Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (24) السودان بين التحولات العسكرية وتعثر الدبلوماسية الأمريكية وتصاعد الحرب الإثيوبية تقدم القوات المسلحة، والخلافات داخل مجلس الأمن، وجبهة النيل الأزرق، والحوار السوداني–السوداني والوساطة الأفريقية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

وجه الحقيقة | السودان وشروط السلام الصعب .. د. إبراهيم شقلاوي

صمود حين يبحث الميكروفون عن شعب .. مستشار هشام محمود سليمان

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (24) السودان بين التحولات العسكرية وتعثر الدبلوماسية الأمريكية وتصاعد الحرب الإثيوبية تقدم القوات المسلحة، والخلافات داخل مجلس الأمن، وجبهة النيل الأزرق، والحوار السوداني–السوداني والوساطة الأفريقية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تتداخل في المشهد السوداني الراهن ثلاثة مسارات رئيسية: تطورات العمليات العسكرية على الأرض، والتحركات الدبلوماسية التي تواجه خلافات متزايدة حول طبيعة التسوية وآليات وقف الحرب، والتصعيد الإقليمي الذي تشهده إثيوبيا والقرن الأفريقي، بما يحمله من تداعيات محتملة على أمن السودان وحدوده الشرقية.
ففي الوقت الذي تواصل فيه القوات المسلحة السودانية عملياتها في عدد من الجبهات، وتتحدث تقارير عن تقدم ميداني وانضمام قيادات ومجموعات إلى صفوفها، تواجه الجهود الدبلوماسية الأمريكية تحديات متتالية، بينما تكشف المناقشات داخل مجلس الأمن عن تباينات بشأن كيفية التعامل مع الحرب السودانية، ولا سيما مسألة توسيع نطاق حظر الأسلحة.
وفي المقابل، تدخل الحرب الإثيوبية مرحلة أكثر تعقيدًا مع اتساع المواجهات في إقليم تيغراي وظهور مؤشرات على امتدادها إلى التوتر الإثيوبي–الإريتري، الأمر الذي يرفع من أهمية جبهة النيل الأزرق والحدود السودانية الشرقية.
وسط هذه التطورات، يبرز الحوار السوداني–السوداني بوصفه ضرورة وطنية لمعالجة جذور الأزمة، فيما تزداد أهمية الوساطة الأفريقية التي يمكن أن تجمع بين القبول الإقليمي والشرعية القارية والقدرة على مخاطبة الأطراف السودانية.

المحور الأول: مجريات الحرب اليومية.. التقدم الميداني وإعادة ترتيب موازين القوة
تواصل الحرب في السودان إعادة تشكيل خريطة السيطرة والنفوذ، مع استمرار العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، وسعي القوات المسلحة السودانية إلى استعادة المواقع وتأمين الطرق والمناطق الحيوية، في مقابل محاولات قوات الدعم السريع المحافظة على مواقعها وخطوط الإمداد.
وتشير التطورات المتداولة إلى استمرار الضغط العسكري على قوات الدعم السريع في بعض المناطق، بالتزامن مع تقارير عن انحياز قيادات ومجموعات مسلحة إلى صف القوات المسلحة السودانية. وإذا اتسعت هذه التحولات وثبتت على الأرض، فإن أثرها لن يقتصر على زيادة القوة البشرية، بل قد يمتد إلى تغيير الحسابات المحلية، والتأثير في خطوط الإمداد، وتقليص قدرة بعض التشكيلات على الاحتفاظ بمواقعها.
لكن تقييم أثر الانشقاقات والانضمامات لا ينبغي أن يعتمد على الإعلان عنها وحده؛ إذ تتوقف أهميتها الفعلية على حجم القوات المنضمة، ومواقع انتشارها، ومدى استمرار التزامها، وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في موازين السيطرة.
كما أن التقدم الميداني، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب بصورة تلقائية. فالحروب الممتدة تتأثر بعوامل الإمداد والتمويل والتحالفات المحلية والقدرة على إدارة المناطق المستعادة وحماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية.
ومن هنا فإن المرحلة الحالية تتطلب قراءة التطورات العسكرية ضمن سياق أوسع، يربط بين السيطرة على الأرض والقدرة على تثبيت الأمن واستعادة مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف اللازمة لمرحلة ما بعد الحرب.

المحور الثاني: المعركة الدبلوماسية.. واشنطن أمام اختبار جديد في الملف السوداني
تواجه المقاربة الأمريكية للأزمة السودانية انتقادات متزايدة، من بينها تقييم الدبلوماسي الأمريكي السابق كاميرون هدسون، الذي وصف التحركات الأمريكية الأخيرة بأنها إخفاقات دبلوماسية متتالية خلال أسبوعين، مشيرًا إلى تعثر مساعي توسيع حظر الأسلحة والجدل المتعلق بالتعامل مع القيادة السودانية، فضلًا عن التساؤلات بشأن فاعلية المجموعة الرباعية.
وتعكس هذه الانتقادات خلافًا أوسع حول كيفية إدارة الأزمة: هل يمكن الوصول إلى وقف لإطلاق النار عبر الضغوط الدبلوماسية وحدها، أم أن أي اتفاق يحتاج أولًا إلى فهم واقعي لموازين القوة وشروط الأطراف ومخاوفها الأمنية والسياسية؟
إن تعثر بعض المبادرات لا يعني انتهاء الدور الأمريكي، لكنه يوضح أن امتلاك أدوات الضغط والنفوذ لا يكفي وحده لضمان النتائج. فنجاح الوساطة يتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية المعنية، والاستماع إلى المواقف السودانية المختلفة، وعدم التعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره إجراءً منفصلًا عن ترتيبات الأمن ومستقبل الدولة.
كما أن الاعتماد على قنوات خارجية محدودة، أو افتراض أن الضغط على طرف واحد سيؤدي تلقائيًا إلى تسوية مستدامة، قد يعقّد المسار بدلًا من تسهيله.
وتحتاج أي مقاربة أكثر فاعلية إلى التمييز بين وقف القتال بوصفه هدفًا إنسانيًا عاجلًا، وبين التسوية السياسية الشاملة التي تتطلب معالجة قضايا الأمن والسلطة والعدالة وعودة النازحين وإعادة الإعمار.

المحور الثالث: مجلس الأمن وحظر الأسلحة.. خلاف على الوسيلة وأزمة في التنفيذ
تكشف المناقشات داخل مجلس الأمن عن استمرار الخلاف بشأن نطاق العقوبات المفروضة على السودان والآليات المناسبة للتعامل مع تدفق الأسلحة إلى مناطق النزاع.
وقد رحبت بعثة السودان لدى الأمم المتحدة بالقرار الذي أبقى التدابير القائمة ضمن نطاقها الجغرافي الحالي ومدد العمل بها حتى 11 ديسمبر 2026، مع تمسكها برفض توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وتتمثل الحجة السودانية الأساسية في أن المشكلة لا تكمن فقط في النطاق الجغرافي للعقوبات، بل في ضعف تنفيذ التدابير القائمة، واستمرار تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة عبر مسارات خارجية، بحسب ما ورد في بيان البعثة. وترى الحكومة السودانية أن توسيع الحظر ليشمل البلاد كلها قد يقيد قدرات مؤسسات الدولة والقوات المسلحة السودانية، من دون ضمان وقف الإمداد غير المشروع إلى الجماعات المسلحة.
في المقابل، يستمر الجدل الدولي حول الأدوات التي يمكن أن تحد من تدفق السلاح وتقلل من قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال.
وتكشف هذه القضية عن مشكلة تتجاوز النصوص القانونية: ففاعلية أي قرار دولي ترتبط بوجود آليات تنفيذ ومراقبة ومحاسبة واضحة، وبقدرة المجلس على التعامل مع شبكات الإمداد والتمويل بعيدًا عن الانتقائية والتجاذبات السياسية.
وبالتالي فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في إصدار قرارات إضافية فحسب، وإنما في ضمان تنفيذ القرارات القائمة، ومساءلة الجهات التي تنتهكها، ومنع استخدام الأراضي والحدود الإقليمية في استمرار الحرب.

المحور الرابع: إثيوبيا تشتعل.. من أزمة داخلية إلى خطر إقليمي متسع
تشهد إثيوبيا تصعيدًا خطيرًا مع تجدد القتال في إقليم تيغراي واتساع المواجهات بين القوات الحكومية والقوى المسلحة المعارضة. ورغم دخول القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها إلى ميكيلي، عاصمة الإقليم، فإن التطورات اللاحقة تشير إلى أن استعادة العاصمة لا تعني انتهاء الحرب، خصوصًا مع استمرار المواجهات في مناطق أخرى وورود تقارير عن تحركات للقوات الإريترية داخل شمال تيغراي.
ويواجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحديًا متعدد الجبهات، في ظل التوترات في تيغراي وأمهرا ومناطق أخرى، إلى جانب تصاعد الخلاف مع إريتريا حول الأمن الحدودي وطموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر.
وتكمن خطورة هذه التطورات في احتمال انتقال الأزمة من صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية أوسع، خاصة إذا تزايد الاحتكاك العسكري بين إثيوبيا وإريتريا، أو دخلت أطراف إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسار الصراع.
كما أن تعدد القوى المعارضة وتباين أهدافها لا يعني بالضرورة قدرتها على تشكيل بديل سياسي موحد، لكنه يفرض على الحكومة الإثيوبية استنزاف موارد عسكرية وأمنية على أكثر من جبهة.
وبالنسبة للسودان، فإن اشتعال إثيوبيا ليس تطورًا بعيدًا عن مصالحه الوطنية؛ فالدولتان تتشاركان حدودًا طويلة، وتتداخل بينهما ملفات الأمن والتجارة وحركة السكان وسد النهضة والتوازنات الإقليمية.
ومن ثم فإن اتساع الحرب الإثيوبية قد يرفع المخاطر على السودان، سواء من خلال اضطراب المناطق الحدودية أو حركة النزوح أو تغير حسابات القوى المسلحة وشبكات الإمداد في القرن الأفريقي.

المحور الخامس: جبهة النيل الأزرق.. الحدود الشرقية في قلب حسابات الأمن القومي
تكتسب التطورات في ولاية النيل الأزرق أهمية متزايدة في ظل تزامن العمليات العسكرية السودانية مع التصعيد الإثيوبي. فهذه الجبهة ليست مجرد ساحة أخرى من ساحات الحرب، وإنما منطقة استراتيجية تتصل بأمن الحدود وبالممرات الحيوية وبالاستقرار في جنوب شرق السودان.
وتسعى القوات المسلحة السودانية إلى تعزيز مواقعها وتحركاتها في المنطقة، في وقت لا تزال فيه المواجهات والمخاطر الأمنية قائمة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن المدنيين في الولاية يواجهون أيضًا مخاطر مباشرة، بعد تقارير عن سقوط ضحايا جراء هجوم بطائرة مسيّرة على حي سكني في الدمازين.
وتفرض هذه الأوضاع التعامل مع جبهة النيل الأزرق من منظورين متكاملين: الأول عسكري وأمني يتعلق بحماية المواقع الحيوية والحدود ومنع تمدد القتال؛ والثاني إنساني يتعلق بحماية السكان والمنشآت المدنية وضمان استمرار الخدمات الأساسية.
كما أن تطورات الحرب الإثيوبية قد تزيد من تعقيد البيئة الأمنية في هذه المنطقة، وهو ما يستدعي الحذر من انتقال آثار الصراع عبر الحدود، أو استغلال الاضطراب الإقليمي لتوسيع العمليات العسكرية داخل السودان.
وتكمن أهمية الجبهة كذلك في ارتباطها بمناطق استراتيجية مثل الدمازين والروصيرص والكرمك وقيسان، وبقربها من مسارات الحركة والتجارة الحدودية.
لذلك فإن حماية النيل الأزرق تتطلب الجمع بين الجاهزية العسكرية والعمل الدبلوماسي مع دول الجوار، ومتابعة التطورات الإثيوبية، ومنع تحويل الحدود إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
المحور السادس: الحوار السوداني–السوداني.. من إدارة الخلاف إلى معالجة جذور الأزمة
في ظل استمرار الحرب وتعثر بعض المسارات الخارجية، تبرز الحاجة إلى حوار سوداني–سوداني جاد لا يقتصر على الاتفاق على وقف إطلاق النار، وإنما يتناول القضايا التي قادت إلى الأزمة وتلك التي ستحدد مستقبل الدولة بعد توقف العمليات العسكرية.
ويبدأ هذا الحوار من الاعتراف بأن السودان يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها قضايا السلطة والشرعية والأمن والعلاقة بين المركز والأقاليم، إلى جانب قضايا العدالة الانتقالية والمحاسبة وعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار.
ولا يعني الحوار الوطني تجاهل المسؤوليات عن الانتهاكات، أو مساواة جميع الأطراف في المواقف والأدوار، بل يستلزم تحديدًا واضحًا للقضايا التي يمكن التفاوض حولها، والحقوق التي لا يجوز التفريط فيها، والضمانات المطلوبة لمنع تجدد الحرب.
كما أن الحوار الفاعل يحتاج إلى مشاركة سياسية ومجتمعية واسعة، تشمل القوى المدنية والمجتمعية والمهنية والإدارات الأهلية وممثلي المناطق المتضررة، مع معالجة الاختلالات التي عمقت الشعور بالتهميش وانعدام الثقة في مؤسسات الدولة.
ويظل السؤال الأساسي هو كيفية بناء عملية سياسية سودانية مستقلة في قرارها، قادرة على الاستفادة من دعم الأشقاء والشركاء الدوليين من دون أن تتحول إلى مسار تُفرض أولوياته وشروطه من الخارج.
إن وقف إطلاق النار قد يوفر مدخلًا إنسانيًا وسياسيًا، لكنه لن يكون حلًا دائمًا ما لم يصاحبه اتفاق واضح بشأن الترتيبات الأمنية، ومستقبل المؤسسات الوطنية، وإعادة بناء الثقة، وضمان مشاركة السودانيين في تحديد مستقبل بلادهم.

المحور السابع: الوساطة الأفريقية الخماسية.. هل تتوافر فرصة لمسار أكثر قبولًا؟
مع استمرار الخلافات حول المقاربات الدولية، تبرز أهمية تحرك أفريقي يستند إلى فهم أعمق لتعقيدات الأزمة السودانية، ويستفيد من القرب الجغرافي والسياسي ومن دور الاتحاد الأفريقي في دعم الاستقرار وحماية وحدة الدول.
وفي هذا السياق، يبرز الطرح المتعلق بوساطة أفريقية خماسية يقودها رئيس بوروندي، بصفته رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، باعتبارها مسارًا يستحق النظر إذا تمكن من توفير إطار مقبول لدى الأطراف السودانية، والتنسيق مع الدول الأفريقية المعنية والشركاء الإقليميين.
وتنبع أهمية الوساطة الأفريقية المحتملة من قدرتها على وضع الأزمة ضمن سياقها القاري، وربط وقف الحرب بقضايا السيادة ووحدة الدولة ومنع امتداد الصراع إلى دول الجوار. كما يمكنها أن تفتح مساحة أوسع للحوار السوداني–السوداني بدلًا من اختزال العملية في تفاهمات ثنائية أو ضغوط خارجية.
لكن وصف أي مبادرة بأنها الأكثر قبولًا يظل مرتبطًا بمدى قبول الأطراف السودانية بها عمليًا، وليس بمجرد الإعلان عنها أو تبنيها من جهة إقليمية. فالوساطة الناجحة تحتاج إلى تفويض واضح، وموقف متوازن، وآلية متابعة، وضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
كما يتطلب نجاحها التنسيق مع مصر والسعودية ودول الجوار، والاستفادة من الجهود الدولية القائمة من دون تعدد المسارات بصورة تؤدي إلى تنافس الوسطاء أو تضارب المبادرات.
وإذا تمكنت الوساطة الأفريقية من الجمع بين وقف القتال، وحماية المدنيين، وفتح حوار سوداني شامل، فإنها قد توفر فرصة لإعادة بناء مسار سياسي أكثر ارتباطًا بالواقع السوداني وأكثر قابلية للاستمرار.
المحور الثامن: السودان بين الحرب والدبلوماسية والتحولات الإقليمية
تكشف التطورات الحالية عن تداخل متزايد بين المسار العسكري والمسار الدبلوماسي والبيئة الإقليمية المحيطة بالسودان.
فالتقدم الميداني الذي تعلنه القوات المسلحة السودانية، وما يرافقه من تقارير عن انضمام قيادات ومجموعات إليها، قد يؤثر في حسابات الأطراف المتحاربة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى معالجة الأزمة السياسية والإنسانية.
وفي الوقت نفسه، تكشف الخلافات داخل مجلس الأمن والانتقادات الموجهة إلى الأداء الدبلوماسي الأمريكي عن صعوبة فرض تسوية لا تتوافر لها شروط القبول والتنفيذ. أما التصعيد الإثيوبي، فيضيف عاملًا إقليميًا جديدًا قد يزيد الضغط على الحدود السودانية ويعيد ترتيب حسابات الأمن في القرن الأفريقي.
وتتقاطع هذه المسارات عند سؤال مركزي: كيف يستطيع السودان حماية سيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته، وفي الوقت نفسه فتح طريق لإنهاء الحرب وإعادة بناء الحياة السياسية والاقتصادية؟
الإجابة لا تكمن في المسار العسكري وحده، ولا في الضغوط الخارجية وحدها، بل في إدارة متوازنة تجمع بين حماية الدولة، ومعالجة آثار الحرب، وفتح حوار وطني حقيقي، والاستفادة من الوساطات الإقليمية والأفريقية بما يخدم الأولويات السودانية.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تشير تطورات التاسع من أكتوبر 2026 إلى أن الأزمة السودانية تدخل مرحلة تتشابك فيها التحولات العسكرية مع تعثر بعض المسارات الدبلوماسية واتساع المخاطر الإقليمية.
فعلى المستوى العسكري، قد تؤثر التحركات الميدانية وانضمام بعض القيادات والمجموعات إلى القوات المسلحة السودانية في موازين القوة، لكن الأثر الاستراتيجي لهذه التطورات يظل مرتبطًا بمدى ثباتها وقدرتها على تحسين السيطرة وتأمين المناطق وحماية المدنيين.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تكشف الانتقادات الموجهة إلى المقاربة الأمريكية والخلافات داخل مجلس الأمن أن الوصول إلى تسوية يتطلب مراجعة أدوات الضغط، وتحسين التنسيق مع الشركاء الإقليميين، والتركيز على تنفيذ القرارات الدولية بدلًا من الاكتفاء بتوسيعها أو إصدار قرارات جديدة.
أما التصعيد الإثيوبي، فيمثل مصدر قلق مباشر للسودان؛ إذ إن اتساع القتال في تيغراي وتزايد التوتر الإثيوبي–الإريتري قد يرفعان مخاطر عدم الاستقرار في القرن الأفريقي، ويجعلان جبهة النيل الأزرق والحدود الشرقية أكثر حساسية في حسابات الأمن القومي السوداني.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الحوار السوداني–السوداني، المدعوم بوساطة أفريقية مقبولة، مسارًا يستحق إعطاءه أولوية متزايدة، بشرط أن يكون حوارًا جادًا لا يتجاوز قضايا الأمن والسيادة والعدالة ومستقبل مؤسسات الدولة، وألا يتحول إلى غطاء لتأجيل معالجة جذور الأزمة.
كما أن الوساطة الأفريقية الخماسية يمكن أن تكتسب وزنًا إذا حظيت بقبول فعلي من الأطراف السودانية، واستطاعت التنسيق مع الدول الإقليمية والشركاء الدوليين، وربطت بين وقف إطلاق النار والحوار السياسي وآليات التنفيذ والضمانات.
إن التحدي أمام السودان لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية أو تجاوز إخفاقات دبلوماسية، بل يتمثل في تحويل التطورات الراهنة إلى مسار يستعيد قدرة الدولة على حماية أراضيها ومواطنيها، ويضع حدًا لاستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والاستقرار.
فالسودان يحتاج إلى سلام يحفظ سيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ويستند إلى إرادة السودانيين، مع الاستفادة من دور الأشقاء والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين في دعم الحل، لا في الحلول محل الإرادة الوطنية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | السودان وشروط السلام الصعب .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *