مقدمة
تدخل الأزمة السودانية مرحلة تتداخل فيها الحرب والسياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي بصورة متزايدة. فبينما تستمر الجهود الداخلية والإقليمية والدولية للوصول إلى مسار سياسي ينهي الحرب، تظهر ضغوط جديدة على الاقتصاد وسعر الصرف، بالتزامن مع تطورات أمنية في البحر الأحمر ودول الجوار.
ومن ثم فإن قراءة المشهد السوداني لم تعد تقتصر على تطورات الميدان، وإنما تتطلب النظر إلى قدرة الدولة على حماية اقتصادها وحدودها وموانئها وعلاقاتها الإقليمية ومؤسساتها الوطنية.
أولاً: الاقتصاد وسعر الصرف.. جبهة جديدة للأزمة
شهد سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ضغوطًا كبيرة، مع تقارير عن تجاوز سعر الدولار مستويات مرتفعة في السوق، الأمر الذي دفع إلى عقد اجتماعات عاجلة ضمت رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء والقطاع الاقتصادي.
وأرجع وزير المالية جانبًا من الضغوط إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي واختلال العلاقة بين الواردات والصادرات.
وهنا تبرز نقطة استراتيجية مهمة: استقرار سعر الصرف لا يمكن أن يكون نتيجة إجراءات نقدية منفردة، بل يحتاج إلى زيادة الإنتاج والصادرات وضبط الواردات ومواجهة المضاربات والاقتصاد غير الرسمي.
كما ظهرت تقارير عن تداول عملات أجنبية مزيفة، وهو تطور لا يمثل مشكلة مالية فقط، وإنما يرتبط بأمن السوق والثقة في النظام المصرفي.
ثانياً: عودة السودان إلى IGAD وتحرك دبلوماسي جديد
عودة السودان للمشاركة في اجتماعات الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) تمثل تطورًا مهمًا في مسار علاقاته الإقليمية، خصوصًا بعد تجميد مشاركته في المنظمة خلال الفترة السابقة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تحرك إقليمي ودولي أوسع، شاركت فيه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، بهدف دعم مسار سياسي يقود إلى وقف الحرب والحوار السوداني.
وتكمن أهمية التحرك السوداني داخل المؤسسات الإقليمية في أن ملف الحرب لم يعد منفصلًا عن أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحركة اللاجئين والهجرة والتجارة الحدودية.
ثالثاً: الرسالة إلى جيبوتي وأهمية البعد الإقليمي
في هذا السياق، تكتسب الرسالة التي بعث بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الجيبوتي أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، بالنظر إلى موقع جيبوتي داخل منظومة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وإيغاد.
فالسودان يحتاج إلى توسيع دائرة التواصل مع دول الجوار، وإدارة علاقاته الإقليمية بما يمنع تحول الحرب السودانية إلى أزمة ممتدة تتداخل فيها الملفات الأمنية والاقتصادية والحدودية.
رابعاً: البحر الأحمر.. المتغير الإقليمي الأخطر
التطورات العسكرية في البحر الأحمر واليمن تضيف بعدًا جديدًا للأزمة السودانية. فقد أفادت تقارير حديثة بتقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وسيطرتهم على مدينة المخا، بما يثير مخاوف مرتبطة بأمن الملاحة والممرات البحرية.
وتكمن أهمية ذلك بالنسبة للسودان في أن البحر الأحمر يمثل منفذ السودان التجاري والاستراتيجي الرئيسي، ويضم ميناء بورتسودان الذي أصبح خلال الحرب مركزًا أساسيًا لحركة التجارة والإمداد والعمليات الإنسانية.
وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة البحرية يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، وبالتالي على أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.
لذلك فإن أمن البحر الأحمر بالنسبة للسودان ليس قضية خارجية فحسب، وإنما جزء مباشر من الأمن الاقتصادي والقومي السوداني.
خامساً: إثيوبيا والحدود الشرقية
تزامن ذلك مع تقارير عن اضطرابات وأعمال عنف في مناطق إثيوبية قريبة من الحدود السودانية، ولا سيما في بني شنقول-قمز وأوروميا.
ومع أن بعض التقارير المتداولة بشأن عمليات محددة تحتاج إلى تحقق مستقل، فإن استمرار الاضطرابات في هذه المناطق يظل ذا أهمية للسودان بسبب قربها الجغرافي وتشابك الحدود وحركة السكان والأسلحة والتجارة غير الرسمية.
ويفرض ذلك على الخرطوم متابعة التطورات الإثيوبية باعتبارها جزءًا من الأمن الحدودي والإقليمي، وليس باعتبارها شأنًا إثيوبيًا داخليًا فقط.
سادساً: تركيا والسودان.. أهمية العلاقات الخارجية
تداولت وسائل إعلام تقارير عن مغادرة السفير التركي السودان، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تعاونًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا.
ولذلك فإن تفسير أي تغيير دبلوماسي يحتاج إلى الاستناد إلى الموقف الرسمي، وعدم بناء استنتاجات استراتيجية واسعة على الأخبار غير المؤكدة.
وتبقى تركيا واحدة من الدول التي حافظت على قنوات اتصال وتعاون مع السودان، وهو ما يجعل استمرار العلاقات الاقتصادية والسياسية محل أهمية في مرحلة إعادة بناء الدولة.
التحليل الاستراتيجي
يمكن قراءة التطورات الأخيرة ضمن أربع دوائر متزامنة:
– الدائرة الداخلية: استمرار الحرب والحوار ومحاولات بناء توافق وطني.
– الدائرة الاقتصادية: تراجع قيمة العملة، ارتفاع الأسعار، صعوبة النقد الأجنبي ومخاطر الاقتصاد غير الرسمي.
– الدائرة الإقليمية: اضطرابات القرن الإفريقي وتشابك الحدود وحركة السلاح والهجرة.
– دائرة البحر الأحمر: أمن الملاحة والموانئ والتجارة الدولية.
والخطر الاستراتيجي يتمثل في أن تتفاعل هذه الدوائر معًا؛ فضعف الاقتصاد يضغط على المجتمع، واضطراب الحدود يزيد التهديدات الأمنية، وأي اضطراب في البحر الأحمر يرفع تكلفة التجارة، بينما استمرار الحرب يستنزف قدرة الدولة على معالجة هذه الملفات.
وعليه، فإن حماية الدولة السودانية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات المنفصلة إلى إدارة منظومة أمن قومي متكاملة.
خاتمة عملية قابلة للتنفيذ
يحتاج السودان في المرحلة الحالية إلى حزمة إجراءات متزامنة، أهمها:
– إنشاء خلية اقتصادية طارئة لمتابعة سعر
– الصرف والنقد الأجنبي والأسواق.
– تشديد الرقابة على تداول العملات الأجنبية
– ومواجهة شبكات التزييف والمضاربة.
– زيادة الصادرات وتقليل الواردات غير الضرورية وتوفير السلع الاستراتيجية.
– تعزيز مراقبة الحدود الشرقية بالتنسيق مع المؤسسات الأمنية والدول المجاورة.
– وضع خطة خاصة لحماية بورتسودان والموانئ والمنشآت الحيوية.
– تفعيل الحضور السوداني داخل إيغاد والاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية.
– دعم الحوار السوداني الداخلي باعتباره مسارًا مكمّلًا للجهود الإقليمية والدولية.
– إعداد خطة اقتصادية لما بعد الحرب تركز على الإنتاج، البنية التحتية، وإعادة الإعمار.
الخلاصة
السودان يواجه اليوم أزمة متعددة الأبعاد؛ فالحرب لم تعد وحدها مصدر الضغط على الدولة، وإنما تتداخل معها الأزمة الاقتصادية، واضطرابات الجوار، وأمن البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي والدولي.
ومن هنا فإن معركة الحفاظ على الدولة لا تقتصر على الميدان العسكري أو التفاوض السياسي، وإنما تشمل كذلك حماية الاقتصاد والحدود والموانئ والعلاقات الإقليمية ومؤسسات الدولة.
السودان لا يحتاج فقط إلى من يساعده على إنهاء الحرب، بل يحتاج إلى مسار يساعده على الخروج منها دولةً موحدةً وقادرةً على الحياة.


