنية التي شكّلت الحاضنة السياسية للتمرّد، والمتمثلة في فرض العلمانية في إطار توصيف العلاقة بين الدين والدولة، وهي جزء من أجندات قوى إقليمية وأخرى دولية لطالما جاهرت بحربها ضد نظام الحكم الإسلامي في السودان، وأصرّت على الربط بينه وبين الإرهاب، ونذرت نفسها لمحاربة ما يُعرف بالإسلام السياسي، وأصرّت على هندسة المجتمع السوداني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإعادة هيكلة مؤسّساته، ولو عن طريق الانقلاب والتمرّد العسكريين. وهي، في الوقت نفسه، حرب مطامع دولية وإقليمية للسيطرة على ثروات السودان الهائلة، والتحكّم في موقعه الجيوسياسي، وتوظيفهما لخدمة أجندتها في التنافس الدولي》.
《هي، إن شئنا أن نكون أكثر وضوحاً، حرب أميركا ضد تمدد النفوذين الصيني والروسي في أفريقيا، وهي حرب بريطانيا لاستعادة نفوذها في واحدةٍ من أهم مستعمراتها السابقة، بعدما غادرت الاتحاد الأوروبي، وهي حرب فرنسا لتصفية حساباتٍ لها مع روسيا في منطقة الساحل الأفريقي، وإعادة هيمنتها على مستعمراتها السابقة، وهي حرب بعض الأنظمة العربية ضد الإسلام السياسي في السودان، ومحاولتها لكسب مزيدٍ من النفوذ فيه، وهي حربُ إسرائيل ضد خرطوم اللاءات الثلاث، وحرب العلمانيين والليبراليين السودانيين ضد التوجّهات الإسلامية في بلادهم … هي حرب أجندات متداخلة تشكل خليطاً من هذا كله وغيره، لكنها قطعاً ليست حرباً لاستعادة الحكم المدني، ولا حرباً لتوطين الديمقراطية في السودان》
مستخلص ما جاء في الفقرتين أعلاه، وما أكدته الأفعال والأقوال لأكثر من ثلاث سنوات أعقبت اندلاع الحرب، هو أن “الدعم السريع”، يوم حاول الانقضاض على السلطة في 15 أبريل 2023، لم يكن مشروعاً محلياً فحسب، بل كان إقليمياً ودولياً أيضاً، وقد استفاد “المشروع” في تخطيطه من تجارب ممتدة من النجاح والفشل، راكمتها تجارب القوى الدولية التي نذرت نفسها لمحاربة ما تسمية بـ”التطرف الإسلامي” و “الإسلام السياسي”، والتي تصدت لمخرجات ثورات الربيع العربي فحولتها إلى كوابيس ووأدت بها أحلام الشعوب التي كانت تتوق إلى الحرية والانعتاق من الحكم الشمولي والهيمنة الغربية ورهن مصائرها وثرواتها إلى القوى الاستعمارية و وكلائها.. والشواهد هنا كثيرة لا أود الاستطراد فيها حتى لا أذهب بعيداً عن موضوع المقال.
لقدد كان واضحاً لكل متابع للمشهد السياسي في السودان، منذ الأيام الأولى التي أعقبت الإنقلاب العسكري الذي قاده جنرالات الإنقاذ في أبريل 2019 ، أن القوى الخارجية التي كانت تتحكم في رقعة الشطرنج السياسية في السودان، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، إستقر رأيها لأن يكون الحاكم الفعلي في البلاد هو قائد قوات الدعم السريع، فهو الوحيد – برأيها- القادر على تفكيك بنية النظام السابق، و بنية دولة الاستقلال (56) بما في ذلك القوات المسلحة السودانية ، ومن ثم إعادة هندسة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وبناء نموذج سوداني يستفيد من تجارب الفشل الأمريكي في النموذجين الأفغاني والعراقي، اللذين غزتهما الولايات المتحدة وأسقطت نظاميهما، بزعم محاربة الإرهاب وتوطين الديمقراطية فيهما، وانتهى الأمر هناك على النحو الذي يعرفه الجميع، ولربما كان من الدروس المستفادة من تجارب الفشل تلك، أن تتولى مشيخة أبوظبي إدارة مشروع التحول والتحكم في السودان، وكيلاً عن القوى الخارجية التي ظل “إسقاط نظام الإنقاذ” هو هاجسها الأول، وذلك على ضوء نجاح أبوظبي في قيادة “الثورة المضادة” !
ولأن التعبئة التي سبقت إسقاط نظام الإنقاذ، والشعارات التي لُقنت للجماهير التي كانت تتوق للتغيير، كانت تتحدث عن الحرية والسلام والعدالة، وعن التحول الديمقراطي، فقد كان يجري – منذ وقت مبكر – تصوير الدعم السريع وقيادته، للشارع، بأنه هو القوة الضامنة للانتقال والتحول، فضلاً عن تصويره ممثلاً لـ”الهامش” في معادلة السلطة المؤقتة ، وفي ضوء ذلك تم حشد القوى المدنية من معارضي نظام الإنقاذ، تحت لافتة “قوى الحرية والتغيير” لتكون في الواجهة وتتولى دور المسوِّق للمشروع ، في حين ظل الدعم السريع دولة داخل الدولة، خاصة بعد إلغاء تبعيته المباشرة للقوات المسلحة، وأضحت مكاتب “القائد” ومقار سكنه مزاراً يحج إليه الدبلوماسيون والمبعوثون، تارة للتنسيق وتارة للاستطلاع، حتى وهو يقيم بالشهور بعيداً عن الخرطوم وعن أعين أجهزة الدولة المشكوك في ولائها ، كما حدث حين مكث ثلاثة أشهر في مدينة الجنينة، وهكذا فالدعم السريع لم يعد قوة مساندة للانتقال فقط، وإنما أصبح فاعلاً سياسياً تتضخم مقدراته لتبتلع الدولة كلها، وتعيد توجيه بوصلتها بشكل مختلف عن كل ما انتهت إليه تجارب الانتقال السابقة في السودان.
عسكرياً، تتفق الروايات ذات الموثوقية أن الخطة الأصلية في 15 أبريل 2023 كانت إنقلاباً خاطفاً، أُعِد له بإحكام شديد وتمت مراجعة خطته قبل تنفيذه بأيام قليلة إبان زيارة حميدتي إلى أبوظبي التي مكث فيها أكثر من عشرة أيام والتقى في خواتيمها برئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد ومستشاره للأمن القومي، وكانت شواهد “المواجهة المحتملة” قبل ذلك غير مخفية ، أكدتها تصريحات عبد الرحيم دقلو وتحذيراته لـ”برهان”، وأحاديث حميدتي لدبلوماسيين وسياسيين التقوه، أن على البرهان أن ينفذ “الإطاري” أو ستتم “كلبشته” أو حتى قتله ؛ لكن الأقدار شاءت أن تفشل خطة الإنقلاب الخاطف، وأن تصمد مقار الجيش وحامياته العسكرية في وجه الهجوم المباغت، في حين تم الاستيلاء على الاعيان المدنية والمقار الحكومية بالعاصمة، بما في ذلك القصر الجمهوري ورئاسة مجلس الوزراء والاذاعة والتلفزيون، فتغيرت الخطة إلى “هزيمة الجيش” في عقر داره والاستيلاء على مقاره، وتلك قصة تابع الجميع تفاصيلها يوماً بيوم بل ساعة بساعة !!
حتى تاريخ إنقضاء العام الأول للحرب، كانت أربع ولايات فقط، من ولايات السودان الـ18 خالية تماماً من الوجود العسكري للدعم السريع، ففيما عدا ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر وكسلا، كانت كل ولايات السودان الأخرى إما خاضعة للسيطرة الكلية أو الجزئية للدعم السريع، ولهذا كانت قيادة المليشيا المتمردة ومناصريها من القوى السياسية المحلية، يتحدثون بثقة كاملة أن قضية إستكمال السيطرة على ما تبقى من حاميات الجيش السوداني وإلحاق الهزيمة به، هي مسألة وقت، وهم إذ يقولون ذلك، كانوا يعرفون حجم الإمداد العسكري واللوجستي الذي وصل إلى الدعم السريع، ويعرفون بالمقابل أن حصاراً غير معلن ظل مضروباً على الجيش وهو يكافح لكي يحصل على الحد الأدنى من الأسلحة والذخائر الذي يُمَكن حامياته من الصمود في وجه الهجمات اليومية التي تتعرض لها.
في مقابل تفوقه الميداني خلال العام الأول واحتفاظه بصورة الطرف القادر على فرض إرادته السياسية عن طريق القوة العسكرية، أخذت صورة الدعم السريع كمناصر للحقوق المدنية والحريات العامة تهتز منذ الأيام والشهور الأولى، فقبل أن يفيق الناس من أخبار النهب والسلب والاختطاف والإخفاء القسري والقتل، التي تعرضت لها قطاعات واسعة من سكان ولاية الخرطوم بواسطة قوات الدعم السريع، صُدموا بأخبار المجازر التي تعرض لها المساليت في الجنينة وأردمتا، وشاهدوا على الهواء مباشرة كيف تمت تصفية والي غرب دارفور خميس أبكر، وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف، مع شهادات عن استهداف المدنيين على أساس عرقي.
وبمرور الوقت، تحولت صورة الدعم السريع من قوة مساندة للانتقال والتحول الديمقراطي، إلى قوة باطشة تمارس كل أنواع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبسبب ذلك شهد السودان أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، إذ فرَّ أكثر من 13 مليون سوداني من مناطق سيطرة الدعم السريع إما إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني أو إلى خارج السودان، وتنامى سخط السودانيين على الدعم السريع وعلى القوى السياسية التي جندت مقدراتها ووقفت خبراتها للدفاع عنه، حتى أن رموز هذه القوى أصبحوا يتجنبون الظهر في الأماكن العامة التي يشكل عامة السودانيين فيها حضوراً، ولم يقف عامة السودانيين عند هذا الحد، بل جندوا أنفسهم للوقوف بجانب القوات المسلحة، قتالاً بالسلاح في صفوفها، أو تعضيداً لموقفها في المنابر الإعلامية والسياسية داخل السودان وخارجه.
ولم تقف الخسارة السياسية للدعم السريع عند هذا الحد، فبسبب الفظائع التي ارتكبها جرى تسليط الضوء على جرائمه بواسطة كبريات الصحف ومحطات التلفزيون الدولية والمراصد العالمية ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات الأمم المتحدة، فأصبح كالأجرب الذي ينفر منه الجميع، وبدأ تدريجياً يفقد الثقة والتعاطف حتى في الأوساط التي يزعم أنه يقاتل باسمها ولنيل حقوقها، خاصة بعد أن حاق بتلك الأوساط الخراب والدمار، وتعرض أبناء وشباب ما سُمي بالحواضن إلى الموت بالجملة وتبين لهم أن قيادة المليشيا المتمردة كانت تبيع لهم الأوهام.
يتبع ،،


