الدولة ،في أبسط تعريفاتها، ليست علمًا يرفرف فوق مبنى، ولا حدودًا مرسومة على خريطة ولا مقعدًا في الأمم المتحدة.
الدولة شعبٌ يعيش على أرض، وسلطةٌ تدير شؤونه وسيادةٌ تمنحه حق تقرير مصيره. لكن ماذا لو بقيت الخريطة، وبقي الاسم وبقيت المؤسسات، بينما بدأ الشعب نفسه يتراجع من مركز الدولة؟
هنا لا نتحدث فقط عن حرب، نتحدث عن تغيير في معنى الدولة وهذه ،ربما، واحدة من أكثر التحولات التي تستحق أن نتأملها في الشرق الأوسط اليوم.
في غزة، لا تبدو المأساة في حجم الدمار وحده، فالبيوت يمكن أن تُبنى من جديد، والشوارع يمكن أن تُعبد، والمستشفيات يمكن أن تُرمم، لكن حين يُقتلع الإنسان من بيته، ويُدفع إلى النزوح ويصبح بقاؤه على أرضه موضع صراع، فإن الذي يتعرض للضرب ليس العمران وحده، بل العلاقة بين الإنسان والمكان.
ولهذا تبدو القضية الفلسطينية مختلفة في جوهرها؛ الفلسطيني لا يدافع فقط عن مساحة جغرافية، وإنما عن حقه في أن يبقى شعبًا فوق أرضه.
وفي اليمن، تأخذ الصورة مسارًا آخر هناك فاعل غير دولتي استطاع، عبر القوة والسيطرة الجغرافية، أن يجعل من موقع استراتيجي مثل البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من معادلة أمنية تتجاوز حدود اليمن. لم تعد المسألة مجرد صراع داخلي؛ فحين تستطيع قوة خارج البنية التقليدية للدولة أن تؤثر في الملاحة الدولية وفي حسابات القوى الإقليمية والدولية، يصبح السؤال: أين تنتهي الدولة، وأين تبدأ وظيفة الفاعل غير الدولتي؟
أما السودان، فالقصة أكثر قربًا من جرح المنطقة وأكثر قسوة في نتائجها.منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، لم تعد الحرب مجرد مواجهة مسلحة على السلطة. لقد تمددت إلى المدن، والأسواق، والجامعات، والمستشفيات، وسبل العيش، والعلاقات الاجتماعية وأنتجت نزوحًا بملايينه. ومع كل أسرة تغادر بيتها، لا يفقد السودان شخصًا فقط، بل يفقد جزءًا من رأس ماله الاجتماعي.
● فالمدينة ليست مبانيها.
● والقرية ليست طرقها.
● والوطن ليس حدوده وحدها.
الوطن هو الإنسان الذي يقول هنا مكاني، وهنا مستقبلي و هنا أبنائي.
وحين يصبح هذا الإنسان نازحًا داخل وطنه، أو لاجئًا خارجه، أو منفصلًا عن مجتمعه، تبدأ الدولة في فقدان شيء لا يظهر في بيانات الناتج المحلي ولا في خرائط السيطرة العسكرية.
تبدأ في فقدان المعنى. وهنا تلتقي غزة واليمن والسودان، رغم اختلاف الفاعلين والأدوات.
في غزة، كيان إسرائيلي يمارس قوة عسكرية هائلة على مجتمع فلسطيني محاصر، في سياق صراع له امتدادات إقليمية ودولية.
وفي اليمن، فاعل غير دولتي يفرض حضوره على جزء من المجال الاستراتيجي للدولة ويؤثر في أمن البحر الأحمر.
وفي السودان، تتصارع قوى مسلحة على المجال السياسي والعسكري، بينما يدفع المجتمع الثمن الأكبر من تماسكه ومكانه واقتصاده ومستقبله.
ثلاث صور مختلفة، لكن السؤال واحد: ماذا يحدث للشعب عندما تصبح الدولة نفسها ساحة للصراع؟
هنا تظهر المسافة بين الدولة السيادية والدولة الوظيفية.
● الدولة السيادية تقول: هذه أرضي، وهذا شعبي، وهذه مؤسساتي وهذه إرادتي.
● أما الدولة الوظيفية، فيمكن أن تحتفظ بالاسم والحدود والمؤسسات، لكن تتراجع قدرتها على إنتاج قرار مستقل، ويصبح وجودها مرتبطًا بوظيفة تؤديها داخل منظومة أكبر من حدودها.
والخطورة أن هذا التحول لا يبدأ دائمًا بإلغاء الدولة.أحيانًا يبدأ بإضعاف الشعب، بتهجيره، بتقسيمه، بإفقاره، بتحويله من مواطن إلى ناجٍ ومن شريك في صناعة المستقبل إلى مستهلك للخوف، والخبز، والوقود والمعلومة.
وهنا تأتي المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها ، الأنظمة كثيرًا ما تستند إلى شعوبها للدفاع عن السيادة، لكن الشعوب نفسها قد تتحول إلى الأداة التي تقلب بها الطاولة على النظام حين تشعر أن السيادة لم تعد تعبّر عنها.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى الشعوب باعتبارها كتلة صامتة في معادلات الجغرافيا السياسية.
الفلسطيني الذي يتمسك بأرضه، واليمني الذي يريد دولةً لا تتنازعها مراكز القوة، والسوداني الذي يريد وطنًا لا يُختزل في خطوط النار، جميعهم يطرحون ،بطرق مختلفة، السؤال نفسه: هل الدولة لنا، أم أننا أصبحنا نحن جزءًا من وظيفة الدولة؟
وهنا بالضبط يصبح الشعب موردًا من موارد السيادة.
ليس النفط، ولا الذهب، ولا الموانئ ولا الموقع الجغرافي، بل الإنسان الذي يؤمن بأن الدولة وطنه وأن مستقبله لا يُكتب بعيدًا عنه.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس أن تتغير حكومتها، ولا أن تخسر معركة، ولا حتى أن تفقد مدينة لفترة من الزمن، الأخطر أن يفقد شعبها الصلة النفسية والمادية بالمكان.
فإذا غادر الناس الأرض، وتفككت الروابط وتآكلت الثقة، يصبح من الممكن أن تبقى الدولة في الخرائط، بينما تتغير حقيقتها على الأرض.
قد تُهزم الجيوش وتتعافى، وقد تسقط الحكومات وتأتي غيرها وقد تُعاد إعمار المدن، لكن إذا انقطع الجسر بين الإنسان ووطنه، فإن إعادة بناء الدولة تصبح أصعب من إعادة بناء الحجر.
وهنا نعود إلى السؤال الأول: ماذا يبقى من الدولة إذا بقي اسمها وغاب شعبها؟
ربما تبقى الخريطة، وربما يبقى العلم وربما يبقى المقعد الدولي.
لكن السيادة بلا شعب ليست سوى هيكل ينتظر من يحدد وظيفته.
ولذلك فإن معركة الشرق الأوسط ليست فقط معركة على الأرض، ولا حتى على السلطة إنها، في أحد أعمق مستوياتها معركة على الإنسان: هل يبقى مواطنًا في وطنه، أم يتحول إلى نازح في وطنه، ولاجئ خارجه ورقم في معادلات الآخرين؟
#أصل_القضية
حين يُستهدف الشعب، لا يكون المستهدف مجرد مجتمع، قد تكون المستهدفة الدولة نفسها.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا من الآن ليس فقط من يملك السلاح؟، بل من يملك الإنسان؟ فمن يملك الإنسان، يملك مفتاح الدولة.
ومن يفقد شعبه، قد يحتفظ بكل شيء في الخريطة، إلا الوطن.


