مقدمة
يدخل السودان مرحلة جديدة من الحرب تتزامن فيها العمليات العسكرية مع تحركات إقليمية ودولية متسارعة، في وقت بدأت فيه تظهر مؤشرات على إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع عدد من الدول العربية.
ففي الوقت الذي تواصل فيه القوات المسلحة السودانية عملياتها في عدد من الجبهات، ويعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان المضي في الخيار العسكري حتى استعادة كامل الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تتحرك مصر والسعودية وقطر في مسارات مختلفة تتصل بالسياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي نفسها حالة من التوتر المتصاعد، خصوصًا مع تجدد القتال في إقليم تيغراي الإثيوبي، وما يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على الحدود السودانية الشرقية.
المشهد السوداني الراهن لا يمكن قراءته من خلال العمليات العسكرية وحدها، وإنما من خلال العلاقة المتشابكة بين العمل العسكري، والتحرك الإقليمي، والمسار السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد والشراكات الخارجية.
المحور الأول: العمليات العسكرية قرب الحدود الإثيوبية وتبدل المعادلة في النيل الأزرق
تشهد المناطق القريبة من الحدود السودانية–الإثيوبية في ولاية النيل الأزرق تطورات عسكرية متلاحقة، في وقت تسعى فيه القوات المسلحة السودانية إلى تثبيت مواقعها وتعزيز جاهزيتها في مواجهة قوات الدعم السريع والقوى المسلحة المتحالفة معها في المنطقة.
وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بالحدود الإثيوبية، فضلًا عن ارتباطها بمناطق استراتيجية مثل الدمازين والروصيرص والكرمك وقيسان، وبخطوط الحركة عبر الحدود.
وبالتالي فإن أي تغير في موازين السيطرة العسكرية في هذه المنطقة لا يحمل أهمية محلية فقط، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود الشرقية للسودان والتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي.
كما أن استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق يؤكد أن هذه الجبهة لم تستقر بصورة نهائية، وأنها يمكن أن تشهد مزيدًا من العمليات خلال المرحلة المقبلة.
المحور الثاني: السودان وإثيوبيا.. الحرب الداخلية في بيئة إقليمية مضطربة
لا يمكن فصل التطورات العسكرية على الحدود السودانية–الإثيوبية عن التصعيد الذي تشهده إثيوبيا.
فاستمرار التوتر في إقليم تيغراي والمناطق الإثيوبية الأخرى يضع السودان أمام بيئة أمنية معقدة، خصوصًا في ظل طول الحدود المشتركة وتشابك العلاقات القبلية والتجارية والأمنية.
وتزداد حساسية الموقف بالنسبة للسودان بسبب وجود ملفات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها سد النهضة، إلى جانب حركة السكان والتجارة والممرات الحدودية.
ومن ثم فإن استمرار التوتر الإثيوبي يمكن أن يفرض على السودان إعادة ترتيب أولويات الأمن الحدودي، خصوصًا في النيل الأزرق والقضارف والمناطق المتاخمة لإثيوبيا.
وفي هذه البيئة تصبح حماية الحدود وتأمين الممرات والمناطق الحيوية جزءًا من الأمن القومي السوداني، وليس مجرد امتداد ثانوي للحرب الداخلية.
المحور الثالث: البرهان في العلمين.. بين الثوابت السودانية والتحرك الأمريكي
جاءت قمة العلمين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ووفرت فرصة لمناقشة تطورات القرن الأفريقي، والبحر الأحمر وقضايا الأمن الإقليمي، إلى جانب الأزمة السودانية.
وقد أكدت المواقف الصادرة عن القمة دعم سيادة الدول ووحدة أراضيها والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، إلى جانب الدعوة إلى الحلول السياسية والسلمية للنزاعات.
وفي السياق نفسه، التقى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس، في خطوة أعادت فتح قناة اتصال مباشرة بين الحكومة السودانية والجانب الأمريكي بعد مرحلة من التوتر حول الموقف الأمريكي من الحرب ومسار وقف إطلاق النار.
وتدفع واشنطن باتجاه وقف إطلاق النار والمسار السياسي والحوار السوداني–السوداني، بينما تؤكد القيادة السودانية أن مستقبل البلاد يجب أن يقوم على وحدة الدولة ومؤسساتها وسيادتها.
وهنا تظهر أهمية الدور المصري في هذه المعادلة؛ فالقاهرة تتحرك من منطلق دعم وحدة السودان ومؤسساته، وفي الوقت نفسه تستضيف اتصالات سياسية بشأن إنهاء الحرب.
وبذلك أصبح لقاء العلمين جزءًا من مشهد أوسع تتقاطع فيه الرؤية المصرية مع التحرك الأمريكي، مع بقاء القرار السوداني العامل الأساسي في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
المحور الرابع: البرهان والحسم العسكري.. ماذا يعني استمرار العمليات العسكرية؟
أعلن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أن القوات المسلحة السودانية ماضية في الخيار العسكري حتى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في موقف يعكس استمرار أولوية العمل العسكري في رؤية القيادة السودانية خلال المرحلة الراهنة.
ويأتي ذلك بعد أيام من لقاء البرهان بالمبعوث الأمريكي في العلمين، وهو ما يعكس استمرار التباين بين مسار الاتصالات السياسية وبين الرؤية العسكرية للقيادة السودانية.
ومن الناحية السياسية، فإن استمرار العمليات العسكرية يعني أن القيادة السودانية ترى أن التطورات الميدانية ما تزال عنصرًا أساسيًا في الوصول إلى تسوية مستقبلية.
لكن استمرار الحرب يطرح في المقابل أسئلة تتعلق بالكلفة الإنسانية والاقتصادية، وإمكانية تحويل أي تقدم عسكري إلى مكاسب سياسية قابلة للبناء عليها.
وهنا يصبح التحدي هو كيفية الجمع بين الحفاظ على الموقف السوداني من القضايا السيادية والأمنية، وبين إبقاء الباب مفتوحًا أمام ترتيبات سياسية يمكن أن تنهي الحرب عندما تتوافر شروطها.
المحور الخامس: عودة قطر للتعدين.. الاقتصاد يبحث عن طريق العودة
في الجانب الاقتصادي، برز إعلان شركة قطر للتعدين استعدادها لاستئناف نشاطها في السودان بعد فترة من التوقف.
وتحمل عودة الشركة أهمية تتجاوز مشروعًا استثماريًا منفردًا، لأنها تأتي في وقت يحتاج فيه السودان إلى استعادة النشاط الإنتاجي وجذب رؤوس الأموال الخارجية وإعادة تشغيل القطاعات التي تعطلت بسبب الحرب.
ويمثل قطاع التعدين أحد القطاعات المهمة القادرة على دعم الإيرادات وجذب الاستثمار، إذا توافرت له البيئة الأمنية والقانونية واللوجستية المناسبة.
ومن هنا يمكن النظر إلى التحرك القطري باعتباره جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية، وليس مجرد عودة شركة إلى السوق السودانية.
المحور السادس: السعودية والسودان.. من الدعم السياسي إلى الشراكة الاقتصادية
أكد السودان حرصه على تعزيز الشراكة الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية والارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى أكثر فاعلية.
وتشمل مجالات التعاون المحتملة الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة والتعدين والبنية التحتية والنقل، إلى جانب التصنيع والتصدير والتعاون المالي والمصرفي.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن السودان لا يحتاج فقط إلى المساعدات أو التمويل قصير الأجل، وإنما إلى شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة المدى تساعد في إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
كما أن الموقع الجغرافي للسودان وإطلالته على البحر الأحمر وامتلاكه موارد زراعية ومعدنية وحيوانية واسعة، يتيح فرصًا متعددة للتعاون الاقتصادي مع المملكة ودول الخليج.
لكن نجاح هذه الشراكات سيظل مرتبطًا بالاستقرار الأمني، وتوفير البنية التحتية، وضمان البيئة القانونية للاستثمار، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية التي تأثرت بالحرب.
المحور السابع: من الحرب إلى إعادة بناء الدولة والاقتصاد
الملاحظ في التطورات الأخيرة أن الملف العسكري لم يعد منفصلًا عن الملف الاقتصادي.
فكل تقدم في استعادة الأمن يفتح المجال أمام إعادة تشغيل الطرق والموانئ والمطارات والمشروعات الزراعية والتعدينية والطاقة، وكلما اتسعت مساحة الاستقرار أصبح جذب الاستثمار الخارجي أكثر إمكانية.
لكن إعادة بناء الاقتصاد لا يمكن أن تنتظر نهاية الحرب بصورة كاملة؛ إذ يمكن أن تبدأ تدريجيًا في المناطق الأكثر استقرارًا، خصوصًا في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة والنقل.
وهذا يتطلب رؤية وطنية لإعادة الإعمار تحدد الأولويات، وتربط الاستثمار الخارجي باحتياجات الاقتصاد السوداني، بحيث لا تقتصر الاستثمارات على استخراج الموارد، وإنما تمتد إلى الإنتاج والتصنيع والتشغيل والنقل والتصدير.
كما أن عودة الشركات العربية إلى السودان يمكن أن تشكل عنصرًا مهمًا في إعادة الثقة بالسوق السودانية، بشرط توفير الضمانات اللازمة واستقرار التشريعات والمؤسسات.
المحور الثامن: السودان بين الحسم العسكري والتحرك السياسي وإعادة بناء الشراكات
المشهد السوداني في هذه المرحلة يتحرك على ثلاثة مسارات متوازية: مسار عسكري يسعى إلى إعادة رسم خريطة السيطرة، ومسار سياسي ودبلوماسي يبحث عن تسوية، ومسار اقتصادي يسعى إلى استعادة النشاط والاستثمار.
ويأتي ذلك كله في ظل محيط إقليمي شديد الحساسية، خصوصًا في إثيوبيا، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ومن هنا فإن قمة العلمين لا يمكن فصلها عن التطورات العسكرية في النيل الأزرق، كما لا يمكن فصل التحرك الاقتصادي القطري والسعودي عن مسألة الاستقرار السياسي والأمني في السودان.
فالحرب لم تعد قضية داخلية محضة، كما أن السلام لن يكون مجرد اتفاق عسكري؛ إذ أصبحت الأزمة مرتبطة بمستقبل الدولة وعلاقاتها الإقليمية وأمن حدودها واقتصادها وإعادة بناء مؤسساتها.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تشير التطورات الأخيرة إلى أن السودان يدخل مرحلة تتزايد فيها العلاقة بين العمليات العسكرية والسياسة الإقليمية والاقتصاد.
ففي الشرق، تتزامن العمليات العسكرية في النيل الأزرق مع تطورات أمنية في إثيوبيا، ما يجعل الحدود الشرقية جزءًا أساسيًا من حسابات الأمن القومي السوداني.
وفي المسار السياسي، تكشف قمة العلمين ولقاء البرهان بمسعد بولس عن استمرار التحرك الدبلوماسي، رغم التباين بين الرؤية الأمريكية لمسار وقف الحرب وبين الموقف السوداني الذي يركز حاليًا على استعادة السيطرة على كامل الأراضي.
وفي الجانب الاقتصادي، تظهر مؤشرات على محاولة السودان الانتقال تدريجيًا من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعادة البناء، من خلال استئناف النشاط القطري وتعزيز الشراكة الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية.
وهذه المسارات الثلاثة مترابطة؛ فاستعادة الاستقرار الأمني تفتح المجال أمام الاقتصاد، والاقتصاد يوفر للدولة أدوات إضافية لإعادة البناء، والتحرك السياسي والإقليمي يمكن أن يساعد في تثبيت البيئة اللازمة للمرحلة المقبلة.
لكن المسار النهائي سيظل مرتبطًا بقدرة السودان على إدارة العلاقة بين العمل العسكري والمسار السياسي وإعادة بناء الدولة، بحيث لا يتحول أي مسار إلى بديل عن الآخر، وإنما تتكامل المسارات عندما تتوافر الظروف السياسية والأمنية المناسبة.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل أي تقدم ميداني إلى استقرار سياسي واقتصادي، وتحويل الشراكات الإقليمية الجديدة إلى مشروعات إنتاجية وإعمارية تخدم الدولة والمجتمع.
فالمعركة في السودان ليست فقط معركة على الأرض، وإنما معركة على مستقبل الدولة وقدرتها على استعادة مؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الإقليمية، وصولًا إلى سلام يحفظ وحدة السودان وسيادته ويعيد بناء ما دمرته الحرب.


