Popular Now

بروف راشد.. نموذج الطُّهر والعفاف .. د. احمد الطيب السماني

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج(كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) .. مستشار .. احمد حسن الفادني

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (3) بوركينا فاسو التجربة الجديدة واختبار السيادة .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

بروف راشد.. نموذج الطُّهر والعفاف .. د. احمد الطيب السماني

في زمنٍ كثرت فيه الحكايات عن المناصب، وقلّت فيه الحكايات عن أصحاب المبادئ، تأتي سيرة البروفيسور راشد أحمد محمد حسين لتفتح أمامنا صفحة مختلفة من صفحات رجال الدولة الصالحين في السودان الذين خدموا الوطن عبر الحكومة، لا ليأخذوا منها، وإنما ليعطوها من علمهم وخبرتهم ووقتهم وحياتهم.

رحم الله بروف راشد.

ليس هذا المقال نعيًا لرجل رحل فحسب، وإنما هو محاولة لقراءة سيرة رجل دولة من زاوية أعمق: ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه المناصب؟

فقد كان بروف راشد واحداً من أبناء جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا الذين تدرجوا في العمل الأكاديمي والإداري، فتولى عمادة كلية هندسة النفط، ثم وكيلاً للجامعة، ثم وكيلاً لوزارة المعادن، قبل أن يتولى إدارة جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 2015.

وهذه ليست مجرد قائمة من المناصب؛ إنها رحلة رجل انتقل بين الجامعة والدولة، وبين العلم والإدارة، وبين قاعات التدريس ومواقع المسؤولية العامة.

وفي مثل هذه المواقع لا يكون الاختبار الحقيقي في القدرة على الإدارة وحدها، وإنما في سؤال أكبر:

ماذا يفعل المنصب بالإنسان؟

هل يزيده تواضعاً أم غروراً؟

هل يجعله أكثر حرصاً على المال العام أم أكثر بحثاً عن الامتيازات؟

هل يرى الوظيفة تكليفاً أم تشريفاً؟

هل يبقى بعد مغادرته للمنصب هو الإنسان نفسه الذي دخل إليه؟

وهنا تكمن قيمة سيرة بروف راشد.

رجل دولة.. لا رجل منصب

من السهل أن يصبح الإنسان أسيراً للمنصب؛ فالمكتب الفخم، والمراسم، والحراسة، واللقاءات، والامتيازات، كلها قد تصنع حول المسؤول عالماً خاصاً يجعله ينسى أنه سيغادره يوماً.

لكن رجل الدولة الحقيقي يعرف أن المنصب عابر، والأثر باقٍ.

فأعظم ما يمكن أن يحققه المسؤول ليس أن يظل في الكرسي، وإنما أن يخرج منه محتفظاً بكرامته، وبمحبة الناس، وباحترام زملائه، وبأثر طيب في مؤسسته ومجتمعه.

وقد كان بروف راشد مثالاً لرجل ظل ارتباطه بالجامعة والعلم هو الخيط الممتد في حياته المهنية؛ حتى عندما انتقل إلى موقع وكيل وزارة المعادن، ثم عاد إلى قيادة الجامعة، ظل في جوهره أستاذاً أكاديمياً يحمل رسالة العلم.

وهذا هو المعنى الحقيقي للقيادة:

أن لا ترى المؤسسة ملكاً لك، وإنما أمانة بين يديك.

الطُّهر والعفاف.. أبعد من المال

حين نقول إن رجلاً كان نموذجاً للطهر والعفاف، فلا ينبغي أن نحصر العفاف في المال وحده.

العفاف أوسع من ذلك.

أن يعف الإنسان عن استغلال النفوذ.

أن يعف عن تحويل المنصب إلى مكسب شخصي.

أن يعف عن التكبر على الناس.

أن يعف عن الانتقام ممن اختلف معه.

أن يعف عن استخدام السلطة لإذلال الآخرين.

وأن يستطيع، قبل كل ذلك، أن يظل إنساناً طبيعياً بعد أن يخرج من موقع المسؤولية.

فالمناصب تكشف أخلاق الرجال أكثر مما تصنعها.

وقد يملك الإنسان السلطة، لكن السلطة لا تملك قلبه.

وقد يجلس على أعلى الكراسي، لكنه يظل متواضعاً.

وقد يترك المنصب، لكنه لا يترك رسالته.

وهنا أجد في سيرة بروف راشد معنى يستحق التأمل.

أجمل ما في الخاتمة

توفي البروفيسور راشد أحمد محمد حسين في الغربة، بعيداً عن وطنه، بعد رحلة طويلة في خدمة العلم والتعليم والإدارة العامة.

لكن ثمة صورة إنسانية أعمق في خاتمة حياته كما يرويها من عرفوه:

أن الرجل الذي بلغ مواقع قيادية رفيعة في الدولة، ظل متمسكاً برسالة التعليم، يعمل أستاذاً في الغربة، حتى كانت نهايته وهو في محيط المؤسسة التعليمية التي يؤدي فيها رسالته.

وهذه الصورة تحمل معنى بالغاً.

فلم تكن آخر صورة للرجل مرتبطة بكرسي الوزارة، ولا بمكتب المدير، ولا بمظاهر السلطة.

بل بالأستاذ الذي يحمل رسالته.

كأن الحياة أعادته في آخر الطريق إلى بدايته.

دخل الحياة المهنية من باب العلم، ومر عبر أبواب الإدارة والدولة، ثم عاد إلى العلم.

وهذه في حد ذاتها سيرة تستحق التأمل.

ماذا نتعلم من بروف راشد؟

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يتولى المناصب.

السودان يحتاج إلى رجال دولة.

والفرق كبير.

رجل المنصب يسأل:

ماذا سأحصل عليه من هذا الموقع؟

أما رجل الدولة فيسأل:

ماذا أستطيع أن أقدم من خلال هذا الموقع؟

رجل المنصب يخاف على كرسيه.

أما رجل الدولة فيخاف على مؤسسته.

رجل المنصب يرى السلطة امتيازاً.

أما رجل الدولة فيراها أمانة.

رجل المنصب ينتهي بانتهاء وظيفته.

أما رجل الدولة فيستمر أثره بعد رحيله.

وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نقرأه في سيرة بروف راشد.

لقد تقلد مواقع رفيعة في الجامعة والدولة، ولكنه ظل مرتبطاً بالعلم والتعليم، وهي الرسالة التي اختارها في الأصل والتي ظل يعود إليها.

السودان يحتاج إلى هذا النموذج

في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ السودان، نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى قيمة القدوة.

نحتاج أن نقول لأبنائنا إن النجاح ليس أن تصل إلى أعلى منصب فقط.

النجاح أن تصل إليه ولا تفقد نفسك.

أن تمتلك السلطة ولا تفقد التواضع.

أن تمتلك القرار ولا تفقد العدل.

أن تمتلك النفوذ ولا تفقد النزاهة.

وأن تغادر موقعك ولا يخرج الناس من حولك إلا وهم يحملون لك الذكريات الطيبة.

إن الدول لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما يبنيها أيضاً الإنسان الصالح الذي يضع القانون والمؤسسة فوق مصلحته الشخصية.

ولهذا فإن الحديث عن بروف راشد ليس حديثاً عن فرد فقط.

إنه حديث عن نموذج نحتاجه في السودان.

نموذج الأستاذ الذي يصبح مديراً دون أن يتخلى عن أستاذيته.

ونموذج الأكاديمي الذي يدخل مؤسسات الدولة دون أن يفقد قيمه.

ونموذج المسؤول الذي يعرف أن المنصب محطة في الطريق، وليس نهاية الطريق.

وما أعظم أن تكون النهاية في ميدان الرسالة

ربما كانت أجمل صورة يمكن أن نختم بها سيرة بروف راشد هي هذه:

رجل حمل رسالة العلم، تقلد مناصب الدولة، ثم عاد إلى رسالته الأولى، ورحل عن الدنيا وهو في محيط التعليم.

إنها صورة تقول لنا إن الإنسان قد يغادر الوزارة، ويغادر إدارة الجامعة، ويغادر كل الألقاب التي صنعتها الوظيفة، لكنه يستطيع أن يحتفظ باللقب الأهم:

إنسان صاحب رسالة.

رحم الله البروفيسور راشد أحمد محمد حسين.

رحم الله الأكاديمي والإداري ورجل الدولة.

رحم الله من خدم السودان بعلمه وخبرته، وترك وراءه سيرة علمية وإدارية تشهد له بما قدم.

نسأل الله أن يجعل علمه وعمله وخدمته للوطن في ميزان حسناته، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، ويغفر له ويرحمه، وأن يلهم أسرته وطلابه وزملاءه ومحبيه الصبر وحسن العزاء.

بروف راشد.. لم تكن قيمته في المناصب التي تقلدها، وإنما في الإنسان الذي بقي بعد كل منصب.

وهذه هي عظمة رجال الدولة الصالحين:

أن يمروا على المناصب، دون أن تمر المناصب على مبادئهم.

رحم الله بروف راشد، ورحم الله رجال السودان الصالحين الذين خدموا وطنهم في صمت، ولم يجعلوا من الدولة غنيمة، ولا من الوظيفة امتيازاً، ولا من السلطة غاية.

فالسودان لا يحتاج إلى رجال سلطة فحسب…
بل يحتاج إلى رجال دولة صالحين.

المقالة السابقة

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج(كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) .. مستشار .. احمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *