Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (22).. السودان بين العمليات العسكرية والتحرك الإقليمي وإعادة بناء الشراكات الاقتصادية من الحدود الإثيوبية إلى قمة العلمين وعودة الاستثمارات القطرية وتعزيز الشراكة السعودية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

من خطاب الهامش إلى حارس المشروع السياسي.. كيف التقى الدعم السريع وقوى الحرية والتغير عند الديمقراطية و دولة 56 ومحاربة الإسلاميين؟ .. مستشار هشام محمود سليمان

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6312 | مواقف ياسر عرمان ومسعد بولس الأخيرة تتطلب من المعارضة إعادة النظر في مواقفها

من خطاب الهامش إلى حارس المشروع السياسي.. كيف التقى الدعم السريع وقوى الحرية والتغير عند الديمقراطية و دولة 56 ومحاربة الإسلاميين؟ .. مستشار هشام محمود سليمان

لم يكن الدعم السريع في نشأته وتكوينه الأول حركة ديمقراطية، ولم يكن مشروعه السياسي قائماً على إسقاط (دولة 1956) ولا على محاربة الحركة الإسلامية باعتبارها القضية المركزية في السودان. كان قوة عسكرية نشأت في سياق الصراع المسلح في دارفور ثم أصبحت جزءاً من بنية الدولة الأمنية والعسكرية في عهد الإنقاذ، لكن المشهد تغير بعد سقوط البشير، فجأة بدأ خطاب جديد يظهر بصورة متزايدة: الديمقراطية، الحكم المدني، تفكيك دولة 1956، إنصاف الهامش ومحاربة الإسلاميين والفلول. وهذه كلها مفردات كانت حاضرة بقوة في خطاب القوى المدنية المعارضة ولا سيما قوى الحرية والتغيير قبل أن تصبح جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي للدعم السريع. وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل كان هذا التحول مجرد تطور طبيعي في خطاب الدعم السريع؟ أم أن القوى المدنية نجحت في إعادة تعريف دوره السياسي بحيث انتقل من قوة عسكرية إلى حامل مسلح لمشروع سياسي مدني؟

السياسة لا تُقرأ بالوثائق السرية وحدها، بل تقرأ أيضاً من خلال تطابق الخطابات، وتسلسل الأحداث، وتقاطع المصالح وتوزيع الأدوار. واللافت أن خطاب (الهامش) لم يكن جديداً في السودان، فقد حملته حركات دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق قبل (قحت) وقبل الدعم السريع بصيغته السياسية الجديدة، لكن الجديد هو أن هذا الخطاب بدأ ينتقل من الحركات السياسية والمسلحة إلى قوة عسكرية ضخمة تمتلك القدرة على فرضه في ميدان السياسة، وهنا يمكن فهم التحول.
لقد احتاجت القوى المدنية إلى قوة تستطيع موازنة المؤسسة العسكرية، بينما كان الدعم السريع يبحث عن شرعية سياسية تتجاوز طبيعته العسكرية، فالتقت الحاجة بالحاجة؛ القوى المدنية تمنح الخطاب السياسي، والدعم السريع يمتلك القوة التي تستطيع حماية هذا الخطاب وفرضه في ميزان القوة.
ومع مرور الوقت لم يعد الحديث مقتصراً على الانتقال الديمقراطي وإنما أصبح أكثر حدة: (دولة 1956)، (تفكيك دولة الإنقاذ) (محاربة الفلول)، ثم وضع الإسلاميين في مركز تفسير الأزمة السودانية. وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تحول الدعم السريع إلى الحارس المسلح للمشروع السياسي لقوى (قحت) ؟
لا توجد بحسب ما هو متاح علناً وثيقة تثبت وجود (اتفاق تحت الطاولة) بهذا النص، لكن تسلسل المواقف يجعل فرضية التفاهم السياسي غير المعلن أو تقاطع الأدوار والمصالح جديرة بالبحث لا بالتسليم ولا بالرفض المسبق، فالجيش كان ينظر إليه في خطاب بعض القوى المدنية باعتباره امتداداً للنظام القديم، بينما جرى تقديم الدعم السريع بصورة متزايدة باعتباره طرفاً يمكن أن يكون جزءاً من عملية الانتقال، ثم جاء الاتفاق الإطاري ليجمع الطرفين في مشروع سياسي واحد قبل أن تنفجر الحرب، المفارقة أن القوة التي لم تكن أصلاً صاحبة مشروع ديمقراطي أصبحت تقدم نفسها باعتبارها حامية الديمقراطية، والقوة التي نشأت في بيئة النظام السابق أصبحت تتحدث عن تفكيك دولة 1956، والقوة التي ارتبط تاريخها بالحرب في دارفور أصبحت تقدم نفسها باعتبارها ممثلة للهامش في مواجهة المركز. وهنا ينبغي ألا يكون السؤال من هو مع الديمقراطية ومن هو ضدها؟ بل من منح من الشرعية؟ ومن منح من القوة؟
إذا كانت القوى المدنية قد منحت الدعم السريع الغطاء السياسي والخطاب الديمقراطي، بينما منح الدعم السريع تلك القوى موازين القوة التي لم تكن تملكها، فإننا أمام علاقة سياسية مختلفة تماماً عن مجرد تحالف عابر، وقد يكون هذا هو التفسير الأكثر أهمية لفهم المرحلة السابقة للحرب: لماذا تطابق خطاب قوة عسكرية مع خطاب قوى مدنية إلى هذا الحد؟
الإجابة لا ينبغي أن تكون اتهاما جاهزاً، وإنما بحثاً في الوقائع، فالديمقراطية لا تصبح ديمقراطية لمجرد رفع شعارها، والهامش لا يتحول إلى مشروع وطني بمجرد استخدام مفرداته، ومحاربة (الفلول) لا تعني تلقائيا امتلاك مشروع لبناء الدولة، والخطر الأكبر أن تتحول قضية حقيقية هي قضية التهميش والعدالة إلى غطاء سياسي لصراع على السلطة، وأن تتحول قوة السلاح إلى حارس لمشروع مدني بينما يتحول المشروع المدني بدوره إلى غطاء سياسي لقوة السلاح.
وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى، حين يصبح السلاح حارساً للديمقراطية تصبح الديمقراطية نفسها مطالبة بالإجابة عن السؤال (من يحرسها من حارسها؟)

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6312 | مواقف ياسر عرمان ومسعد بولس الأخيرة تتطلب من المعارضة إعادة النظر في مواقفها

المقالة التالية

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (22).. السودان بين العمليات العسكرية والتحرك الإقليمي وإعادة بناء الشراكات الاقتصادية من الحدود الإثيوبية إلى قمة العلمين وعودة الاستثمارات القطرية وتعزيز الشراكة السعودية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *