Popular Now

الضغط الأمريكي على السودان.. هل يُركِع جيشٌ ينتصر؟ من فشل مشروع حظر السلاح في مجلس الأمن إلى حجب تأشيرة البرهان.. قراءة في تحوّل نوعي للموقف الأمريكي يُسقط مظلة الوساطة ويكشف الانحياز الكامل للدعم السريع .. د. خالد حسين محمد

مسارات .. أين السودان من خرائط الإمبراطوريات الجديدة؟ الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.. من صراع القارات إلى معركة النفوذ .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أصل القضية | السودان.. قانون النجاة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

الضغط الأمريكي على السودان.. هل يُركِع جيشٌ ينتصر؟ من فشل مشروع حظر السلاح في مجلس الأمن إلى حجب تأشيرة البرهان.. قراءة في تحوّل نوعي للموقف الأمريكي يُسقط مظلة الوساطة ويكشف الانحياز الكامل للدعم السريع .. د. خالد حسين محمد

تتسارع الأحداث المرتبطة بالشأن السوداني بما يوحي بأن الولايات المتحدة تخطط لإجبار الخرطوم على الركوع وقبول الهدنة، وذلك بعد فشل مشروعها في مجلس الأمن بتوسيع حظر السلاح على السودان. ومن تلك الأحداث: زيارة مسؤول وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) للقاهرة متزامنةً مع لقاء مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط مسعد بولس وزيرَ الخارجية المصري، ولقاء آخر لوزير الخارجية السوداني، ثم تصريحات مسعد بولس بأن أمريكا لا تعترف بحكومة البرهان لكنها تتعامل معها كأمر واقع، ثم تهديده بأن الحكومة الأمريكية ستنتقل إلى المرحلة التالية.

ثم جاءت تصريحات ممثل الخارجية الأمريكية التي تُساوي بين الدعم السريع والجيش وتنزع الشرعية السياسية عن القيادتين المتحاربتين، ليكتمل المشهد إلى منتهاه بعدم إصدار تأشيرة دخول للفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى واشنطن لحضور اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتُفضي قراءة هذه الأحداث مجتمعةً إلى أن واشنطن أزالت مظلة الوساطة التي كانت تُداري بها انحيازها للدعم السريع، وانتقلت بصورة مباشرة إلى تحقيق مطلوباتها عبر ما تملكه من أدوات ضغط، مشروعة وغير مشروعة، قانونية وغير قانونية أخلاقية وغير أخلاقية.

البيان الأمريكي.. كاشف التحوّل النوعي

لم يكن بيان الخارجية الأمريكية مجرد دعوة تقليدية إلى هدنة، بل كشف عن تحوّل نوعي في الموقف الأمريكي يقوم على ثلاثة مرتكزات:

أولاً: نزع الشرعية السياسية عن القيادتين بقول البيان إنهما «لا يمثلان حكماً شرعياً دستورياً للسودان، ولا يحكمان إلا بقوة السلاح». والحقيقة أن نزع الشرعية ينصبّ عملياً على الحكومة الشرعية، إذ ليست للدعم السريع شرعية أصلاً إلا في ذهن الولايات المتحدة.

ثانياً: تحويل الملف من مستوى الخارجية إلى مستوى البيت الأبيض، ونقرأ ذلك في إيراد اسم الرئيس ترامب خمس مرات في البيان، وذلك لسببين:

– أن تسعى واشنطن إلى أن يحوّل ترامب الملف إلى إنجاز شخصي بصفته «صانع سلام»، طمعاً في جائزة نوبل التي يحلم بها.
– أن يُسجَّل الأمر نجاحاً لسياسته الخارجية يدعم موقف حزبه الضعيف في الانتخابات النصفية.

ثالثاً: التهديد بعقوبات ممتدة، وبالتأكيد فإن المستهدف بها هو الجيش؛ لأن واشنطن لا تستطيع إيقاع العقوبات على الإمارات، وهي تعلم دعمها للدعم السريع، وتعلم تماماً أنه لولا الدعم الإماراتي غير المحدود لما استطاع الدعم السريع أن يصمد كل هذه المدة أمام الجيش السوداني.

عنصران غير مضمونين

إلا أن نجاح هذه السياسة يتوقف على عنصرين غير مضمونين:

1. توافق حقيقي داخل الرباعية، وهذا لن يحدث، فالمعادلة بين الإمارات والسعودية أصبحت صفرية.
2. قدرة واشنطن على تحويل التهديد من خطاب إلى أدوات مؤثرة تطال مصادر القوة والتمويل والتسليح لدى الطرفين وحلفائهما، وهذا لن يحدث بفعل تأثير المال الإماراتي على متخذي القرار الأمريكي.

توقيت البيان.. في ذروة تفوّق الجيش

يستهدف هذا التحرك الأمريكي الكثيف إيقاف التقدم العسكري للجيش السوداني، حتى لا يتحول إلى شرعية أمر واقع كاملة، وقبل أن يصبح مسار التفاوض اللاحق مفروضاً بشروط المنتصر.

وعلى ذلك تأتي قراءة التصريح الأمريكي وتوقيته؛ فقد جاء في ذروة تفوق ميداني للجيش السوداني، وهذا ليس مصادفة. فالجيش استعاد الخرطوم وود مدني عام 2025، وواصل تقدمه في كردفان، واستعاد في الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026 مدناً استراتيجية في شمال كردفان مع بسط سيطرته على إحدى عشرة منطقة، ونجح في حرب شريان الإمداد الليبي للدعم السريع مع السيطرة على معظم المعابر مع تشاد، عبر رقابة جوية وسيطرة جوية كاملة.

واشنطن تضغط لأنها تدرك أن نافذة التسوية كما تريدها تُغلَق لصالح حسم عسكري للجيش. فهدنة التسعين يوماً المقترحة تخدم عملياً تجميد تقدم الجيش، وتمنح الدعم السريع فرصة التقاط الأنفاس وإعادة التسليح وتنقذه سياسياً بعد فشله عسكرياً.

حجب التأشيرة.. قمة الابتزاز وخرق اتفاقية المقر

وتأتي قمة الضغط غير الأخلاقي وغير القانوني بحجب التأشيرة عن الرئيس البرهان وحرمانه من مخاطبة الأمم المتحدة، وكانت قمة الابتزاز في ربط التأشيرة بقبول البرهان هدنة لمدة تسعين يوماً؛ الأمر الذي يُعد مقايضة سياسية صريحة وخرقاً لاتفاقية المقر، لكنه ينسجم مع سوابق أمريكية متكررة أفلتت من أي مساءلة.

فالاتفاق الموقع بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة في 26 يونيو 1947 ينص في البند الحادي عشر على أن «تلتزم واشنطن بعدم وضع أي عائق أمام عبور الأشخاص المدعوين رسمياً إلى منطقة المقر لأداء عمل يخص الأمم المتحدة، بصرف النظر عن العلاقة القائمة بين حكوماتهم وحكومة الولايات المتحدة». كما ينص البند الثالث عشر (أ) على أنه إذا كانت التأشيرة مطلوبة تُمنح بلا رسوم وبأسرع وقت ممكن. والأهم أنه لا يوجد استثناء أمني عام في النصوص، وأن القوانين الداخلية ليست ملزمة للأمم المتحدة ولا تعلو على الاتفاق الدولي، وفق المادة السابعة والعشرين من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تحظر الاحتجاج بالقانون الداخلي للإخلال بالتزام دولي.

وهو أمر يوضح السلوك الفوضوي وفق منطق «الكاوبوي»، وهي ليست المرة الأولى التي تقوم فيها أمريكا بهذا العمل، لكنه توسع خطير، فربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يُحجب فيها رئيس دولة عضو كامل العضوية عن خطاب الجمعية العامة. ففي عام 1988 رفضت أمريكا منح التأشيرة لياسر عرفات، فنُقلت جلسة الاستماع الخاصة بفلسطين إلى جنيف. وفي عام 2014 لم تمنح التأشيرة للمرشح الإيراني سفيراً لدى الأمم المتحدة حميد أبوطالب. وفي عام 2025 لم تمنح التأشيرة لمحمود عباس ووفد السلطة الفلسطينية، فخاطب الجمعية العامة عبر الفيديو.

الدرس الذي لا تتعلمه أمريكا

لجهل أمريكا ومسعد بولس بالعقلية والنفسية السودانية، فإن من المؤكد أن هذه الضغوط ستكون نتائجها عكسية، وقد كان ذلك واضحاً من رفض البرهان الاستجابة للشرط الأمريكي بقبول الهدنة ورفضه الوصاية الخارجية، الأمر الذي جعل الشعب السوداني يلتف حوله ويعبّر عن جاهزيته للبصم على الشرعية التي يريد.

هذا الموقف الشامخ الرافض للانكسار جرّبته أمريكا قبل ذلك مع السودان، لكنها لا تعي الدرس. فعندما كان الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزيراً للخارجية، فرضت الإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع مجلس الأمن والجهات الفيدرالية قيوداً مشددة على الدبلوماسيين السودانيين في واشنطن ونيويورك تمنعهم من التحرك خارج نطاق خمسة وعشرين كيلومتراً من مقر عملهم إلا بإذن مسبق ومعقد.

رداً على هذا القرار، طبّق الوزير مصطفى عثمان مبدأ المعاملة بالمثل، فأصدر قراراً يمنع جميع الدبلوماسيين الأمريكيين في الخرطوم من التحرك خارج نطاق خمسة وعشرين كيلومتراً من العاصمة السودانية. وعندما قرر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول زيارة السودان، طلبت أمريكا الحصول على تأشيرة الدخول والترتيبات اللوجستية لهبوط الطائرة الوزارية، فأبلغهم مصطفى عثمان بأنه لن يمنح باول تأشيرة دخول ولن يسمح لطائرته بالهبوط في السودان إلا إذا رُفعت القيود عن الدبلوماسيين السودانيين في أمريكا أولاً.

حاول علي عثمان محمد طه، نائب الرئيس، التدخل لاحتواء الموقف خشية أن يؤدي هذا العناد الدبلوماسي إلى صدام كارثي مع واشنطن يعصف بمفاوضات السلام الجارية، وحاول إقناع مصطفى عثمان بالتراجع عن شرط التأشيرة وتمرير زيارة باول، إلا أن وزير الخارجية رفض التراجع، مُصرّاً على أن السيادة الوطنية تعني فرض هيبة الدولة والمعاملة بالمثل. وعندما اقترب موعد الزيارة، اتصل كولن باول بنفسه هاتفياً بمصطفى عثمان وقال له: «يا مصطفى، لقد قمنا بإلغاء قيود الخمسة والعشرين كيلومتراً عن دبلوماسييكم في الولايات المتحدة». لكن مصطفى عثمان رد عليه: «لن أمنحك التأشيرة بناءً على اتصال هاتفي، سأنتظر حتى يرسل لي سفيرنا برقية رسمية تؤكد أنهم تحركوا بالفعل وتجاوزوا نطاق الخمسة والعشرين كيلومتراً بحرية، وعندها فقط سأصدر الأوامر بمنحك التأشيرة». وبالفعل، بعد تأكيد البعثة السودانية في أمريكا فكّ القيود، وافق مصطفى عثمان على منح كولن باول التأشيرة.

وظلت هذه الحادثة تُذكر في تاريخ الدبلوماسية دليلاً على أن أمريكا تحترم صلابة المواقف وتحترم الأقوياء. وبناءً على هذه السابقة، كنت أتمنى أن تضغط الحكومة بتهديد صريح لأمريكا التي لا تفهم إلا لغة الأقوياء: إذا لم تسمح أمريكا للرئيس البرهان بمخاطبة الأمم المتحدة في واشنطن، فسوف يخاطبها عبر الفيديو من موسكو. وهنا لا بد أن نسجل التقدير لحكومة المملكة العربية السعودية وللأمير محمد بن سلمان الذي هدد بالانسحاب من الرباعية إذا لم تُمنح التأشيرة للفريق البرهان.

الخاتمة.. آخر كروت الضغط قبل الحسم

مما تقدم نخلص إلى أن البيان الأمريكي تهديد مفتوح لإنفاذ المشروع الأمريكي الإسرائيلي الإماراتي في السودان، عندما حانت ساعة قبره في لحظة تحول حاسم لصالح الجيش. وأن ربط التأشيرة بالهدنة يعبر عن الهلع والخوف الأمريكي من انتصار الجيش، ويمثل آخر كرت في جعبة واشنطن للضغط على السودان، غير آبهةٍ بالقانون الدولي بخرقها الواضح لاتفاقية المقر في سلوك ينسجم مع سوابق أمريكية متكررة أفلتت من أي مساءلة.

فالعلاقة مع أمريكا تسير نحو تصعيد قصير المدى، ينتهي بحسم الجيش معركته وطرد الدعم السريع من السودان، وعندها سيكون على واشنطن أن تتعامل مع واقع منتصر لا مع طرف محاصر.

لذلك، فإن الخيار الوحيد المتاح، والمقدور عليه والقابل للتنفيذ هو أن يُكمل الجيش استعادة كردفان، ويدخل دارفور ويهزم الدعم السريع ميدانياً، وستتحول أمريكا بمنطقها البراغماتي الترامبي إلى جعل البرهان شريكاً ،تماماً كما اعترف ترامب بالشرع، وربما دعت البرهان إلى البيت الأبيض لتُعاد تدوير العلاقة نحو مرحلة ما بعد الحرب، مع رفع تدريجي للعقوبات مقابل انتقال مدني شكلي.

وسيسجل التاريخ أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد أفشل مشروع إعادة استعمار السودان بواسطة العدوان الثلاثي الإسرائيلي الإماراتي الأمريكي.

المقالة السابقة

مسارات .. أين السودان من خرائط الإمبراطوريات الجديدة؟ الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.. من صراع القارات إلى معركة النفوذ .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *