“الذهب يحافظ علي شقى العمر والتعب الطويل”، مقولة نسمعها ونحن صغار. أصبح الذهب يتحرك في تصعاد فترة طويلة بين صعود وهبوط فالعالم مقبل على تغير في نظام المالى.
المتابع لوتيرة شراء البنوك المركزية للذهب خلال السنوات الأخيرة يلاحظ تحولاً واضحاً في إدارة الاحتياطيات العالمية، مع استمرار الذهب في استعادة دوره كأصل احتياطي استراتيجي ومع تنويع الدول لاحتياطياتها وتقليل الاعتماد النسبي على أصل واحد، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام عودة تدريجية للذهب كعملة احتياط عالمية؟ لهذا نتابع توقعات كبار المحللين والمؤسسات المالية بشأن مستقبل الذهب؛ فارتفاع الطلب الرسمي لا يعني بالضرورة ارتفاعا خطياً في السعر، لكنه يمثل عاملاً أساسياً يستحق المتابعة عند قراءة الاتجاه طويل الأجل للذهب.
الذهب لم يعد مجرد ملاذ آمن، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل الاحتياطيات العالمية.
كما يقول كبار اللاعبين مثل Goldman Sachs و J.P.Morgan وغيرهم وتوقعات كثيرة حول النظام المالي العالمي. خلال هذه المساحة نقف حول نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى التوقعات حول هل يصبح الذهب تحوطاً عالمياً نقف في هذه النقطة حول بعض توقعات البنوك ومدي تسارع البنوك المركزية لشراء الذهب، أما النقطة الثانية حول خطوط تبادل العملات وهل تصبح طوق نجاة للنظام المالي العالمي.
النقطة الأولى: توقعات البنوك بشأن الذهب
توقعات السيد/ كيفن سميث الرئيس التنفيذي لشركة Crescat Capital خلال اربعه سنوات تصل أونصة الذهب الى 20,000 دولار. ووضع سيناريوهات لوصول أونصة الذهب إلى 20 ألف دولار.
1. استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب
2. حدوث تصحيح بنسبة 50% في سوق الأسهم الأميركية
رغم أن الآن أونصة الذهب حاليا حوالى 4108 دولار، وخلال سبتمبر تعرض الذهب إلى خسارة تجاوزت 5% وذلك عائد لارتفاع أسعار النفط التي أدت إلى ارتفاع التضخم بدوره ارتفعت أسعار الفائدة التي أدت إلى ارتفاع في الدولار والضغط على الذهب. وتأكيداً لحديث كيفن لقد اشترت البنوك المركزية 289 طن خلال الربع الثاني من هذا العام، وبتدخل الخزانة الامريكية في هذه المعادلة يتحول الذهب إلى عملة احتياط عالمية، ولكن يبقى تأثير الحرب كلما زاد سعر النفط زاد التضخم وزادت الفوائد وزادة قوى الدولار.
عليه يرتبط الذهب بثلاث تفاعلات رئيسية:
1. الجيوسياسة التي تزيد المخاطر على الذهب يصاحب ذلك أزمة في النظام المالي أو الثقة في العملات.
2. أسعار الفائدة والدولار هما ما يحددان قدرة الذهب علي الاستمرار في الصعود.
3. والطلب الاستراتيجي من البنوك المركزية والمستثمرين.
ويشير مجلس الذهب العالمي أن الطلب من البنوك المركزية أحد عوامل دعم الذهب مع استمرار توجه بعض البنوك المركزية الى تنويع حجم إحتياطياتها بعيداً عن الدولار.
توقعات البنوك لارتفاع الذهب
1. توقع بنك J.P.Morgan التوقع المنشور يشير إلى نحو 6 الف دولار بنهاية 2026 وعزا ذلك إلى شراء البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية وتنوع الاحتياطيات.
2. توقع بنك Goldman Sachs يشير إلى 4,900 دولار بنهاية 2026 وذلك لشراء البنوك المركزية، وتراجع ضغط الفائدة وعودة تدفقات صناديق الذهب.
3. توقعات بنك Deutsche Bank تشير إلى 6 ألف دولار بنهاية 2026 للطلب الاستثماري وشراء البنوك المركزية.
من الملاحظ أن شراء البنوك المركزية هو أحد الأسباب المشتركة في معظم التوقعات لصعود الذهب، حيث ارتفع شراء البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 1000 طن سنوياً وفى استطلاع لمجلس الذهب العالمي عام 2026 أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية من الذهب، وفى الربع الثاني من العام 2026 اشترت البنوك المركزية وصناديق المؤسسات الرسمية 288.9 طن بزيادة 62% عن الربع الثانى من العام 2025.
ويبقى السؤال المهم: هل استمرار شراء البنوك المركزية يتحول من دعم الذهب أو إلى موجة شراء مستمرة تدفع السعر إلى مستويات جديدة.
النقطة الثانية :خطوط تبادل العملات
بدأت تتزايد الأخبار والتحليلات عن (Curency Swap Lines) ما يسمى بخطوط مبادلة العملات. فعلياً تبدو هذه العملية جفاف السيولة وتكون الشركات نفسها عاجزة عن تمويل أعمالها مما يعنى إفلاسها وغير ذلك، هنا تتدخل خطوط المبادلة كأنها إنعاش للطوارئ، يطلب البنك المركزي المحلي من نظيره الأمريكي دولار لضخها في أسواقه المحلية للشركات مقابل إيداع العملة المحلية لدى الفيدرالي الأمريكي كضمان بشكل عاجل. تظهر هذه العملية (مالياً و مصرفياً) ببساطة عبارة عن اتفاق مؤقت بين بنكيين مركزين لتبادل العملات بسعر الصرف الحالي، وبعد فترة يتفق الطرفان على عكس العملية باسترجاع الأموال إلى مصادرها بسعر الصرف الأصلي مع دفع الفائدة للبنك المانح. إنها آلية تضمن توفير السيولة الدولارية والاحتياطية دون التعرض لمخاطر سعر الصرف هذا الاستخدام بشكله الحالي، بمعنى أن يضخ الفيدرالي الأمريكي الدولار لإنقاذ العالم برز بقوة أيام الازمة المالية العالمية عام 2008
عندما تجمدت أسواق الائتمان فتح الفيدرالي هذه الخطوط مع بنوك مركزية كبري ليمنع انهيار النظام المالي العالمي و المستفيد الأكبر كان في هذا الوقت البنوك التجارية في أوروبا وآسيا التي كانت غارقة في التزامات مالية دولارية ولم تجد من يقرضها مالاً، وفر الفيدرالي الأميركي شريان الحياة مما أنقذ آلاف الشركات من الإفلاس وحمى وظائف ومدخرات ملاين من البشر، ولكن كان الهدف من استخدام هذه الآلية لم تكن لإنقاذ العالم، بل كانت لإنقاذ الولايات المتحدة نفسها مثل ما حصل في أوائل الستينيات في عهد (بريتون وودز) حين كان الدولار الأميركي مرتبط بالذهب، في ذلك الوقت كانت واشنطن تنفق مبالغ كبيرة خارج حدودها وذلك لتمويل خطوط إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى الإنفاق العسكري الكبير خلال الحرب الباردة، فتراكم الدولار كفائض عند البنوك المركزية الأوروبية وبدأت البنوك تطالب واشنطن باستبدال الدولار بالذهب ما هدد بنفاذ احتياطيات الخزانة الأميركية من الذهب، عندها ابتكر في عام 1962 الفيدرالي الأميركي (الخطوط) ليس لإعطاء الدولار، بل لاقتراض العملات الاوربية واستخدامها لشراء الدولار الفائض من السوق الأوروبي، وبالتالي أوقف نزيف الذهب الأميركي، وبهذه الخطوة تم سحب الدولار من السوق الأوروبي فلم يعد بإمكانهم المطالبة باستبدالها بالذهب الأمريكي، فهل تتغير لعبة الستينيات من أداة حماية الذهب الى طوق نجاة لاقتصاد العالمي اليوم؟ وهكذا تتغير قواعد اللعبة المالية.
سنتابع فى المساحات القادمة آراء المحللين والمختصببن فى شأن الذهب.


