مقدمة
تشهد البيئة الدولية والإقليمية تحولات متسارعة تعكس انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ. فقد أظهرت التطورات الأخيرة في الخليج العربي والشرق الأوسط أن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية لحسم الصراعات، وأن الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية أصبحت عناصر رئيسية في تشكيل موازين القوى.
وفي المقابل، تتأثر الأزمة السودانية بصورة مباشرة بهذه التحولات، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع الحرب الداخلية، وتتشابك المصالح الدولية مع المعادلات العسكرية والسياسية داخل السودان، الأمر الذي يجعل قراءة المشهد السوداني بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي أمراً بالغ الصعوبة.
أولاً: مضيق هرمز وتوازن الردع الجديد
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. وتعتبر إيران أن المضيق يخضع لسيادتها المشتركة مع سلطنة عمان وفق قواعد القانون الدولي للمياه الإقليمية، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى حرية الملاحة باعتبارها قضية أمن دولي.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي تصعيد في المضيق ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، وهو ما حدث بالفعل مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع عقب تبادل الضربات والتهديدات بين واشنطن وطهران.
وتدرك الولايات المتحدة أن أي إغلاق أو تعطيل لحركة الملاحة سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يجعل خيار التصعيد العسكري الشامل مكلفاً لجميع الأطراف.
ثانياً: تأجيل المفاوضات الأمريكية الإيرانية
كشفت التقارير عن تأجيل الجولة الجديدة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي كان مقرراً عقدها في سويسرا، الأمر الذي يعكس استمرار الخلافات حول الملفات الجوهرية، لكنه لا يعني انهيار المسار التفاوضي.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني، والحد من القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي لطهران، بينما تصر إيران على رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، والحصول على ضمانات سياسية وأمنية.
ويبدو أن الطرفين يتبعان سياسة الضغط المتبادل، حيث تستخدم واشنطن العقوبات والضغوط الاقتصادية، بينما تعتمد طهران على أوراق الطاقة، والممرات البحرية، وتحالفاتها الإقليمية.
ثالثاً: إيران بين الصمود وإعادة بناء القوة
أظهرت المواجهة الأخيرة أن إيران استطاعت الحفاظ على جزء كبير من قدراتها العسكرية والاستراتيجية، وأنها ما زالت تمتلك أدوات ردع متعددة داخل الإقليم.
كما تشير تقديرات عديدة إلى أن وقف التصعيد قد يمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والصاروخية، وتعزيز منظوماتها الدفاعية، وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية.
وتحتفظ إيران بشبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من دول المنطقة، الأمر الذي يمنحها عمقاً استراتيجياً يصعب تجاهله في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
رابعاً: إسرائيل والتحول نحو حروب المستقبل
تشير التقارير الإسرائيلية إلى تحول واضح في العقيدة العسكرية نحو حروب الفضاء، والحروب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة.
ويعكس هذا التحول إدراك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن الحروب التقليدية لم تعد كافية لضمان التفوق الاستراتيجي، خاصة مع تطور القدرات الصاروخية لدى القوى الإقليمية.
وفي المقابل، لا تزال القوى الحليفة لإيران في لبنان والعراق واليمن تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، مما يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً من السابق.
خامساً: التحولات داخل الولايات المتحدة وتراجع التأييد المطلق لإسرائيل
تشير بعض المؤشرات السياسية داخل الولايات المتحدة إلى وجود تحولات تدريجية في الرأي العام، خصوصاً داخل الأجيال الشابة وبعض التيارات السياسية الجديدة.
كما أن نتائج بعض الانتخابات التمهيدية عكست صعود قوى سياسية تنتقد السياسات الإسرائيلية بصورة أكثر وضوحاً، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تغيرات تدريجية داخل المشهد السياسي الأمريكي.
ورغم استمرار الدعم الرسمي الأمريكي لإسرائيل، فإن التحولات المجتمعية والسياسية قد تفرض مراجعات على المدى البعيد.
سادساً: النفط والطاقة كسلاح جيوسياسي
أكدت الأزمة الأخيرة أن النفط والطاقة لا يزالان من أهم أدوات النفوذ الدولي.
فمع كل تصعيد في الخليج ترتفع الأسعار العالمية، وتزداد المخاوف بشأن الإمدادات، وهو ما يمنح الدول المنتجة للطاقة وزناً إضافياً في التوازنات الدولية.
كما أن التوترات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز تعكس حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطرابات في المنطقة.
سابعاً: العقوبات الأمريكية على السودان وإعادة إنتاج سياسة الضغوط
أعادت العقوبات الأمريكية الأخيرة على السودان إلى الأذهان مرحلة العقوبات الطويلة التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية.
وتثير هذه العقوبات تساؤلات عديدة حول فعاليتها في ظل استمرار الحرب وتعقيداتها، كما تفتح الباب أمام نقاش واسع حول ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع أطراف النزاع المختلفة.
وفي الوقت ذاته، فإن أي عقوبات اقتصادية جديدة قد تؤثر على قطاعات مدنية وخدمية، الأمر الذي يتطلب دراسة آثارها بعناية.
ثامناً: الأبيض وهزيمة الحرب النفسية
أصبحت مدينة الأبيض إحدى أهم ساحات الحرب الإعلامية والنفسية خلال الفترة الماضية.
وقد سعت بعض الحملات الإعلامية إلى خلق حالة من الخوف والقلق داخل المدينة، إلا أن استمرار الحياة العامة، وثبات المؤسسات، وبقاء القوات النظامية، أسهم في تقليل آثار هذه الحرب النفسية.
كما تؤكد التجربة أن السيطرة على المدن الكبرى لا تعتمد فقط على العمل العسكري، بل تحتاج إلى إدارة وسيطرة سياسية واجتماعية وأمنية متكاملة.
تاسعاً: تصدعات داخل قوات الدعم السريع
تشير التقارير المتداولة إلى تصاعد الخلافات والانقسامات داخل بعض التشكيلات الميدانية التابعة لقوات الدعم السريع، وظهور اتهامات متبادلة بين بعض القيادات.
كما أن طول أمد الحرب والضغوط العسكرية واللوجستية قد تؤدي إلى زيادة التحديات التنظيمية داخل أي تشكيل مسلح.
غير أن تقييم هذه التطورات يتطلب معلومات ميدانية موثوقة ومستقلة في ظل تضارب الروايات خلال النزاعات.
عاشراً: الإدارة الأهلية وتماسك المجتمع السوداني
ظلت الإدارة الأهلية عبر التاريخ السوداني أحد أهم عوامل التماسك الاجتماعي وحل النزاعات.
وتأتي اللقاءات مع قيادات الإدارة الأهلية في إطار تعزيز السلم الاجتماعي والمحافظة على النسيج الوطني، خاصة في ظل التحديات التي تواجه البلاد.
ويمثل دور القيادات الأهلية رصيداً اجتماعياً مهماً يمكن الاستفادة منه في جهود المصالحة وإعادة بناء الدولة.
حادي عشر: سد النهضة والتحولات الإقليمية
ما زال ملف سد النهضة يمثل أحد الملفات الاستراتيجية المؤثرة في منطقة القرن الإفريقي.
فغياب الاتفاق النهائي حول قواعد الملء والتشغيل يفرض تحديات مستمرة على الأمن المائي الإقليمي، ويجعل الملف مفتوحاً أمام احتمالات متعددة ترتبط بالتوازنات السياسية والإقليمية.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: احتواء التوتر الأمريكي الإيراني
استمرار المفاوضات مع بقاء الضغوط والعقوبات، وتجنب الحرب الشاملة.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود
استمرار الضربات المتبادلة والعمليات غير المباشرة دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
السيناريو الثالث: تسوية تدريجية
نجاح الوساطات الإقليمية والدولية في التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن البرنامج النووي وأمن الخليج.
السيناريو الرابع: استعادة التوازن في السودان
إذا استمرت التطورات العسكرية والسياسية الحالية، فقد تتجه الأزمة السودانية نحو مرحلة جديدة تفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
الخاتمة
تكشف التطورات الراهنة أن العالم يشهد تحولاً تدريجياً في موازين القوى الدولية، وأن أدوات الردع والنفوذ أصبحت أكثر تعقيداً من السابق.
كما تؤكد الأزمة السودانية أن الصراعات الداخلية لم تعد منفصلة عن التحولات الإقليمية والدولية، وأن بناء السلام والاستقرار يتطلب معالجة متوازنة للعوامل الداخلية والخارجية.
وتبقى السنوات المقبلة مرشحة لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، مع صعود أدوار إقليمية جديدة، وتراجع نسبي لبعض أدوات الهيمنة التقليدية، وظهور نظام دولي أكثر تعددية وتشابكاً.
سلسلة التحولات الإقليمية والدولية والحرب في السودان .. الحلقة (31) .. مضيق هرمز وارتباك القوة الأمريكية: صعود إيران الإقليمي وتراجع الهيمنة الغربية وانعكاساته على الحرب السودانية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد وباحث مختص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


