Popular Now

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (4) دولة النيجر : ثروة اليورانيوم ومأزق السيادة الهشة .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… وسمك الثيسيوس النيلي .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

سلسلة الحرب على السودان (54) السودان أمام اختبار الحظر الدولي: تداعيات المشروع الأمريكي، صراع المواقف الدولية، ومسارات الحرب والحوار السوداني–السوداني .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (4) دولة النيجر : ثروة اليورانيوم ومأزق السيادة الهشة .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

إذا كانت دولة مالي تعاني من نزيف هوياتي، وبوركينا فاسو تراهن على ثورة شعبية، فإن دولة النيجر، تلك الدولة الممتدة على طول حافة الصحراء الكبرى، تمثل الحالة الأكثر تعقيداً وإيلاماً في المنطقة، لأنها تجمع بين كنز جيوسياسي لا يُقدّر بثمن، يتمثل في مخزون هائل من اليورانيوم النقي، وموقع استراتيجي يربط بين المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، وأزمة إنسانية متفاقمة تجعلها على وشك الانهيار في أي لحظة. فمنذ أن أطاح الجنرال عبد الرحمن تياني بالرئيس محمد بازوم في يوليو من عام 2023، والنيجر تعيش حالة من العزلة الدولية شبه الكاملة، حيث فرضت عليها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الايكواس عقوبات قاسية شملت إغلاق الحدود وتجميد الأصول وقطع التيار الكهربائي، بينما وقفت فرنسا، حليفة النظام المخلوع، في الخلفية تنتظر اللحظة المناسبة للعودة. غير أن المفارقة الأكبر كانت في قدرة النيجر على الصمود أمام هذا الحصار الإقليمي، وذلك بفضل تحولها السريع نحو روسيا التي قدّمت لها دعماً أمنياً ، وإلى الصين التي واصلت شراء اليورانيوم دون شروط سياسية، مما جعل النيجر، على عكس جارتيها، تمتلك هامشاً من المناورة الاستراتيجية يقوم على ابتزاز القوى الكبرى بثرواتها الباطنية. ولكن هذه القدرة على الصمود، التي يفسرها الواقعي جون ميرشايمر في سياق صراع القوى، لا تعني أنها قدرة على النهوض، فالنيجر اليوم تنفق معظم إيراداتها على تأمين المناجم ودفع رواتب المرتزقة الأجانب، بينما تظل غالبية سكانها البالغ عددهم خمسة وعشرين مليون نسمة تعيش على أقل من دولارين في اليوم، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة من مياه نظيفة وكهرباء مستقرة ومدارس للتعليم الأساسي.
واللافت في الحالة النيجرية أنها تقدم أنموذجاً صارخاً على ما يمكن تسميته التبعية المعكوسة، وهي حالة يمكن قراءتها من خلال نظرية التبعية النقدية لمفكريها، مثل أندريه غوندر فرانك، التي ترى أن استنزاف الفائض الاقتصادي من الجنوب إلى الشمال يظل قائماً حتى لو تغيرت هوية المستعمِر. فالنيجر كانت تحت السيطرة الفرنسية تبيع اليورانيوم بأسعار بخسة تخدم المفاعلات النووية الفرنسية، واليوم، بعد طرد الشركات الفرنسية، باعته إلى الصين وروسيا بأسعار أفضل قليلاً، لكنها ما زالت تُصدر المادة الخام دون أي تكرير أو تصنيع محلي، مما يجعلها رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وسياسات المشترين. والأخطر من ذلك، أن الحكومة النيجرية أعلنت في مطلع عام 2026 عن استعادة السيطرة الكاملة على قطاع اليورانيوم، وهو إعلان شجاع ، لكن مطلوب الحكومة تغيير واقع الحال بما يحقق تطلعات شعبها ، لأن النيجر تفتقر إلى الخبرات التقنية والكوادر الهندسية اللازمة لتشغيل المناجم بشكل مستقل، فاضطرت إلى التعاقد مع شركة روسية لتشغيلها مقابل نسبة من الإنتاج، وهو ما يذكرنا بملاحظات المفكر الصيني يان شيويه تونغ حول أن العدالة الأخلاقيةفي استعادة الموارد لا تكتمل إلا إذا تبعتها القدرة المادية على إدارتها، وإلا تحولت السيادة إلى مجرد شعار خطابي لا يقود إلى تنمية حقيقية.
أما البعد الأمني في النيجر، فيبدو أكثر تعقيداً مما هو عليه في مالي وبوركينا، لأن الدولة تواجه تهديدات من ثلاث جبهات متزامنة: الجبهة الجنوبية الغربية المتاخمة لبوركينا، حيث تنشط جماعات جهادية مرتبطة بتنظيم داعش؛ والجبهة الجنوبية الشرقية المتاخمة لتشاد، حيث تنتشر جماعات بوكو حرام التي حولت بحيرة تشاد إلى مسرح لعمليات خطف وقتل؛ والجبهة الشمالية المتاخمة للجزائر وليبيا، حيث تتدفق موجات جديدة من المهاجرين الذين تقوم الجزائر بعادهم عبر الحدود الصحراوية من اجل صون امنها القومي ، ليجدوا أنفسهم عالقين في مناطق لا ماء فيها ولا طعام، في مشهد إنساني يائس يكاد يكون. وهذه الجبهات الثلاث يمكن تفسيرها وفق نظرية مجمع الأمن الإقليمي لكل من باري بوزان وويفر، بحالة تداخل التهديدات الداخلية مع التهديدات القادمة من الأقاليم المجاورة لتشكل ما يشبه حلقة نار حول الدولة النيجرية، التي لم تعد قادرة على التعامل مع هذا الكم من الأزمات المتشابكة والمتقاطعة ذات الطبيعة المتراكمة ، حتى بمساعدة عسكرية روسية محدودة. فالمقاتلون الروس، وإن كانوا أكثر فاعلية من الفرنسيين في العمليات البرية المحدودة، إلا أن عددهم لا يتجاوز بضع مئات، ولا يملكون القدرة على مراقبة حدود تمتد لآلاف الكيلومترات، ولا يمكنهم تعويض غياب مؤسسات الدولة التي توقفت خدماتها الأساسية في معظم المناطق الريفية.
ولعل ما يجعل النيجر مثار اهتمام الباحثين الاستراتيجيين هو ذلك السؤال المعلق حول مستقبل تحالف دول الساحل الثلاثي. ففي يوليو من عام 2024، وقبل عامين بالتمام، وقعت الدول الثلاث على اتفاق لتحويل تحالفها الدفاعي إلى كونفدرالية سياسية واقتصادية موحدة، واعدة بتوحيد العملة وإنشاء جيش مشترك ومجلس استشاري موحد. لكن الحقيقة على الأرض، كما يقرأها النقاد من مدرسة الواقعية الأخلاقية، أن كل دولة انشغلت بأزمتها الداخلية، ولم تقدم النيجر ولا بوركينا الدعم العسكري المطلوب لمالي في مواجهة هجمات أبريل 2026، كما أن مالي لم تمد الجارة الغربية بالنفط الذي وعدت به، وهو ما يكشف عن هشاشة هذا الكيان الناشئ الذي يجمع بين دول تعاني كل منها من أزمة داخلية، وتنظر كل منها إلى الأخرى بعين الحذر والتنافس الخفي، بدلاً من روح التضامن التي يسوقها خطابها الإعلامي. وفي هذا السياق، يبدو النموذج الأوراسي للجيوبلوتكي الاسكندر دوغين، الذي يؤكد علي وحدة الأطراف المتمردة على المركز الغربي الاستعماري ، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع، لأن الوحدة الحقيقية بين دول فقيرة تعاني من تداخل الإرث الاستعماري واختلاف الأولويات تبدو أصعب مما يتصوره المنظرون وعلماء الجيوبوليتيك في مكاتبهم البعيدة عن حرائق الصحراء.
نقول فى النهاية ، تظل النيجر الدولة الأكثر غموضاً في المنطقة، لأنها تملك أوراق ضغط كبيرة، لكنها تفتقر إلى الأدوات اللازمة للعب بها، فهي ليست كبوركينا التي راهنت على التعبئة الشعبية، ولا كمالي التي تعيش على صراعاتها الإقليمية، بل هي دولة تقف على حافة الهاوية، ممسكة بثروة باطنية تثير شهية الجميع، لكنها لا تستطيع تحويلها إلى سيادة حقيقية تمنح أبناءها الأمان والكرامة، وهو التناقض الأكبر الذي سنعود لاستكشافه في مقالاتنا القادمة، حين نناقش مستقبل تحالف الساحل بأكمله في وجه العواصف الدولية والإقليمية.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… وسمك الثيسيوس النيلي .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *